(الخطبة الأولى)
أيها الناس: إن الظلم سبب لخراب الديار، وهلاك الأمم والشعوب، وهو سبب لحياة الضنك التي يشكو منها الناس، وسبب للعذاب الأليم في الآخرة يوم يقوم الناس لرب العالمين. فالظلم ظلمات بعضها فوق بعض، يبدأ مع الظالم في الدنيا، ثم يعذبّه في قبره، وبعدها يفسد عليه آخرته فيوبقه في النار والعياذ بالله. يقول الله سبحانه وتعالى {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}، ويقول صلى الله عليه وسلم {اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة}. وقد جاء الإسلام محذّراًَ من الظلم بكل صوره وأشكاله، وآمراً بالعدل في الأمور كلها، وهدّد الظالمين وتوعدهم، وأمر بالوقوف إلى جانب المظلوم والدفاع عنه حتى ينكشف الظلم عنه ويرتفع. قال تعالى {ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً}، وهدد الله تعالى الظالمين فقال: {ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار). وجاء في الحديث القدسي: (يا عبادي إن حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، وقال الله تعالى {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً}، وهذا كله في الدنيا أما في الآخرة فالنار بانتظار الظالمين، يقول الله تعالى: {إنا اعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاًَ}.
أيها الناس: سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ فقال إذا ضيّعت الأمانة، فانتظر الساعة، فقال الأعرابي: وكيف إضاعتها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إذا وسُّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة). فما نراه اليوم من ظلم الحكام للشعوب الإسلامية إنما هو بسبب توسيد الأمر إلى غير أهله، فحكامنا قراصنة مجرمون، ولسلطاننا غاصبون، ولأعدائنا موالون، قاتلهم الله أنى يؤفكون. ويكفي للدلالة على ظلمهم أنهم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس كما يفعل الطواغيت عموماً، وطاغيتا أزبكستان وليبيا كريموف والقذافي على وجه الخصوص. إذ قتل الأول آلافاً من حملة الدعوة واعتقل عشرات الألاف منهم إضافة إلى أفراد عائلاتهم رجالاً ونساءاً وكباراً وصغاراً! وأما الثاني فقد أباد نزلاء سجن يضم المئات في ساعة واحدة، إضافة إلى الإعدامات الكثيرة لصفوة الرجال الذين يقولون ربنا الله. وأما باقي الطواغيت فليسوا أقل ظلماً وإجراماً من هذين الطاغوتين، ولكن لكل طاغوت لونه في الظلم، وطبعه في الغدر والخيانة، ومنهجه في أكل الأموال وتبديدها وهضم الحقوق وتضييعها.
أيها الناس: إن الإسلام يأمر المسلم أن يكون صاحب موقف واضح لا لبس فيه من الظالمين ومن نصرة المظلومين، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ عندما أرسله إلى اليمن: (اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). وقال عليه السلام: (دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجراً، وفجوره على نفسه)، ويقول الصادق المصدوق عليه أفضل الصلاة والتسليم: (اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام، يقول الله سبحانه عز وجل: وعزتي وجلالي لانصرنك ولو بعد حين). فالحذر الحذر من الظلم، والحذر الحذر من السكوت على ظلم الظالمين، ولنحدد مواقفنا ولنسأل أنفسنا: هل نحن من الظالمين أم من المظلومين؟ ولنعمل على نزع فتيل الظلم من أنفسنا ومن غيرنا، ولا نكون لهم في الظلم شركاء. ولا يحسبن البعض أنه إذا لم يكن ظالماً بيده فقد نجا، بل إن الساكت والظالم في الإثم والعقوبة سواء، قال الله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}، ولما نزل جبريل عليه السلام بالعذاب على القرية وكان فيها عبد صالح قال الله تعالى لجبريل: به فابدأ، فإنه لم يمعر وجهه فيَّ ساعة قط.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إن حال أمتنا الإسلامية اليوم - من أدناها إلى أقصاها ومن مشرقها إلى مغربها – لا يرضي منصفاً ولا يسر صديقاً، وإن الهوان الذي تعيشه الأمة اليوم ليس إلاّ بسبب الظلم والظالمين، الذين باتوا يتصرفون في كل صغيرة وكبيرة من أمورها، ويتحدثون باسمها وهم الذين يحاربونها في دينها ودنياها، حتى جعلوها في ذيل الأمم في عهودهم النحسة، بعد أن كانت في مقدمة الركب، ورائدة للأمم. فكيف نتصرف مع هذه الطغمة الفاسدة الظالمة التي قفزت إلى الحكم ومراكز اتخاذ القرار في غفلة من الناس؟ والجواب في ديننا وشرع الله الذي أرسله إلينا، وهو المحرك القوي لسلوكنا تجاه الظلم والظالمين. أخرج ابن حجر العسقلاني في هداية الرواة بسند حسن عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما السلام {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} قال: فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكئاً فقال: لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم أطراً، وفي رواية: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً أو لتقصرنه على الحق قصراً أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم).
أيها الناس: لقد شرع الله تعالى الجهاد في سبيله لإزالة العوائق من وجه الدعوة، وحتى لا يقف بين الناس ودينهم وخالقهم حائل أو ظالم، ولا يصد عن دين الله صادّ من الذين لعنهم الله تعالى في كتابه قائلاً: {ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً}. ثم أليست كلمة الحق عند ذي سلطان جائر من أعظم الجهاد، يحشر صاحبها – إن قتل – مع سيد الشهداء في الجنة؟
أيها الناس: إذا زيّن الشيطان للمرء ظلمه لغيره، وحسب أنه في منأئً عن الحساب، فإنه جاهل بسنن الله تعالى وبحقيقة الأمر، لأن الله تعالى يمهل ولا يهمل، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم تلا قول الله تعالى {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد}. ولله در الشاعر يقول:
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً
فالظلم ترجع عقباه إلى الندم
تنام عينك والمظلوم منتبه
يدعو عليك وعين الله لم تنم
وقد أوصانا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ألا يظلم المسلم أخاه ولا يتركه للظالم ولا يسمله ولا يخذله، فقال صلى الله عليه وسلم (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله)، فإن ابتعد المسلمون عن هذا النهج وحادوا عن الطريق الذي رسمه الله تعالى لهم فإن الله تعالى يذهب هؤلاء الناس ويأتي بالقوم الذين يحبهم ويحبونه. {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}. ولنا عبرة في قصة الطاغية الأكبر فرعون لما سار قومه على هواه وتابعوه على ظلمه وأصبح يستعبدهم، وصفهم الله تعالى بالفسق وانتقم منهم، فقال الله تعالى {فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين، فلما آسفونا انتقمنا منهم}. ولكن لما ظهر رجل مؤمن منهم ودافع عن المظلومين من أتباع موسى عليه السلام ودعوته – رغم أنه كان يكتم إيمانه – لما فعل ذلك كانت العاقبة للمتقين. فلنعمل على رفع الظلم عنا وعن إخواننا المظلومين بالعمل مع العاملين لإقامة دولة خلافة المسلمين التي ستقتص من الظلمة بعد أن ترفع الظلم عن المظلومين، وكذلك بالدعاء في جوف الليل وقنوت الصلوات والسجود على أكابر المجرمين، فالدعاء سهام ربانية وصواعق مرسلة لا تخطئ هدفها ولا تضل طريقها، بل تقصف عقول المجرمين الظالمين وقلوبهم، وتمهد السبيل لقلعهم من مواقع ظلمهم، وتدمير ملكهم ونزع سلطانهم ومحق جبروتهم.