(الخطبة الأولى)
أيها الناس: أعلنت ما تسمى بالمملكة العربية السعودية يوم أمس الخميس أنها أوقفت العمل بآلية تنفيذ التنقل بالبطاقة الشخصية (الهوية الوطنية) بينها وبين ما تسمى بالإمارات العربية المتحدة بسبب خارطة الحدود بينهما. وقال المدير العام للجوازات السعودية في تصريح لوكالة الأنباء السعودية “إن السبب في اتخاذ هذا الإجراء يعود إلى أن الخارطة التي تظهر على بطاقة الهوية الوطنية لمواطني دولة الإمارات العربية المتحدة لا تتفق مع اتفاقية تعيين الحدود بين المملكة والإمارات المبرمة بتاريخ 21 أغسطس/آب 1974”. وأوضح أن المملكة قامت باتخاذ العديد من الإجراءات لاحتواء الموضوع، من خلال تقديم مذكرة رسمية عبر القنوات الدبلوماسية بتاريخ 26 يونيو/حزيران الماضي دعت فيها الإماراتيين إلى تصحيح الخارطة بما يتفق مع الواقع الحالي للحدود المشتركة بين البلدين. وأشار إلى أنه وفي ضوء ذلك فإنه يتوجب على مواطني البلدين الراغبين في التنقل عبر المنافذ الرسمية بين البلدين استخدام جواز السفر بدلاً من بطاقة الهوية الوطنية.
أيها الناس: ليس هذا الخبر مهماً لدرجة أن يتصدر حديثنا لهذا اليوم الذي نستعد فيه لاستقبال أكرم زائر على مدار العام، ولكنه يعبر عن حالة الانقسام العميق بين الشعوب الإسلامية في بلاد المسلمين، حتى بلغت الغطرسة بالحكام الأشرار العملاء الخونة أن يحددوا شروط دخول أي شيء إلى بلادهم التي يعتبرونها مزارع خاصة لهم ولأبنائهم ومحاسيبهم ورثوها عن آبائهم وأجدادهم الأشرار العملاء الخونة. فكما يحددون شروط دخول الناس إلى الأراضي التي يحكمونها، خلافاً للشروط الشرعية التي حددها الإسلام لضبط حركة رعايا الدولة وحاملي تابعيتها، فإنهم يحددون شروط دخول هلال شهر رمضان المبارك، خلافاً للشروط التي حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم لدخول الشهر وخروجه، في قوله عليه السلام: (صوموا لرؤيته)، وكذلك يفعلون مع هلال شهر شوال خلافاً للشروط التي حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (وأفطروا لرؤيته)، فغيروا معنى الرؤية إلى الحساب الفلكي، وأدخلوا شروطاً لم تُعرف في أسلافهم الذين مضوا مثل الخلافات المذهبية والطائفية والأهواء السياسية، مخالفين الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقياس. فصار بعض المسلمين يصومون يوم الشك، والبعض الآخر يفطر يوم الصوم! وبعضهم يفطر وهلال شوال لم يظهر بعد، والبعض الآخر يصوم يوم عيد الفطر بعد رؤية هلال شوال. فمعاناة الزائر الإماراتي على الحدود السعودية لا تقل عن معاناة باقي المسلمين عند نقاط الحدود البغيضة المحرمة والمنتشرة في طول بلاد العالم الإسلامي. وكذلك هي معاناة المسلمين مع أول كل شهر رمضان وشهر شوال وربما شهر ذي الحجة، عندما يتفنن حكامهم في إيقاع الخلاف والاختلاف على دخول أهلة تلك الشهور المرتبطة بعبادتين ركنيتين في البناء الإسلامي الشامخ. فكما أن المسلمين يلعنون حكامهم عند كل نقطة من نقاط الحدود القائمة في العالم الإسلامي، فإني أحسب الأهلة تلعنهم وتشكو إلى الله ظلمهم على مدار العام، عندما يتم الاعتراف بدخول بعضها، وينكر دخول البعض الآخر، هتكاً لحرمة الشريعة، وطبقاً لمعايير ظالمة خاطئة كاذبة.
