(الخطبة الأولى)
أيها الناس: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم، جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله، قال: “فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة"، قال: كيف إضاعتها؟ قال: “إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة”. قال ابن حجر في فتح الباري: “إذا وسد الأمر أي أسند وجعل في غير أهله، وأصله أن الملك كان يجعل له وسادة يجلس عليها ليعلو مجلسه، والأمر هو الشأن خاصاً كان أم عاماً، وولي الأمر هو الحاكم”.
أيها الناس: لما وسد الأمر لأهله، وتولى أبو بكر رضي الله عنه الخلافة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقف في الناس خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد، فإني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء؛ أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله. ثم قاتل المرتدين ومانعي الزكاة، فكان قراره ذاك قراراً في القمة صان وحدة الأمة. ولما وسد الأمر لأهله وخلفه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ملأ عدله الآفاق، وفتحت في عهده البلاد وخضعت له رقاب الجبابرة من الروم والفرس وأعز الله دينه وانتشر الإسلام في مساحات شاسعة من الأرض. وكذا كانت أحوال باقي الخلفاء الراشدين المهديين وولاتهم وعمالهم وموظفو دوائرهم وكل من ولي أمراً من أمور المسلمين، رفقوا بالمسلمين فرفق الله بهم، أدوا ما عليهم فرضي الله عنهم ورضوا عنه، وسعد الناس في عهودهم الخيرة، لأنهم فقهوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول في بيتي هذا (اللهم! من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم، فاشقق عليه. ومن ولى من أمر أمتي شيئا فرفق بهم، فارفق به).
أيها الناس: ولما هلك الصالحون، وتقلبت على الأمة الإسلامية الأحوال، وغشيتها الظلمات، وهدمت خلافتها، نشأت فيها دويلات الضرار وتولى أمرها الرويبضات، وحكمها ملوك الطوائف الجدد، صارت نهباً لأعدائها الطامعين الحاقدين، ومرتعاً لذئاب البشرية الجائعين، وصار أحفاد الأبطال المجاهدين الفاتحين يتسكعون على أرصفة السياسة الخاطئة الكاذبة، عملاء مأجورين، يوالون أعداء الله ورسوله، ويقتلون شعوبهم للحفاظ على كراسيهم الآسنة، ويبيعون دينهم بعرض من الدنيا الزائلة. وصرنا نشاهد الانهيارات الأخلاقية، ونعاني من الخسائر المالية. والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى في عجالة كهذه، ولكنا نقول: هل فلسطين بحاجة إلى تحرير من الأسر أم إلى انتخاب ملكة جمال تقف شبه عارية فوق جماجم الشهداء؟ وهل دبي بحاجة إلى إنعاش اقتصادي حلال لمصيبتها المالية الربوية، أم إلى استقبال أفواج من الممثلين والممثلات العاهرين والعاهرات؟ وهل الأرض بين غزة ومصر بحاجة إلى مزيد من الحدود والسدود والجدر، أم إلى وقفة عز تجتاحها لتمد يد العون إلى المحاصرين؟ وأي الفقه أولى معشر العلماء وأنصافهم وأشباههم، فقه المصالح والموازنات والمساومات والمراودات والنفاق للحكام وأسيادهم، أم فقه نصب إمام للمسلمين وتوسيد الأمر لأهله للأمر بالمعروفات والنهي عن المنكرات؟ قالَ إِمامُ الْحَرَمَيْنِ أَبُو الْمَعالِيْ: لا يُسْتَدْرَكُ بِمُوْجِباتِ الْعُقُولِ نَصْبُ إِمامٍ، وَلكِنْ يَثْبُتُ بِإِجْماعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَدِلَّةِ السَّمْعِ وُجُوبُ نَصْبِ إِمامٍ فِيْ كُلِّ عَصْرٍ، يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِيْ الْمُلِمّاتِ، وَتُفَوَّضُ إِلَيْهِ الْمَصالِحُ الْعامَّةُ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ.
