(الخطبة الأولى)
أيها الناس: جاء في الحديث الصحيح عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً: الديوث، والرجلة من النساء، ومدمن الخمر قالوا: يا رسول الله! أما مدمن الخمر فقد عرفناه، فما الديوث؟ فقال: الذي لا يبالي من دخل على أهله، قلنا: فما الرجلة من النساء؟ قال: التي تشبه بالرجال.
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة فأقبل ابن أم مكتوم حتى دخل عليه، وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احتجبا منه! فقلنا يا رسول الله: أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ قال: أفعمياوان أنتما لستما تبصرانه. ودخل علي بن أبي طالب رضي الله عنه على زوجته فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ابنة خير البشر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرآها تستاك بسواك من أراك فاشتعلت نار الغيرة في عروقه وقال لها في بيتين جميلين عجيبين:
حظيت َ يا عود الأراكِ بثغرها
أما خفت يا عود الأراك أراكَ
لو كنت َ من أهـل القتال قتلتك
ما فـاز منـي يا سِواكُ سِواكَ
جاء في المصباح: أن الديوث هو الرجل الذي لا غيرة له على أهله، قال في الموسوعة الفقهية: عرفت الدياثة بألفاظ متقاربة يجمعها معنى واحد لا يخرج عن المعنى اللغوي وهو عدم الغيرة على الأهل والمحارم. ومن هنا كانت غيرةُ الرجل على زوجه ومحارمه محمودة، وعلامةً على كمال الرجولة والشهامة، وتركها دياثة مذمومة شرعاً وطبعاً، وهذا ما جعل الدفاع عن العرض مشروعاً، ومن مات في سبيل ذلك عُدَّ شهيداً، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من قتل دون أهله فهو شهيد. والديوث فاسق عند العلماء، ومردود الشهادة عند الشافعية والحنابلة، لأنه يرى المنكرات في أهله ومحارمه ويسكت .
أيها الناس: إن الذي أثار هذا الموضوع اليوم، وجعله يسيطر على نفسي طيلة الأسبوع، وأوغر صدري حقداً وغضباً على ما يسمى برئيس الوزراء الفلسطيني والمسؤولين عن شئون الرياضة الفلسطينية الذين ينفقون الأموال الطائلة لتخنيث هذا الشعب اجتماعياً ورياضياً كما خنثوه سياسياً، هو المباراة التي أقيمت على ستاد الشهيد فيصل الحسيني في منطقة الرام وضاحية البريد، أو ما يطلق عليه الفلسطينيون القدس الشرقية، بين المنتخب النسائي الأردني ونظيره الفلسطيني! هذه المباراة – بل قل الكارثة – غريبة عن عاداتنا وتقاليدنا، وجريمة كبرى ترتكب بحق أبنائنا وبناتنا، ودياثة كبرى من جملة الدياثات المعاصرة، ووصمة عار في تاريخ فلسطين والأردن، وفوق ذلك كله فهي حرام شرعاً لا يشك في تحريمها من كانت عنده بقية من فقه. وقد حضر هذه المبارة آلاف الرجال وأعداد أكبر من النساء. يا للعار! أخواتكن يقبعن أسيرات في سجون العدو وأنتن تلعبن كاسيات عاريات أمام الرجال الأجانب، ويشاهدكن الملايين عبر الشاشات الفضية تهتز منكن الأثداء والأرداف. ويا للدياثة! أين أولياؤكن الذين سمحوا لكن بهذا الابتذال والتعري والتمايل والانبطاح والتدحرج والترجل؟ قبحكن الله، وقبح الله أولياءكن، وقبح الله كل مسؤول ساهم في إقامة هذا اللقاء العاهر، وقبح الله كل من حضر المباراة أو سمع عنها ولم ينكر هذا المنكر الفظيع. ماذا ستقولون لرب العرش يسألكم عن فعل الدياثة هذا يوم لا ينفع مال الدول المانحة ولا دولارات أميركا ولا أولياؤكم من اليهود والنصارى؟ وماذا ستقولون للشهداء الذين قضوا على تراب الوطن الذي لوثتموه بخيانتكم ودياثتكم؟ وبماذا تجيبون أيها الإعلاميون المشاركون في هذا المنكر، وأنتم تدعون الجماهير للزحف إلى مشاهدة المباراة، وتنقلونها حياً على الهواء، وتمتنعون عن نقل وقائع جادة تدعو إلى إقامة الخلافة وزحف الجيوش لتحرير فلسطين؟ بل إن بعض وسائل الإعلام الفلسطينية قد تبجحت بأن الفلسطينيين قد كسروا قاعدة احتكار لعبة كرة القدم للرجال، وجعلتها للرجال والنساء على حد سواء. ينسب البعض أبياتاً شعرية إلى عبد الله بن المبارك رحمه الله، أرسل بها إلى الفضيل بن عياض رحمه الله يقول فيها:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنـا
