(الخطبة الأولى)
أيها الناس: كان شعار الصحابي الجليل المجاهد أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه الذي يردده دائما، قولَ الله تعالى: {انفروا خفافا وثقالاً}، وفي أول معركة لفتح القسطنطينية، أصيب المجاهد العظيم، وذهب قائد جيشه ليعوده، وكانت أنفاسه تسابق أشواقه الى لقاء الله، فسأله القائد، وكان يزيد بن معاوية: ما حاجتك أبا أيوب"؟ فأجاب: إذا مت فاحملوا جثماني فوق فرسي، وامضوا به الى أبعد مسافة ممكنة في أرض العدو وادفنوني، حتى أسمع وقع حوافر خيل المسلمين فوق قبري يوم عبورها لفتح القسطنطينية. وكان له ما أراد، فقبره اليوم في قلب القسطنطينية (استامبول). وقبل أن يغمر الاسلام تلك البقاع، كان أهل القسطنطينية من الروم، ينظرون الى أبي أيوب في قبره نظرتهم الى قدّيس، ويقول المؤرخون: “وكان الروم يتعاهدون قبره، ويزورونه، ويستسقون به اذا قحطوا”.
أيها الناس: كان هذا المشهد العظيم يوم أن كانت أمة الإسلام عظيمة مُرضية لربها وخالقها، تعيش في ظل دولة واحدة، يتساوى فيها العربي والأعجمي والأحمر والأسود تحت راية العقيدة الإسلامية التي جمعتهم بعد فرقة، ووحدت صفوفهم بعد شتات. ولما هدمت تلك الدولة، وتفرق المسلمون أيادي سبأ، وأصبحوا يعيشون في مزق كرتونية، كل شعب منهم بمزقتهم يفرحون، غضب عليهم ربهم وخالقهم أن عطلوا شرعه، واتبعوا أمر فرعون زمانهم وما أمر فرعون برشيد. لما فعلوا ذلك، سيطر عليهم أعداؤهم، فأخذوا جل ما في أيديهم، وتركوهم جذاذاً، يتكففون غذاءهم، ويستجدون الحماية لأبنائهم وأراضيهم، كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال. لما فعلوا ذلك أصبحت انتماءاتهم وطنية لا عقائدية، واهتماماتهم إقليمية محلية لا عالمية، وصارت أذواقهم فاسدة، وأمزجتهم عكرة، يقتتلون فيما بينهم على أتفه الأسباب، ويتنافسون على خدمة أسيادهم الكفار، ويتشاحنون كأكباش النطاح وثيران الحلبات والمصارعين المستأجرين لإثارة الناس وجمع الأموال. ولا أدل على ذلك من إعلان حالة النفير العام في مصر والجزائر والسودان بسبب اللعبة الملعونة التي يسمونها كرة القدم، حيث غصت وسائل الإعلام بأخبار المشاحنات والاستنفارات والتعديات على الأنفس والممتلكات بين مشجعي الفريقين المصري والجزائري على نحو غير مسبوق، بلغ حد تعيير الجزائريين للمصريين وتذكيرهم بخسارة مصر الحرب أمام إسرائيل عام 1967 في ستة أيام، وأنهم قد باعوا فلسطين إلى اليهود”. وأعدوا أغنية توجهوا بها إلى المصريين بالقول “اسمعوا أيها الفراعنة، لقد حلت عليكم اللعنة”. ورد مشجعون مصريون بالقول: “كلماتكم ليست مهمة ولا تؤثر فينا، تحدثوا إلينا بالفرنسية لأن لغتكم العربية غير سليمة"، وعيروهم بمشاركة الجيش المصري في حرب تحرير الجزائر من الفرنسيين. والأدهى من ذلك والأمر دخول “إسرائيل” على الخط، حيث ذكرت صحيفة المصري اليوم أن السلطات المصرية أمرت بترحيل مراسل صحفي إسرائيلي الجنسية جاء للقاهرة لتغطية مباراة مصر والجزائر، وتبنى موقفًا مناصرًا للجزائر، وشجع الجزائريين على الدخول في مواجهات مع المشجعين المصريين لعرضها في قنوات التلفزة الإسرائيلية. وكان وزير الخارجية المصري قد قال إن هناك جهات أجنبية تسعى لتعميق الخلاف بين مصر والجزائر. وكأنه لم يسمع بقصة تحريش شاس بن قيس بين الأوس والخزرج! وأغبى منه من قال بأنه يهدي فوز الجزائر إلى المحاصرين في غزة!!