أيها الناس: لقد أصبحنا والحكام يلعنهم كل شيء في الأرض والسماء، يلعنهم القرآن فهم له معطلون، وتلعنهم السنّة فهم لها كارهون غير مطبقين، ويلعنهم الشجر والحجر والدواب وكثير من الناس، فما فيهم رفق ولا رعاية، بل كل تصرفاتهم أذى يلحق بالمسلمين وممتلكاتهم وأوقاتهم. فلو أجرينا حساباً بسيطاً للساعات التي تهدر عند نقاط الحدود مروراً وانتظاراً لوجدناها تفوق المليارات، وللأموال التي تهدر نفقات وأتاوات تحت مسميات ضريبية مختلفة لوجدناها تفوق المليارات، هذا إذا استثنينا المعاناة النفسية وتعطيل الأعمال. ولو أجرينا مسحاً سطحياً لموجبات الإثم الذي ترتب على المسلمين الذين يفطرون في أول أيام شهر الصيام، ويصومون في أول أيام شهر شوال، ويقفون في غير يوم عرفة، ويصومون يوم عيد الأضحى، لكانت السيئات المترتبة على هذه المخالفات أمثال الجبال في تقديرنا المحدود والله أعلم بها وأجدر وأحق بتقديرها. ولو أمكن غض النظر عن ذلك كله، وتم التركيز على الشتات والفرقة والتدابر والتشاحن والتباغض الذي يحدثه الاختلاف في هذه الأمور لكادت السماوات يتفطرن من فوقهن وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً. فُرقة جغرافية، وفرقة عسكرية، وفرقة سياسية، وفرقة اجتماعية، وفرقة اقتصادية، ما بقي إلا أن يفرقوا بين المرء ونفسه، وأظنهم قد فعلوا ذلك ببعض المسلمين الذين يعانون من أمراض نفسية وانفصام في الشخصية! قاتل الله هكذا حكام، وأعاذنا من شرورهم، ونسأله تعالى أن يمن علينها بهلاكهم ومبايعة خليفة واحد بدلاً منهم على السمع والطاعة للحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إننا مأمورون باستقبال شهر رمضان بالتوبة إلى الله توبة نصوحاً، والصفحِ والتسامح فيما بيننا، والاجتهادِ في العبادة من صيام وقيام وقراءة للقرآن الذي أنزل في شهر رمضان، ومأمورون أكثر من أي وقت مضى بالعمل لقلع هؤلاء الحكام من كراسيهم الآسنة، وتنصيب خليفة مكانهم جميعاً يحكمنا بكتاب الله وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أن خطرهم قد استفحل، وأذاهم قد تضاعف أضعافاً كثيرة، وأصبحوا كالسرطان الخبيث ينخر في جسم الأمة لا ينفع معه دواء ولا حمية، بل لا بد من استئصاله بعملية جراحية كبيرة تنزع من أجسادنا آخر جذر من جذورهم، تزيل ضررهم وتريح جسد الأمة من أذاهم. وليكن شهر رمضان هذا شهراً متميزاً في القيام بفرض العمل مع العاملين لإقامة دولة الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، كما هو متميز في العبادة والطاعة. ولنقبل على الله بوجه جديد يتناسب مع إقبال باقي المسلمين في العالم الذين عقدوا العزم على حشد الطاقات كاملة لتحقيق هذا الهدف الكبير، وأقبلوا على الله – رجالاً ونساءاً، شيباً وشباناً، علماء وسوقة – يدعون الناس لإقامة الخلافة. ولنجعل من شهر رمضان هذا العام نقطة تحول في تاريخ المسلمين، ليرى الله منا ما يحب ويرضى، فينظر إلينا بعين القبول والرضا كي ينجز لنا وعده لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالاستخلاف والتمكين والأمن.
أيها الناس: إن الخلافة إذا قامت فستنهي حالة الفرقة الشتات والضياع والتمزيق في بلاد المسلمين، وستكون بلادهم وحدة جغرافية واحدة، وأمتهم أمةً واحدة، ودولتهم دولة واحدة، تملك قرارها وسيادتها، وتتحكم في ثرواتها، وتطبق شرع ربها وخالقها ورازقها، فحقٌ عليه أن ينصرها على أعدائها، ويحقق لها أهدافها. فاللهم اجعلنا من جنودها وشهودها، ومن العاملين المخلصين لإقامتها.