(الخطبة الأولى)
أيها الناس: عندما تم تلزيم لبنان لسوريا بعد اتفاق الطائف، ظن المسلمون أن الحرب الأهلية اللبنانية قد انتهت وأن الأشقاء السوريين سيعيدون الأمن والرخاء إلى ربوع الوطن، وسيدافعون عنه ببسالة أمام هجمات الجيران الجنوبيين الذين لا يتورعون عن التوغل في الأرض واختراق الجو والعربدة في البحر. ولما تم تلزيم العراق لإيران والإطاحة بصدام وحزب البعث البائد، ظن المسلمون أن الظلم في بلاد الرشيد قد آذن بالزوال، وأن النفط العراقي سينساب ريعه في شرايين العراقيين الجافة كالماء الزلال، وأن انسحاب القوات الأميركية العسكرية خارج المدن الكبرى وتسليم الأمن إلى الضباط الجدد سيعيد الأمن إلى ربوع الوطن بعد أن أطاحوا بضباط الحرس الجمهوري القديم. ولما قامت الحرب اليمنية من شماله على جنوبه، ظن المسلمون أن توحيد اليمنين مقدمة لتوحيد مصر والسودان، وسوريا ولبنان، وضفتي نهر الأردن، وأن الوحدة اليمنية ستعيد الأمن إلى ربوع الوطن، بعد أن تخلصوا من حكم اليسار الملحد في الجنوب. ولما حطم الغزيون بوابة صلاح الدين في رفح وسووا أسوارها بالأرض، ظن الناس أن الأراضي المصرية ستكون حضناً دافئاً لهم يقيهم من بأس الرصاص المسكوب الذي يصب من فوق رؤوسهم كالحميم، ويغلي أبناءهم وممتلكاتهم كغلي الحميم. ولما غادر الملايين من أبناء المسلمين ديارهم وأموالهم وفارقوا أهليهم وأحباءهم للإقامة في بلاد الكفر، ظنوا أنهم قد هربوا من الظلم والفقر والجهل إلى العدل والغنى والعلم. ولما ولما ولما....أشياء كثيرة يمكن ذكرها في هذا الباب، وآمال عريضة، وظنون واعدة واسعة. وليست آمال المسلمين هذه وظنونهم بدعاً من الآمال والظنون، بل هي حقيقة تعيش في مكنونات عقولهم وأعماق نفوسهم، فالمسلمون يتوقون للوحدة والأمن وإزالة الحدود والغنى والعلم والعدل، ويتطلعون بشوق لتوثيق أواصر الأخوة بينهم، وقلع الظالمين من كراسيهم وتدمير عروشهم، وتلك متطلبات أولية من متطلبات دينهم وعقيدتهم ونظام حياتهم.
أيها الناس: إن المتتبع لأحوال البلاد التي ذكرت، يجد أن النتائج كانت مقلوبة، وأن الآمال قد تحطمت، والظنون قد خابت. وإذا أزيل ظالم خلفه من هو أظلم منه، وإذا تحطم جدار أقيم مكانه جدار أقوى منه وأشد، وإذا حُلت مشكلة تولد عن حلها ألف مشكلة أصعب منها وأعقد. وليس الأمر مقتصراً على تلك البلاد، بل إن العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه يعج بمثل هذه الأحداث التي تبدو واعدة، ولكنها كانت تنتهي دوماً بتحطم الآمال، وخيبة الظنون. فسوريا عاثت في لبنان فساداً على مستوى الجيش والمخابرات وأصحاب النفوذ، حتى أصبح الوجود السوري كابوساً مرعباً على إخوانهم اللبنانيين. وما أن لاحت فرصة إخراجهم بعد مقتل الحريري حتى أخرجوا منها أذلة وهم صاغرون! وعاثت إيران في العراق فساداً على مستوى الجيش والمخابرات وأصحاب النفوذ المذهبي والعشائري، وأثرت في الانتخابات، وساهمت بقوة في إثارة النعرات الطائفية، وأعادت ما يعرف بالشيعة إلى بدعهم وخزعبلاتهم، فضلاً عن مئات الآلاف الذين قضوا في التفجيرات العمياء والاغتيالات السياسية والطائفية والفئوية والعشائرية، وقد دخلت مؤخراً بقواتها العسكرية لتسيطر على بئر نفطي في منطقة الفكة! وأما اليمن السعيد، ومنبعُ الإيمان والحكمة، فإنه يئن تحن وطأة الصراع بين القوى الكبرى الأوروبية والأميركية، وصار مسرحاً لصراعات إقليمية، واستحر القتل بين أبنائه في فتنة طائفية لا يعلم مداها إلا الله! وأما الغزيون فصاروا مثلاً وسلفاً، وأعيدوا إلى الحصار، وشُدد عليهم ببناء الجدار! وأما المسلمون المغتربون في بلاد الكفر فإنهم يعضون أصابعهم ندماً على ما فعلوا بعد أن قلب لهم الكفار ظهر المجن.
