(الخطبة الأولى)
أيها الناس: أصبح الإفطار الرمضاني في البيت الأبيض جزءاً من التقاليد الأميركية التي بدأها الرئيس الأميركي السابق كلينتون، وقد شهد هذا الأسبوع أول إفطار رمضاني في البيت الأبيض في عهد الرئيس أوباما الذي قال فيه أمام نفر من المسلمين البلهاء: “إن الإسلام جزءٌ من أميركا”! ونحن نرد عليه قائلين: بئس الجزء الأبتر هذا الذي يقتل المسلمين ويحتل بلادهم وينهب ثرواتهم! وبئس الجزء الأبتر هذا الذي اعتدى جنوده بالأمس في العراق على كرامة السجناء في سجن أبي غريب، ويعتدي حراس سفارته في أفغانستان جنسياً على المسلمين هناك، ويرغمونهم على شرب الخمر في أوضاع مشينة! وبئس الجزء الأبتر هذا الذي يبيع دينه بثمن بخس لقيمات معدودة يملأ بها معدته من طعام الأثيم المصنوع من شجرة الزقوم الأميركية! وبئس الجزء الأبتر هذا الذي يمكّن اليد التي لا زالت تقطر من دمائنا بمصافحة إخواننا وأخواتنا المضللين ممن دلف إلى دهاليز البيت الأبيض - جلله الله بالسواد – في غفلة من الزمن، وغيابٍ للراعي المسلم عن رعية التائهة المنكوبة!
أيها الناس: لا تكتمل فرحة الصائم ولا يهنأُ في طعامه على موائد الحكام الأشرار وأسيادهم الكفار، ولكن يهنأ إذا أفطر على لقيمات حلال، وكانت أرضه محررة، وإسلامه عزيزاً مطبقاً في الأرض، وأهله آمنين، وإخوانه في سبيل الله يجاهدون، ولنشر دين الله في الأرض عاملون! ولا تكتمل فرحة الصائم إلا إذا كان موالياً لأولياء الله معادياً لأعدائه، عاملاً بسنته، راغباً في مرضاته وجنته، مشفقاً من سخطه وناره! ولا تكتمل فرحته إلا إذا تطلع بشوق بالغ للقاء ربه، ليكون من بين الذين يدخلون من باب الريان إلى روضات الجنان عندما ينادي مناد: أين الصائمون؟
أيها الناس: إن بدعة الإفطار على موائد الكفار لم تُعهد في تاريخ المسلمين حتى في أحط وأذل فتراته، ولم نسمع أو نقرأ عن مسلمين من النخبة أو العامة، ولا من القلة الذين كتب عليهم أن يعيشوا في ديار الكفر، أن أحداً منهم قد حمل معدته إلى مائدة من موائد الكفار في رمضان أو غير رمضان، وكذلك فإن أحداً من الكفار الذميين الذين يعيشون داخل الدولة الإسلامية لم يدع إلى مائدة عند أمير المؤمنين أو أحد ولاته وعماله، فشهر رمضان خاص بالمسلمين، ولا شأن لغير المسلمين فيه حكاماً كانوا أم محكومين. ولكن بعد هدم دولة الخلافة الإسلامية أصبحت بدعة الإفطار على موائد الحكام الأشرار منتشرة في بلاد المسلمين، ثم انتقلت عدواها إلى موائد الكفار، وصارت تقليداً سنوياً يدعى إليه علماء الدين من المسلمين “المعتدلين"، ورجال الدين اليهود ونظراؤهم النصارى والدروز وباقي ملل الكفر، والسبب واضح كالشمس في رابعة النهار، تطبيع وكسب ولاء، وتسخير لقطاع شاذ من المسلمين ضد إخوانهم العاملين لإعزاز هذا الدين والمجاهدين في سبيل الحق المبين.
أيها الناس: إن الذين يأكلون على موائد هؤلاء الحكام الأشرار وأسيادهم الكفار إنما يأكلون في بطونهم ناراً، ويملأونها زقوماً ومُهلاً يغلي في بطونهم كغلي الحميم، وإن شرابهم على تلك الموائد حميم وغساق. قال تعالى: {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم}. قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات: يقول تعالى مخبراً عما يعذب به عباده الكافرين الجاحدين للقائه: إن شجرة الزقوم طعام الأثيم: والأثيم أي: في قوله وفعله، وهو الكافر. قال ابن جرير: إن أبا الدرداء كان يقرئ رجلاً ( إن شجرة الزقوم طعام الأثيم)، فقال: طعام اليتيم، فقال أبو الدرداء قل: إن شجرة الزقوم طعام الفاجر. أي: ليس له طعام غيرها. قال مجاهد: ولو وقعت منها قطرة في الأرض لأفسدت على أهل الأرض معايشهم.
