(الخطبة الأولى)
أيها الناس: من شدة الكرب الذي نحن فيه، وقوة الظلم الذي أوقعه علينا حكامنا، فإني لم أتردد في اعتبارهم أسوأ من قوم لوط عند عقد المقارنة بينهم. يقول الحق تبارك وتعالى في قصة قوم لوط: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ. أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ}. قال ابن زيد، السبيل: الطريق. وابن السبيل إذا مر بهم قَطَعوا به، وعملوا به ذلك العمل الخبيث. وأما المنكر الذي كان هؤلاء القوم يأتونه في ناديهم، فقيل: إنهم كانوا يتضارطُون في مجالسهم، كما ورد عن عائشة، وقيل: إنهم كانوا يَحْذِفُونَ أهْل الطَّرِيقِ وَيَسْخَرونَ مِنْهُمْ” كما ورد عن أم هانئ، وعن مجاهد في قوله: (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) قال: كان يجامع بعضهم بعضاً في المجالس.
أيها الناس: إن قوم لوط كانوا غير مسبوقين بفاحشتهم التي كانوا يعملون، كما ورد بنص القرآن القطعي، ولكن ذلك لا يمنع أحداً يأتي بعدهم أن يفعل فعالهم وأكثر. وقد أدركنا زماناً رأينا فيه حكام المسلمين يفعلون فواحش قوم لوط وزيادة، بل طوروها وأضافوا إليها فواحش ما سبقهم بها من أحد من العالمين. فقوم لوط قطعوا سبيلاً واحداً، ولكن حكام المسلمين قد قطعوا ألف سبيل وسبيل، وتفننوا في قطع السبل، وأتوا بأفكار شيطانية ما سبقهم بها من أحد من العالمين عند بوابة صلاح الدين في رفح وما جاورها من منافذ فوق الأرض وتحتها عبر الأنفاق الغزية. فهم قد قتلوا الأبرياء عند البوابة، ومنعوا الناس من المرور الحر عبرها، بل اعتقلوا وعذبوا من اقتحمها يوم الاجتياح الكبير، ومنعوا الميرة وقوافل الإغاثة من الوصول إلى المحاصرين الجائعين، وأزمعوا أن يبنوا جداراً فولاذياً يضرب جذوره في أعماق الأرض، لتدمير الأنفاق القائمة ومنع شق أنفاق بديلة. فمن منكم يأتيني بخبر أقوام سبقوهم إلى مثل هذه النذالة والأفعال المشينة على مر العصور والآوان؟ وأتى قوم لوط في ناديهم المنكر وتضارطوا، فكانوا يسخرون من أهل الطريق المارين بهم ويحذفونهم بالحجارة وربما اعتدوا جنسياً على بعضهم، ووالله إن تضارط الحكام الأشرار في مؤتمراتهم ونواديهم، وتقاعسهم عن تحرير البلاد المغتصبة والمقدسات المدنسة أسوأ مما فعل قوم لوط، فقد أطلق الحكام النار على المتظاهرين العزل وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وما يروى من قصص الذين وقعوا في أيديهم وأدخلوا زنازينهم شيء يندى لها الجبين، وفاحشة تخجل منها الفواحش. إذ لم يكتف جلاوزة الحكام بضرب المعتقلين وشبحهم وإذلالهم بأنواع العذاب وصنوفه، ولكنهم أدخلوا العصي والزجاجات الفارغة في أدبارهم، وأدخلوا الإبر تحت أظافرهم، وألقوا بعضهم بعد ذلك في أحواض مليئة بالأحماض المهلكة التي أذابت أجسادهم في ثوان معدودة! وقد ارتكب قوم لوط الفاحشة الكبرى وهي اللواط، وأتوا الرجال شهوة من دون النساء، واستحقوا على ذلك غضب الله وعذابه، وجعل الله عالي أرضهم سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود. وقد انتشرت هذه الظاهرة في ظل هؤلاء الحكام وفي بعضهم شخصياً، وأضافوا إليها شبكات الدعارة النسائية والرجالية والأطفالية من الذكور والإناث، وحفلات تبادل الزوجات وشرب الخمر والرقص الماجن، وممارسة الرذيلة جهاراً نهاراً وليلاً بغطاء قانوني تحت مسميات الفضائيات والأرضيات والكافيتيريات والنوادي الليلية وما شاكل ذلك، وهذا لعمري مؤذن بالخراب ومؤشر على قرب الزوال.