أيها الناس: إن الأمة الإسلامية اليوم في حاجة ماسة إلى من يتولى الأمر فيها وهو من أهله؛ إنها بحاجة إلى حاكم يتولى الأمر وهو أهل للحكم، وإلى قائد يتولى قيادة الأمة وهو أهل للقيادة، وإلى مدافع يتولى الدفاع عن قضايا الأمة وهو أهل للدفاع، وإلى متصرف في ثرواتها وأموالها وهو أهل لهذا التصرف. ولا يتأتى هذا إلا بالعمل مع العاملين المخلصين الجادين والهادفين لإقامة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة. فهي الدولة التي يوسد فيها الأمر لأهله، تطيح برأس الفساد العالمي، وتعيد الى الناس التوازن الأخلاقي والاستقرار المالي، وفوق ذلك كله فإنها الدولة التي تعين الناس على الانقلاب إلى ربهم فرحين مسرورين بنيل جنات النعيم. روى البخاري في صحيحه بسنده عن خباب بن الأرت قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله، ألا تدعو الله، فقعد وهو محمر وجهه، فقال: ( لقد كان من قبلكم ليمشط بشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الركاب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله). زاد بيان: (والذئب على غنمه). فلنطرح فذلكات العقول جانباً، ولنُقبل على الشريعة الإسلامية ننهل من معينها الذي لا ينضب أحكامَ طريقِ خلاصِنا مما نحن فيه، فالوقت يداهمنا سريعاً، والفرض يطلبنا حثيثاً. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إن الكفار وأعوانهم يفتحون الأبواب على مصراعيها للمسلمين المتهالكين على مرضاتهم، ويغلقون كافة الأبواب في وجه العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين، ونيل رضوان الله رب العالمين. فالمعاهد والكليات والمسارح والقاعات والأروقة والدهاليز والفضائيات والأرضيات متاحة للصنف الأول، وأما الصنف الثاني فالزنازين والمشانق، والملاحقة والتعتيم وكم الأفواه والسخرية والتضييق في الأرزاق. فمع من تكونون؟ وأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. وحسبنا قول ربنا عز وجل نتلوه بثقة المؤمن بنصر ربه، ينساب على ألسنتنا كالماء الزلال يطمئننا ويقض مضاجع أعدائنا: {إِن الذينَ أجرموا كانوا من الذين آمَنوا يضحكون. وإِذا مروا بِهم يتغامزُون. وإِذا انقلبوا إِلى أهلهم انقلبوا فكهين. وإِذا رأوهم قالوا إِنَّ هؤلاء لضالُّون. وما أُرسلوا عليهم حافظين. فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون. على الأرائك ينظرون. هل ثُوّب الكفَّار ما كانوا يفعلون}.
أيها الناس: إن الكفار يريدوين أن يعتنق المسلمون ديناً جديداً، بعد أن يتخلوا تدريجياً عن دينهم الإسلامي الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من ربه. ويمكن اعتبار ما يجري في زماننا بأنه أكبر مشروع تكفيري عرفه التاريخ، لأنه لا يطال أفراداً بأعيانهم، وإنما هو مشروع تكفير أمة بكاملها، وصرفها عن عقيدتها وشريعتها، وجعلها ترضى وتختار ديناً غير دينها، وتذوب في بوتقة الكفار أعدائها. فاحذروا هذا الدين الجديد أيها المسلمون، واعلموا أن الشريعة الإسلامية هي خاتمة الشرائع، ولا شريعة صحيحة بعدها، وأن الدين عند الله الإسلام، ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، فكونوا لأدعياء الدين الجديد بالمرصاد، واقعدوا لهم كل مرصد، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. ولا تهولنكم كثرة الباطل، وعظم حجم التيار المفسد، فكله زبد سيذهب جفاءاً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. ولا تغرنكم الحياة الدنيا فما عند الله خير. وبعون الله عز وجل لن نمكنهم من تحقيق مشروعهم المدمر هذا ولو قطعونا إرباً إرباً، ولنقفن لهم بالمرصاد حتى يظهر الله دينه على الدين كله أو تنفرد سوالفنا، فالحق أحق أن يتبع، ولا نامت أعين الجبناء المتخاذلين.