أيها الناس: شتان بين إفطارات اليوم ونظيراتها في الماضي، عندما كان بعض المسلمين يجتمعون على مأدبة إفطار أمير المؤمنين، يطعمهم ويتفقد أحوالهم أكثر مما يتفقد الأب أبناءه. جاء في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور أن رجلاً من أهل اليمن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، شهد اليرموك، فأصيبت يده. وكان عمر بن الخطاب يغدي الناس يوما، فرأى رجلاً يأكل بشماله فقال له: كل بيمينك. فلم يجبه، فأعاد عليه فقال: هي يا أمير المؤمنين مشغولة. فلما فرغ من طعامه دعا به فقال: ما شغل يدك اليمنى؟ فأخرجها، فإذا هي مقطوعة فقال: ما هذا؟ فقال: أصيبت يدي يوم اليرموك. قال: فمن يوضئك؟ قال: أتوضأ بشمالي، ويعين الله. قال: فأين تريد؟ قال: اليمن، إلى أمٍّ لي لم أرها مذ كذا وكذا سنة قال: أوَبِرٌ أيضا! فأمر له بخادم وخمسة أباعير من الصدقة وأوقرها له. هذه هي موائد الخير، فاللهم أعدها علينا بالخير، واصرف عنا موائد الشر.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: تروي صفحات التاريخ أن أول من أقام موائد الرحمن الخليفة الفاطمي العزيز بالله، ثم جددها الخليفة المستنصر بالله في قاعة أطلق عليها قصر الذهب في القصر الشرقي الكبير في القاهرة، وقد وضع فيها سرير الملك فكان الخلفاء يتخذونها لجلوسهم، وأعدوها لإقامة ولائم الإفطار في رمضان. وكان يدعى لهذه الولائم ابتداءً من اليوم الرابع للشهر الفضيل الى السادس والعشرين منه العلماء والأمراء، فإذا جاء وقت الغروب مدت الموائد في هذه القاعة وحليت بالأزهار ونسقت عليها أنواع المأكولات والحلوى المحشوة بالدنانير الذهبية، ويتصدر المائدة الوزير أو ولده أو اخوه، فاذا انتهت المائدة وزعت الأطعمة على الفقراء والمساكين. والعزيز بالله هو أول من عمل مائدة في شهر رمضان يفطر عليها أهل الجامع العتيق (عمرو بن العاص)، وأقام طعاماً في الجامع الأزهر للدارسين والزوار وكان يخرج من مطبخ القصر فى الشهر الفضيل 1100 قدر من جميع انواع الطعام والشراب توزع كل يوم على المحتاجين والضعفاء. ورغم ضلال الفاطميين وسوء صنيعهم، إلا أنهم أقل سوءاً من حكامنا الأشرار وأسيادهم الكفار، حيث لا يحضر موائدهم غير المترفين والأغنياء وأولو المناصب وأصحاب التيجان والصولجان والظلمة ولصوص الأموال، وليس للفقراء أو المستضعفين محل أو مكان، فالعائل البائس الفقير عندهم مجفو، والغني وصاحب الجاه على خُوانهم مدعو؟
بالله عليكم أيها الحاضرون على موائد الحكام الأشرار وأسيادهم الكفار، هل يقبل أحد من الصحابة الأخيار أو التابعين الأبرار أو تابعي التابعين أن يكون معكم على هذه الموائد؟ وانظروا حولكم، هل تجدون أحداً من الصالحين العاملين لإعزاز هذا الدين أو المجاهدين في سبيل الله بينكم؟ ونسألكم بالله الذي خلقكم ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون: هل تجدون نية القربة إلى الله في موقفكم هذا، أم هو النفاق والرياء وحفظ المصالح الدنيوية الزائلة؟ وهل لو أن ملك الموت قبض أرواحكم في تلك اللحظة لكان بإمكانكم أن تسألوا الله أجراً على موقفكم قائلين: الهنا أعطنا الأجر فإننا لبينا دعوة هذا الطاغية أو ذاك من حكام المسلمين، وإننا هرولنا للقاء رئيس أميركا وبايعناه قيّماً على مصالحنا، وناشدناه أن يساعدنا على حل معضلاتنا؟
أيها المفطرون على تلك الموائد: هلا قرأتم قول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وكرم وجهه لعامله على البصرة عثمان بن حنيف، وجاء فيه: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عثمان بن حنيف: أما بعد يا ابن حنيف لقد بلغني أن رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان وتنقل إليك الجفان(الصحون)، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم (فقيرهم) مجفو (مطرود) وغنيهم مدعو. وهل تظنون أن حضوركم لهذه الموائد مرضي عند الله ورسوله والصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين؟ ثوبوا إلى رشدكم، واتقوا الله ربكم، ولا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه، ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، وتوبوا إلى الله من سوء صنيعكم، واعملوا مع العاملين لإعزاز هذا الدين بإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة، فتحت ظلالها يطيب العيش وتهنأ اللقم، ويقاتل العدو ولا يحترم.