(الخطبة الأولى)
أيها الناس: تتوالى الأنباء كل يوم بل كل ساعة عن هجوم من نوع جديد على المسلمين هنا وهناك في طول بلاد العالم وعرضها، وحيثما يوجد مسلمون أو لا يوجد. وتلك شنشنة نعرفها من الكفار منذ أن ولد الإسلام، فما انفكوا يتصدون لأهله ويمنعون انتشاره، ويقاومونه بكل ما أوتوا من قوة. ولقد أصبح هذا الأمر من الملامح الثابتة في تعامل الكفار والمنافقين مع المسلمين، ومن أجل ذلك أمر الله عز وجل بقتالهم، وشدد في ذلك في قوله سبحانه وتعالى في سورتي التوبة والتحريم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} . وكذلك قد شدد النكير على المسلمين الذين يتولونهم ويسارعون فيهم، بعد أن حذرهم من ذلك بقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ }.
أيها الناس: لقد كانت الدولة الإسلامية منذ أن أنشأها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تتصدى لمحاولات الكفار والمنافقين النيل من الإسلام والمسلمين، وبذلت في سبيل ذلك المهج والأرواح، وقدمت الأموال والجهود والأوقات، ما يكفي بعون الله ونصره وتأييده لرد أصحاب هذه المحاولات على أعقابهم. فكانت بدر وأحد والخندق والحديبية وفتح مكة وحنين، ومن بعدها اليرموك والقادسية وعين جالوت وحطين وغزوات ومعارك بين ذلك كثيراً، انتصر المسلمون في معظمها، وهزموا في بعضها، {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}. ولم يقتصر هجوم الكفار والمنافقين على الكيد السياسي والعسكري، بل تعداه إلى الكيد الفكري والثقافي والاجتماعي والتعليمي وقد شمل كيدهم نواحي حياة المسلمين كافة بعد أن أظهر الله الكفار على المسلمين إثر هدم الخلافة الإسلامية، لحكمة بالغة يعلمها الله، ويدرك بعض أبعادها الراسخون في السياسة وفقه التصدي لهجمات الكفار. يقول ابن القيم رحمه الله: إن ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم، وقهرهم، وكسرهم لهم أحيانا فيه حكمة عظيمة، لا يعلمها على التفصيل إلا الله عز وجل، فمنها: استخراج عبوديتهم وذلهم لله، وانكسارهم له، وافتقارهم إليه، وسؤاله نصرهم على أعدائهم، ولو كانوا دائما منصورين قاهرين غالبين؛ لبطروا وأشروا، ولو كانوا دائما مقهورين مغلوبين منصورا عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة، ولا كانت للحق دولة. ومنها: أنهم لو كانوا دائما منصورين، غالبين، قاهرين؛ لدخل معهم من ليس قصده الدين، ومتابعة الرسول؛ فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة، ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائما لم يدخل معهم أحد. ومنها: أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم، ويخلصهم، ويهذبهم، ويفتح لهم أبواب الجنة يدخلونها بعد الجهاد والابتلاء والصبر.
أيها الناس: إن المسلمين اليوم يئنون من شدة وطأة الهجومات الكافرة عليهم، ويئنون من تخاذل حكامهم، ويئنون من آثار ذلك على دينهم ودنياهم وآخرتهم. فالمسلمون في اليمن يئنون من الفتنة الحوثية الإيرانية الأميركية التي تهدف إلى السيطرة على بلاد الحجاز واليمن وخصوصاً عدن وباب المندب بعد أن استتب الأمر فيها لعملاء الإنجليز من حكام اليمن وحاكم السعودية الحالي، ما حدا به إلى إصدار الأوامر للطائرات المقاتلة والمدفعيات الثقيلة كي تدك معاقل الحوثيين في جبل دخان داخل ما يسمى بالأراضي السعودية، طبقاً لما نقلته وكالة الأنباء الألمانية عن مصدر عسكري سعودي، وملاحقتها داخل ما يسمى بالأراضي اليمنية طبقاً لما قاله الحوثيون، حيث أطلق الجيش السعودي أكثر من 145 صاروخا، وشن 15 غارة في مديريتي الملاحيظ وشدا ومنطقة الحصامة، وذلك سعياً لإقامة منطقة عازلة داخل أراضي اليمن! فأين كانت هذه الطائرات والمدفعيات عندما تعرض قطاع غزة للرصاص المصبوب؟ وذكر موقع النهرين نت المقرب من إيران أن قوة خاصة أردنية قوامها 450 عنصراً انضمت إلى القوات السعودية في قتالها ضد الحوثيين على الحدود مع اليمن، وأن دفعتين جديدتين من هذه القوة ستتوجهان إلى المنطقة الحدودية السعودية اليمنية في غضون الأيام المقبلة. وبحسب الموقع فإن الاتفاق على المشاركة العسكرية الأردنية في الحرب ضد الحوثيين جاء خلال الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الملكين الأردني والسعودي. وهذا يعيد الذاكرة إلى الوراء لما شاركت القوات الأردنية في حرب عُمان ضد جبهة ظفار في خمسينات القرن الماضي دعماً للإنجليز، ولما شاركت القوات المصرية في قتال اليمن في ستينات القرن نفسه دعماً للأميريكيين. أسد علي وفي الحروب نعامة، فكل شارب يرِدُ على نبعه، والطيور على أشكالها تقع.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إن المسلمين يئنون في كل مكان، ويسمع أنينَهم الثقلان، فهم يئنون في أفغانستان، حيث تسلمت القوات التركية قيادة قوات التحالف فيها هذا العام، ليصدر المسلم الأمر بقتل أخيه المسلم! ويئنون في أوروبا، حيث حذرت مؤسسات إسلامية في أوروبا من تأثير التحريض ضد المسلمين في سويسرا، مشيرة إلى أن “إثارة الجدل بشأن بناء دور العبادة أو تشييد المآذن يحمل في طياته أجندات متطرِّفة تلجأ إلى العنصرية الانتقائية ضد المسلمين”. ويئنون في العراق والصومال وباكستان وفي جميع أرجاء المعمورة! ولقد وصل أنينهم إلى هذا المنبر، حيث توجهت لجنة أولياء الأمور في المدرسة المختلطة في هذه البلدة الطيبة الهادئة إلى خطباء الجمعة، ليوصلوا أنينهم من مشاكل الطلاب مع بعضهم في عنف غير مسبوق، ومع معلميهم في تطاول غير معهود، وانتشار عادة التدخين السيئة في أوساط الطلاب والطالبات، وتسرب حبوب الهلوسة والمخدِّرات. وما ذلك إلا جزء مقسوم من واسع الهجوم الذي يشنه الكفار على المسلمين!
أيها الناس: ألا يهز مشاعركم هذا الأنين الحزين؟ فمن يوقف هذه الهجمة الشرسة على المسلمين ويضع حداً لأنينهم وآلامهم؟ من يعيننا في إنقاد مدارسنا وأبنائنا وبناتنا ومقدساتنا وأراضينا وثرواتنا من عبث العابثين وطمع الطامعين وكيد الحاقدين؟ والجواب يكمن في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “ألا وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، وقوله عليه الصلاة والسلام: “كل رجل من المسلمين على ثغرة من ثغر الإسلام، الله الله لا يؤتين الإسلام من قبله”. فلننهض جميعاً للحفاظ على أبنائنا، وزجرهم وردعهم عن المعاصي وسوء الأدب مع زملائهم ومعلميهم ومدراء مدارسهم، ولنضرب بيد من حديد كل من يساهم في إفساد ديننا وعاداتنا الطيبة وتقاليدنا الصالحة، ولتكن عيوننا مفتوحة على كل ظاهرة سلبية نقمعها في مهدها ولا نسمح لها بالتفشي والانتشار، كيلا تصبح عصية على العلاج، ولنعمل جميعاً مع العاملين المخلصين لإعادة مجد المسلمين التليد، وماضيهم العتيد، بإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة، فهي الوحيدة القادرة على استئصال الشر والفساد، وهداية العباد، وتحرير البلاد، ورد كيد الأعداء ووقف هجوماتهم على المسلمين، بل وتنقل ساحة المعركة إلى ديار الكفار لرد الصاع لهم صاعين وأكثر، وإخراج من شاء من العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا الرأسمالية الخائبة إلى سعة الإسلام ورحمته والآخرة ونعيمها المقيم. وفي الختام فإنا نتوجه إلى الله سبحانه وتعالى أن ييسر لحجاج بيت الله الحرام هذا العام أداء مناسكهم على الوجه الأكمل دون إزعاج أو إعاقة أو تنغيص، ونرجو لهم عوداً محموداً سالماً غانماً مغفوري الذنب، خفيفي الحمل من الهدايا والرتوش المرهقة المكلفة، وندعوكم إلى التخفيف من كلفة التسليم عليهم عند عودتهم ما استطعتم إلى ذلك سبيلاً.