أيها الناس: إن حكام المسلمين قد فاقوا قوم لوط في اتجاهات الرذيلة كافة، وأضافوا فواحش ما علمنا أن قوم لوط قد ارتكبوها، فالحكام قد رهنوا مصير الأمة بالكفار الأعداء، وقسموا بلاد المسلمين وقيدوا حرية الحركة خلالها إلى الحد الأقل من الأدنى، وأشعلوا الحروب الأهلية وقتلوا شعوبهم قتل عاد وإرم، وبددوا الأموال الإسلامية بسفه منقطع النظير، ومكنوا الكفار من ثروات المسلمين وباعوها لهم بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيها من الزاهدين، وهم الذين يروجون للإسلام المعتدل وحوار الأديان، لاستخراج نموذج مشوه لدين الإسلام ما سبقهم به من أحد من المسلمين. والحكام الذين كانوا حفاة عراة رعاء شاء، تطاولوا اليوم في البنيان حتى بنوا مؤخراً أطول برج في العالم، ولم يخجلوا من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بسوء إن فعلوا ذلك، وأنه من علامات الساعة الصغرى، بل أطلقوا على البرج اسم طاغوت من طواغيتهم، وقالوا برج كبير يستحق اسماً كبيراً! كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً. والحكام قد منعوا المسلمين المخلصين العاملين الجادين والهادفين لتطبيق شرع الله في أرض الله، وإقامة دولة الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، منعوهم بكل ما أوتوا من قوة، وصدوا عن سبيل الله يبغونها عوجاً، وجندوا الجنود والحرس الشديد للحفاظ على عروشهم وممتلكاتهم وثروتهم الخاصة، وسحقوا ثروات الشعوب وحرياتهم. وتبجح الحكام بديمقراطية كافرة لا تمت للإسلام بصلة، وزعموا أنهم مبايعون من شعوبهم، وما على وجه الأرض عاقل يصدقهم بكذبهم هذا. ألا وإن أم الفواحش التي ارتكبها الحكام أنهم حشدوا قواتهم المسلحة لقتال المجاهدين والمقاومين، ورفعوا لواء الدفاع عن مصالح أميركا والأوروبيين، وأسالوا دماء المجاهدين أنهاراً، وأخرجوا الآمنين من ديارهم إخراجاً، وشتتوهم في الآفاق تشتيتاً، فالباكستان وأفغانستان والعراق والسودان والصومال يشهدون، واليمن بعد ذلك يشهد أنه على دربهم سائر سيراً حثيثاً.
أيها الناس: لقد واجه قوم لوط نبيهم الكريم عليه السلام بكلام قبيح، ولم يخافوا سطوة العظيم، ذي العذاب الأليم، وقال لهم لوط عليه السلام: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}، فقال النبي عليه السلام “رحمة الله على لوط، إن كان يأوي إلى ركن شديد، يعني الله عز وجل، فما بعث الله بعده نبياً إلا في ثروة من قومه”. ولما وصل الحال إلى هذا المستوى الهابط من التفكير، واللامبالاة بالعواقب، استحقوا العذاب، وقال الله تعالى فيهم: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ، مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}. قالوا: اقتلعهن جبريل بطرف جناحه من قرارهن، وكن سبع مدن بمن فيهن من الأمم، فقالوا: إنهم كانوا أربع مائة نسمة. وقيل: أربعة آلاف نسمة وما معهم من الحيوانات، وما يتبع تلك المدن من الأراضي والأماكن والمعتملات، فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء، حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم، ثم قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها. {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} صلبة متتابعة مسومة مرقومة، على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط عليه من الحاضرين منهم في بلدهم، والغائبين عنها من المسافرين، والنازحين والشاذين منها. قال قتادة: (وما هي من الظالمين ببعيد)، يقول: ما أجار الله منها ظالمًا بعد قوم لوط.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إن نهاية حكامنا تبدو بإذن الله قريبةً بعد أن بلغت فواحشهم عنان السماء، وسيكون عذابهم بإذن الله بأيدي عباد الله المخلصين في الأرض، وقد دنت ساعة قلعهم من عروشهم، وأوشك العاملون لإقامة الخلافة أن يستخلفوا بوعد الله في الإرض ويمكنوا ويأمنوا. وإنها لنصيحة لكم أيها الحكام الأوغاد، وتنبيه يسبق العاصفة، وإنذار يسبق الغارة الربانية، أن ثوبوا إلى رشدكم، وردوا المظالم إلى أصحابها، وعلى رأسها السلطان الذي اغتصبتموه، فما رعيتموه حق رعايته. فحق السلطان أن يحكم صاحبُه بما أنزل الله، وأنتم لم تفعلوا، وحق السلطان أن يحق الحق ويبطل الباطل، وأنتم لم تفعلوا، وحق السلطان أن يقاتل به الكفر حتى يظهر الله دينه على الدين كله ولو كره المشركون، وأنتم لم تفعلوا، بل كان كل همكم أن يرضى عنكم الكفار والمشركون واليهود والنصارى، وهم لم يفعلوا، ولن يفعلوا.
أيها الناس: إن الخلافة ستجتاح بطوفانها هؤلاء الطواغيت الذين عاثوا في الأرض فساداً، وستجعل عالي عروشهم سافلها، وستلاحقهم اللعنات حيثما حلوا وأينما ارتحلوا، والأمة تعرفهم جيداً وتعرف جلاوزتهم ومجرميهم وأدواتهم، وستنطلق سهام الخلافة المسوَّمة نحو أهدافها لتصيب نحورهم وقلوبهم وأكبادهم طالما وجد منهم أحد يستنشق الهواء على وجه الأرض.
أيها الناس: إن رجال الخلافة القادمين يختلفون كل الاختلاف عن حكام المسلمين اليوم، فمن باع نفسه لله وصدق ما عاهد الله عليه يختلف عمن باع نفسه للشيطان واتبع هواه وكان أمره فرطاً. روى النسائي في السنن الكبرى عن شداد بن الهادِ رضي الله عنه، أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، فلما كانت غزوةٌ غنِم النبي صلى الله عليه وسلم سبيًا فقسَّم، وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ قال: قسمته لك، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أُرمى هاهنا - وأشار إلى حلقه - بسهمٍ فأموت فأدخل الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: إن تصدق الله يصدقك. فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو، فأُتي به النبي صلى الله عليه وسلم يُحملُ قد أصاب السهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: صدق الله فصدقه”. ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبته، ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: “اللهم هذا عبدك، خرج مهاجرًا، فقُتل شهيدًا، أنا شهيد على ذلك.” هؤلاء هم جند الدولة الإسلامية الأولى، ومثلهم بإذن الله سيكون جند الخلافة القادمون.
فاللهم اجعلنا منهم، وثبتنا في صفهم.