أيها الناس: إن الأنظمة العميلة في تلك البلاد هي التي تغذي هذه المشاحنات والتوترات بين المسلمين، وهي التي تقدم لها الدعم بأشكاله المختلفة، إعلامياً ومادياً وعسكرياً وثقافياً وسياسياً على أعلى المستويات في الدول المعنية، وصلت إلى حد استدعاء السفراء للتشاور وتقديم الاحتجاجات، وشن الحملات الإعلامية المحمومة. جسور جوية تحمل آلاف المشجعين، وازدحام مطار الخرطوم بالطائرات المدنية والحربية التي أقلتهم من الجزائر ومصر، وعشرات الآلاف من رجال الأمن الظاهر والخفي، واتخاذ السلطات الجزائرية الإجراءات اللازمة لنقل نحو 500 مشجع جزائري من القاهرة إلى السودان، وإعلانها إرسال مائتي طبيب وعناصر من الدفاع المدني والشرطة إلى السودان للتكفل بعشرة آلاف مشجع جزائري، وإقامتها مخيما خاصا لاستقبال المشجعين الجزائريين في الخرطوم، وبيع تذاكر المباراة في سفارة الجزائر في السودان، وأمر الرئيس الجزائري بوضع طائرات النقل العسكرية تحت تصرف المشجعين إذا اقتضت الضرورة، وأمر وزير الطيران المدني المصري بزيادة الجسر الجوي لنقل المشجعين المصريين إلى الخرطوم إلى 40 طائرة بدلا من 25، وتنويه الرئيس السوداني بالاستعداد الجيد للمباراة، وقوله إن اللجنة الأمنية لها حق التصرف في 15 ألف جندي من الشرطة والجيش والأمن”!!! وا أسفاه على هكذا قادة وزعماء، وا أسفاه، يتم ذلك كله على وقع الانفجارات في العراق وأفغانستان وباكستان والصومال، وأمام مشاهد القتل والسحق وهدم البيوت في القدس والحصار الخانق على غزة. تظهر في فضاء الأنظمة العربية الطائرات السعودية تغير على مواقع الحوثيين، والطائرات المصرية والجزائرية تبرز مقدرتها الجوية لتقدم العون والدعم لتشجيع منتخبيهما في كرة القدم! لم يشاهد أهل غزة هذه الطائرات وهم يحاصرون ولا يجدون قوت يومهم، ولم تتحرك الجيوش نصرة لعاصمة الرشيد وضحايا الفلوجة وغزة ومخيم جنين، أو حرقة على دماء المسلمين في افغاتسنان وباكستان والصومال، ولم يحفل الزعماء بالمسجد الأقصى الأسير ولا بصرخات الثكلى والأسرى والأطفال. كل تلك النوازل لم تخرج زعماء الأنظمة من قصورهم ومنتجعاتهم، ولكنهم تحركوا بقوة من أجل مباراة لكرة القدم! فلا عاش ما كان عقله في قدم غيره.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إن بضعة آلاف من المأجورين والمهووسين لا يمثلون الأمة، فتعداد المسلمين في مصر والجزائر والسودان يناهز المائتي مليون، وهم وباقي أبناء الأمة الإسلامية يعيشون حالة قطيعة لا رجعة فيها مع حكامهم، فالحكام في واد، والأمة في واد آخر، واهتمامات الحكام لا تتجاوز حدود مصالحهم الشخصية ومصالح الاستعمار الغربي الذي سلطهم على رقاب المسلمين، ولا شأن للحكام بهموم الأمة ومطالبها بتحكيم كتاب الله، وإقامة دولة الإسلام، كي تنهض وتحرر أراضيها المحتلة وتحمل الإسلام رسالة نور وهدى للعالم. والتحدي يكمن في إعلان فتح الحدود لشباب الأمة وجيوشها، وإقامة الجسور الجوية لنصرة أهل فلسطين ونقل المجاهدين، فهل تظنون أنه سيتخلف أحد من المسلمين؟
أيها الناس: إن العقيدة الإسلامية تؤكد أن شباب الأمة الإسلامية لن يتخلفوا عن ساحات الجهاد، لأن الجهاد فرض يتمنى كل مسلم القيام به، ويتطلع بشوق لذلك، وقد رأيناهم يتقاطرون للمشاركة في أعمال جهاد جزئية متحدين الصعاب الكثيرة والكبيرة. فكيف بهم إذا أزيلت من أمامهم الصعاب، وخلعت من عروشها الحكام الخونة، وتسلمت زمام أمرها خيرُ أمة أخرجت للناس؟ والله لقد آن للضباط في الجيوش الإسلامية أن يتحركوا في لحظة حسم ليخلصوا الأمة من شرور هذه الطغم الحاكمة، وينفضوا غبار الذل عنهم وعنا، ويرفضوا هذه الاستهانة بهم وبنا، فما وجدت الجيوش للعروض العسكرية، وما لهذا صنعت الطائرات الحربية. إنها لحظة حسم تقيم الخلافة، فتحوّل طياراً ينقل مشجعين لكرة القدم إلى بطل ينقل مجاهدين إلى ساحات الوغى، لحظة حسم تحول أمة ذليلة محتلة إلى خير أمة أخرجت للناس، لحظة حسم ينتهزها من يريد عز الدنيا والآخرة، ندعو الله أن تكون تلك اللحظة قريبة قريبة، وليكن شعارُ أبي أيوب شعارَنا جميعاً: {انفروا خفافاً وثقالاً}، فانفروا إلى ساحات الوغى ولا تنفروا إلى ساحات كرة القدم، واعملوا لإقامة الخلافة، ففي ظلها يتجلى النفير الحقيقي.