لعلمت أنك في العبادة تلعـب
من كان يخضب خده بدموعه
فنحورنـا بدمائنـا تتخضّـب
أو كان يتعب خيله في باطـل
فخيولنا يوم الصبيحة تتعـب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا
رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا عن مقال نبينا
قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي وغبار خيل الله في
أنف امرىء ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا
ليس الشهيد بميت لا يكذب
فلما قرأها الفضيل بكى وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: أرجو أن لا يقول قائل إن هذه المباراة ترفيه عن نفوس هذا الشعب المعذب وترويح، أو يقول إن الرياضة تقرب النفوس المتنافرة، وتخدم السلام والوئام بين الشعبين الأردني والفلسطيني بعد قطيعة طويلة بسبب أحداث أيلول عام 70، أو يقول إن هز الأرداف والبطون على تراب الوطن المحتل يساهم في تحريره وثبات شعبه أمام تحديات الاستيطان، ويعبر عن تطلعات الشعب نحو الحرية والاستقلال، أو غير ذلك من الترهات والهرطقات. فالترفيه والترويح لا يكونان فيما حرم الله، بل في المباحات فقط، والمؤمن الوقور الورع يترفع عن كثير منها. وأما باقي الأطروحات والاقتراحات والتبريرات فليغلق أصحابها أفواههم من قبل أن يطمس الله وجوهاً فيردها على أدبارها، أو يلعنكم كما لعن أصحاب السبت، يا من تتقربون إلى أصحاب السبت والأحد وتقلدونهم في ضلالهم وباطلهم، وكان وعد الله مفعولاً.
أيها الناس: إننا جميعاً بحاجة إلى أن نتوب إلى الله توبة نصوحاً، عسى الله أن يغفر لنا ذنوبنا ويكفر عنا سيئاتنا، ويرفع ما بنا من بلاء. وإننا بحاجة إلى مراجعة شاملة لكل خطواتنا التي خطاها سادتنا وكبراؤنا فأضلونا السبيل ردحاً طويلاً من الزمن. وإننا بحاجة إلى أن نتفقه في الأحكام الشرعية التي تلزمنا في حياتنا، فمن أراد تحرير فلسطين فعليه أن يتفقه في أحكام الله لتحريرها، ومن أراد أن يمارس الرياضة فعليه أن يتفقه في أحكام الله لممارستها، ومن أراد أن يستثمر أمواله فعليه أن يتفقه في أحكام الله لاستثمارها، وهكذا دواليك. وأما بخصوص الدياثة والتوبة منها، وهل للديوث من توبة، فالجواب نعم، لأن الله تعالى ذكر في محكم كتابه أنه يغفر الذنوب جميعاً حيث قال: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}. فليراجع كل واحد منكم نفسه، وليسألها سؤالاً محدداً: هل عندك يا نفس دياثة؟ فإن لم يجد، فبها ونعمت، وإن وجد، فليستغفر الله وليتب، وليقلع عن جزئية الدياثة التي ألمت به – ولو كانت السماح بخروج ابنته سافرة بلا جلباب - وإن شك في أمر عنده أهو من الدياثة أم لا، فليسأل من يثق بدينه وعلمه وشخصه، فإن شفاء العي السؤال.
أيها الناس: إن المخرج الوحيد لما تعانيه الأمة اليوم من قهر وظلم وقتل وفقر وجهل ودياثة هو العمل لإقامة دولة الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، فإن وجدت فقد تحقق رضا الله أن أقيم شرعه في أرضه، وإذا رضي الله عن قوم وضع عنهم البلاء، وأغناهم عما سواه، وأرشدهم إلى حسن العمل، وولى عليهم خيارهم، وأرضى عنهم ملائكته، وفتح البلاد على أيديهم وهدى بهم العباد. فاللهم عجل لنا بخلافتنا، ورد علينا ضالتنا المسجد الأقصى، وقنا شر الدياثة وسوء الأخلاق، وادفع الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين، واجعلنا اللهم من جنود الخلافة وشهودها، ومن العاملين المخلصين لإقامتها.