أيها الناس: ما هي يا ترى هذه الأسباب القوية التي حطمت آمال المسلمين العريضة وخيبت ظنونهم الكثيرة؟ سؤال من حق كل مواطن عربي أو أعجمي ينتمي إلى دين الإسلام وملة أبينا إبراهيم عليه السلام أن يساله ليأخذ جواباً شافياً كافياً يحل به هذه الألغاز المحيرة لأصحاب العقول السوية. إذ لا يعقل أن أمة بحجم الأمة الإسلامية تتحطم آمالها وتخيب ظنونها بهذه السهولة، بل بد أن يكون الأمر عظيماً، والخطب جللاً. أجل، أيها المسلمون، إن الأمر عظيم وجد خطير، والخطبَ جللٌ غير يسير. إنه غياب الخلافة والدين والتكين في الأرض، إنه انقسام بلاد المسلمين إلى سبعة وخمسين كياناً وطنياً ممسوخاً، إنه الفرقة والتشتت والتشرذم، إنه تضييع الأمانة، إنه توسيد الأمر إلى غير أهله. أخرج الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب بسند قال عنه الألباني صحيح أو حسن أو ما قاربهما، عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: لقد آن لنا أن نعقل أن سبب شقائنا هم حكامنا الذين باعوا أنفسهم للشيطان، وأغرقونا في كم هائل من المشاكل وحطموا آمالنا وخيبوا ظنوننا، وقد آن الأوان لنا كي نتفكر في قول الله عز وجل: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}. فخيريتنا مرتبطة بأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر وإيماننا بالله، ومصيبتنا مربوطة ربطاً قرآنياً محكماً بأهل الكتاب الذين أصروا على كفرهم وظلمهم وفسقهم كونهم لم يؤمنوا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء قد ظهروا علينا وملكوا أمرنا، وسلطوا على رقابنا حكاماً لا هم لهم إلا إرضاء أسيادهم الكفار. ولا حل لنا إلا بالعمل مع العاملين لخلعهم وقلعهم. فعندئذ تقام الخلافة، وتعود الخيرية، ويتحقق الوعد بالاستخلاف والتمكين والأمن، وتتحقق البشرى لهذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والتمكين في الأرض، مع ملاحظة أن هذا الأمر لا يتحقق إلا إذا كان عمل العاملين للآخرة لا للدنيا. وهنا مربط الفرس، حيث أننا نجد كثيراً من أعمال العاملين المصبوغة بصبغة الآخرة يُقصد منها تحقيق المنافع الدنيوية، فكانت أعمالهم وبالاً عليهم وعلى أمتهم، ومكنت الكافر من أن ينشب مخالبه في جسد الأمة بشكل أعمق وأكبر، ويضيق الخناق عليها أكثر وأكثر.
أيها الناس: هذا قرآنكم يرشدكم إلى خيري الدنيا والآخرة، فهل أنتم مسترشدون؟ وهذا هدي نبيكم يبين لكم سبيل الخروج من أزماتكم ويحل لكم مشاكلكم، فهل أنتم متبعون؟ فإن فعلتم هديتم وعوفيتم، وإن أبيتم فإن الله غني عن العالمين. {فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً}. {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء، وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}.