(الخطبة الأولى)
أيها الناس: إن المطلوب من القائد إذا أراد أن يصدر القرار الصحيح أن يرجع إلى أمرين:
1 ـ المنهجية والقدرة العقلية والحكمة حتى يسير على طريق واضح في اتخاذ القرار، ويزرع الثقة في قراراته.
2 ـ أن يكون له حرص على المعلومات السليمة، فكلَّما توفرت المعلومات الصحيحة أكثر كلما كان القرار أكثر صواباً؛ كبناء النتيجة على المقدمات الصحيحة؛ وإن الاستطلاع صفة من صفات القائد الناجح ليستكشف الأخبار الدقيقة الصحيحة والتأكد منها. لأجل ذلك كان النبي القائد صلى الله عليه وسلم يكثر من السرايا الاستطلاعية قبل المعركة حتى يبني قراراته على معلومات سليمة، كما كان يخرج بنفسه يستطلع ويسأل ويبحث في استقصاء أخبار العدو. ولقد تجلى ذلك في غزوة بدر الكبرى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، فقد أرسل صلى الله عليه وسلم عيناً -جاسوساً- ليتتبع أحوال الكفّار وليعلم عددهم، وفي بدر خاصَّة كانت معجزة ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ}. عاد العين (المخبر) فقال له صلى الله عليه وسلم: “كم القوم؟” فقال: حوالي المئة، وهذه الرؤية كانت ظنية غير دقيقة، فقال صلى الله عليه وسلم في سؤال أكثر عمقاً لاستخراج المعلومات الدقيقة عن العدو: “كم يذبحون؟” قال: ينحرون يوماً عشراً من الإبل ويوماً تسعاً، فقال صلى الله عليه وسلم: “القوم بين التسع مئة والألف”. (رواه البخاري ومسلم). وبهذه الطريقة الاستطلاعية اليقينية المبنية على جمع المعومات عن طريق الاستبانات وطرح الأسئلة والمتابعة والاستطلاع استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنبط عدد جنود العدو من معرفة كمية طعامهم؛ لأن الجمل يطعم نحو المئة غالباً.
أيها الناس: إن الإطلالة على هذه النقطة اللامعة في السيرة النبوية المطهرة تكشف مقدار الهدر والغفلة والتخلف الذي يعتري قادتنا وحكامنا اليوم، وتفضح حجم التآمر الذي يقوم به هؤلاء الحكام على شعوبهم الإسلامية، وأنهم لا يبذلون أي جهد يذكر لاستطلاع الأخبار عن أعداء الأمة الإسلامية، بل على العكس من ذلك، فإنهم عيون لهم، ينفذون مخططاتهم، ويسخّرون إمكانيات الأمة لصالحهم. والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى، ولكننا اليوم بصدد التنويه إلى بعض المسائل التي حصلت في بلاد المسلمين مؤخراً، وتعكس هذه المسائل غفلة هؤلاء الحكام وتآمرهم على الأمة الإسلامية المنكوبة بهم وبقيادتهم. من ذلك ما أعلنته الولايات المتحدة الأميركية عن عزمها زيادة القوات العسكرية العاملة في أفغانستان بنحو خمسة آلاف مقاتل، تعهدت بريطانيا بتقديم خمسمائة منهم إلى إقليم هلمند، ليصل عدد قوات بريطانيا إلى 9500 جندي. وأما عدد القوات الأميركية العاملة في أفغانستان فيزيد على 60000 مقاتل. وهذه الأرقام طبقاً لما ينشره الكفار المحاربون، فليس لنا والله من مصدر يطلعنا على حجمها وعددها وتسليحها ومواقعها، وكم يأكلون وكم يشربون؟ وكم يقتلون من المجاهدين والمدنيين وكم يجرحون؟ وكم يدمرون من المباني والممتلكات؟ وكم يشردون من الناس في الوِهاد والجبال؟ وكم، وكم، وكم؟؟؟؟
أيها الناس: هناك أمثلة أخرى في هذا الباب تعكس مدى الهوان الذي وصلت إليه الأمة الإسلامية في ظل رويبضات العصر، فالجنرال دايتون يعلن أنه يزيد أعداد جيش لحد الفلسطيني خدمة للأمن الإسرائيلي، ووزير الخارجية السوري يتبجح بأن لديه نقطة مراقبة عسكرية بين كل كيلومترين اثنين أو ثلاثة على الحدود السورية العراقية الممتدة على طول 700 أو 800 كم، وقد شيع ملك الأردن قبل أيام قليلة جنوداً أردنيين قتلوا في معارك خاضتها قوات الأمم المتحدة في هاييتي بكمين وسقوط طائرة عسكرية، ومن قبل ما قتل الجنود المسلمون وهم يقاتلون ضمن قوات التحالف الأميركي في العراق ويوغوسلافيا السابقة ومناطق متفرقة من إفريقيا. وأما المناورات المشتركة بين تركيا وإسرائيل، والتنسيق العسكري بينها وبين مصر فحدث ولا حرج، يتصرفون مع جنودها كأنهم أصدقاء عسكريون ورفقاء سلاح.
