(الخطبة الأولى)
أيها الناس: يقول الحق تبارك وتعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ، فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ، وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ}. قال الإمام القرطبي رحمه الله: مَكَانَكُمْ أي الزموا واثبتوا مكانكم، وقفوا مواضعكم. أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ وهذا وعيد. فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ أي فرقنا وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا. قال مجاهد: يُنطق الله الأوثان فتقول: ما كنا نشعر بأنكم إيانا تعبدون، وما أمرناكم بعبادتنا.
أيها الناس: رغم اختيار التوقيت الذي لا يتواجد فيه مصلون بكثافة، لم تمر زيارة مبعوث اللجنة الرباعية لعملية السلام في الشرق الأوسط توني بلير للمسجد الإبراهيمي بمدينة الخليل ظهر الثلاثاء الماضي كما شاء، ولا كما أراد مرافقوه من الشخصيات الفلسطينية المضلِّلة، ولا حراسه المغفلون المضلَّلون، فقد باغتتهم غضبة مسلم حر نشأ على مفاهيم العقيدة الإسلامية، وجسّد في مواجهته السياسية أحكام الإسلام التي تنأى بحاملها عن السكوت على ضيم الكافر المستعمر الذي ذبح المسلمين وشتتهم، وتسبب في خراب ديارهم، ثم يأتي ليدنس مساجدهم ومقدساتهم، فقال له بعزة المؤمن الغيور الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم: أنت إرهابي يا توني بلير، أخرج من المسجد فلا أهلاً بك ولا سهلاً ولا مرحباً. وقد تناقلت العديد من وسائل الإعلام الصور التي اختطفتها العدسات لعلي محمد وهو يصرخ في وجه بلير بعزة الرجال المؤمنين الشجعان، مجسداً نموذجاً لمؤمن وقف كالطود الشامخ أمام أحد قادة الاستعمار وأئمة الكفر، في عصر عز فيه القائلون بالكتاب والسنة. ونحن نردد خلف صاحبنا فنقول لقادة فلسطين وزعمائها: مكانَكم أنتم وشركاؤكم المتلاعبون بقضية فلسطين مهما تكن انتماءاتكم، مكانكم فالخطب جلل، والقضية مصيرية، ولا تنفع فيها مفاوضات أو مراودات، وليس يفيد في الكفر العتاب، بل بحد السيف تجتث الرقاب. فالأمة الإسلامية لا تقبل بطوني بلير ولا أوباما، ولا تقبل بغيرهم من زعماء الكفر قوامين على قضاياها، بل تريد أميراً للمؤمنين يقودها بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ونزيدكم بأن عملكم هذا في تكوين سلطة موهومة ودولة مزعومة، سينتهي إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، وستجدون أنفسكم خدماً أمنيين وسياسيين واقتصاديين واجتماعيين لكيان يهود، وحراساً على مصالحه، مكانكم، فبئس ما تصنعون. ونردد خلف أصحابنا الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر في باكستان القائلين لجنرالات الحرب والإرهاب وحكامهم العملاء الخونة: مكانَكم أيها المجرمون وشركاؤكم الأميركيون، مكانكم وأنتم تقتلون إخواننا المسلمين في وزيرستان، وتشردونهم وتروعون الآمنين، مكانكم، فستتعلق دماء الأبرياء بكم يوم القيامة لتقول بين يدي الواحد الديان: يا رب سل هؤلاء فيم قتلونا وفيم شردونا؟ وما هو ذنبنا إذ قمنا لمقاومة الأميركيين الغزاة لأرضنا؟ وهل يجوز لجيش المسلمين أن يقتل أبناءه وإخوانه ويشردهم في العراء؟ ونردد خلف أصحابنا الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، القائلين لحكام بنغلاديش: مكانكم أيها المنبطحون وشركاؤكم الهندوس المشركون، لماذا تعتقلون المسلمين الذين يكشفون خياناتكم وأنتم تمكنون عُبّادَ البقر من بلاد المسلمين ورقابهم وأقواتهم؟ ونردد خلف أصحابنا الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، القائلين لحكام السودان: مكانكم وشركاؤكم أيها المفرطون في وحدة أرض السودان وشعبه، مكانكم وأنتم تسعون لانفصال جنوبه عن شماله وغربه عن شرقه، أليس منكم رجل رشيد يستمع إلى النصائح تترى من المخلصين الذين يبينون لكم خطأ مسيركم، واضطراب سياساتكم؟ ونردد خلف أصحابنا الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، القائلين لحكام تركيا: مكانكم وشركاؤكم أيها المتمسلمون، مكانكم وأنتم من أعجب ما سمعت آذان المسلمين ورأت أعينهم، فكيف بالله عليكم يصل حزب إسلامي إلى الحكم ولا يحكم بالإسلام؟ ولكنه الكذب والخيانة، وسوء التدبير والتقدير، ومخالفة العزيز القدير القائل: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم}. ونردد خلف أصحابنا الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، القائلين لحكام مصر والأردن: مكانكم أيها السماسرة المطبعون وشركاؤكم، فما أغنى عنكم تطبيعكم وسمسرتكم من إذلال أبناء شعوبكم وباقي إخوانكم شيئاً، فنقاط الحدود مع أوليائكم تنطق بالمهانة على مدار الساعة. ولما قام رجل ينكر هذا المنكر، قبل أيام معدودة، رد عليه أحد أشياعكم من المنتفعين بدراهمكم قائلاً: بإمكانك أن تسب الله ولا تسب عبد الله!! في إشارة إلى ملك الأردن.
أيها الناس: جاء في الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله”. وفي هذا القدر كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: أذكركم بقول الله عز وجل: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ، فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ، وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ}. وفي هذه الذكرى فائدة عظيمة لكم أيها المسلمون، فالله سبحانه وتعالى يقول: {يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً، وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً، لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً}، وسيقول للذين أشركوا: مكانكم أنتم وشركاؤكم، وفي هذه الذكرى أمر لكم أيها المسلمون لتقولوا لهم في الدنيا: مكانكم أنتم وشركاؤكم، من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال لكفار قريش: والله لقد جئتكم بالذبح، وكما قال أبو بكر رضي الله عنه لعروة: امصص ببظر اللات، وكما قال عمر لطواغيت قريش: إذا صرنا ثلاثمائة فإما أن نخرجكم منها وإما أن تخرجونا. وقد آن الأوان لنقول لطواغيت العصر: مكانكم أنتم وشركاؤكم، فوالله لا زلنا نجاهدكم بالكلمة الشجاعة المعبرة عن العقيدة الراسخة، والإيمان الثابت، والجرأة التي تزول أمامها الجبال الراسيات، ولنعملن جاهدين لإقامة دولة الخلافة الثانية الراشدة على منهاج النبوة التي ستقول للطواغيت كافة: مكانكم أنتم وشركاؤكم، لتقتص منهم في الدنيا إن قدرت عليهم، ولعذاب الآخر أكبر لو كانوا يعلمون. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.