أيها الناس: أرأيتم كيف أننا فقدنا الجبهات، وفقدنا الرباط والثغور، وكيف أننا أمام العدو أصفار على شمال الأرقام السياسية لا قيمة لها، وكيف أن أرضنا مستباحة لقواتهم، وأن قواتنا المسلحة تستبسل في الدفاع عن قضاياهم، وأن ثرواتنا نهبٌ لطامعيهم، وقائمة الهدر والضياع طويلة طويلة. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا المقام هو: لماذا صرنا في ذيل الأمم بعد أن كنا شامة في جبينها، وقادة لها ونبراساً؟ والجواب واضح وضوح الشمس في رابعة النهار لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد: ليس لنا دولة إسلامية حقيقية ذات سيادة تطبق علينا شرع الله، كما للكفار دول حقيقية ذات سيادة تطبق عليهم وعلينا شرع الطاغوت والجاهلية. هل عقلتم هذا الجواب أيها الناس؟ ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: لقد ضلت سفينة المسلمين طريقها في عهود هؤلاء الحكام الخونة والقادة الجهلة وزعماء الغفلة، وصارت تتلاطمها الأمواج العاتية في البحار اللُّجية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية وغيرها، ما أفقد ركاب هذه السفينة توازنهم، وأغرقهم فيما ترون من قتل وجرح واحتلال وهزائم متلاحقة قلما شهد لها تاريخ الأمة الإسلامية مثيلاً. فإلى متى يا أمة الإسلام نبقى نتجرع كؤوس الذل والمهانة؟ وإلى متى نبقى نعاني من ويلات الاحتلال والقهر؟ وإلى متى نبقى تابعين لقادة الأمم الأخرى الذين ظهروا علينا فلم يرقبوا فينا إلاً ولا ذمة؟ وإلى متى يُقمع قادتنا الحقيقيون المخلصون، ويستبعد عن الفتوى علماؤنا النظيفون العاملون، ويستغل شباب الأمة الأخيار وفتيانها الأبرار في قضايا لا تمت للأمة الإسلامية بصلة، ويقدمون التضحيات الجسام لتحقيق غايات أعدائنا وأهدافهم؟ وإلى متى يوجه باقي شباب الأمة الذين يعدون مئات الملايين نحو أعمال اللهو المنظم والمحرم من رياضة وغناء وتمثيل ومهرجانات وطنية باطلة، وأعمال دينية سطحية، يملؤن بها الفراغ الهائل، ويستهلكون الوقت العظيم، ويصرفونهم عن مجرد التفكير في قضايا أمتهم. وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، وإن يقولوا تسمع لقولهم، كأنهم خشب مسندة، يحسبون كل صيحة عليهم. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
أيها الناس: والذي نفسي بيده وهو الله، إنه لا خلاص لكم إلا بإقامة دولة خلافتكم، فلا تماروا في هذه الحقيقة الساطعة، فلستم والله أخير من الأولين وأكثر هداية منهم، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسهم، وهو قدوتكم وقدوتهم، فأقاموا دولتهم لما اعتنقوا دين الإسلام حتى يقيموا شرع الله في أرض الله، وأنتم قد اعتنقتم دين الله القويم، وعليكم إقامة شرعه الحنيف، فلا بد لكم من مبايعة إمام يحكمكم بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى يصبح لكم دولة كما كان للمسلمين من أسلافكم دولة، وتطبقوا الإسلام كما طبقوه، وتحملوه كما حملوه، ثم ينصركم كما نصرهم، ويهلك عدوكم كما أهلك عدوهم، ويرفع درجاتكم في الدنيا والآخرة كما رفع درجاتهم في الدنيا والآخرة. فاعملوا أيها المسلمون – دون إبطاء أو تأخير - مع إخوانكم العاملين لإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة تفوزا بخير الدنيا والآخرة. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.