(الخطبة الأولى)
أيها الناس: إن الزلازل المدمرة والكوارث الكبيرة والجوائح القوية إشارات ربانية تحمل رسائل إنذار إلى سكان الأرض، أن انتهوا عما أنتم فيه، واستقيموا على الجادة. قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}. قال ابن كثير: هذا المثل مضروب لمكة، وأورد الطبري خبراً عن أم المؤمنين حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم لما صدرت من الحج وعثمان رضي الله عنه محصور بالمدينة، فكانت تسأل عنه: ما فعل؟ حتى رأت راكبين، فأرسلت إليهما تسألهما، فقالا: قتل، فقالت حفصة: والذي نفسي بيده، إنها القرية التي قال الله فيها: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ)، قال أبو شريح: وأخبرني عبيد الله بن المغيرة عمن حدثه: أنه كان يقول: إنها المدينة. المدينة يا قوم، وما أدراك ما المدينة؟ أول عاصمة لدولة الإسلام الأولى، ومهاجر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، طيبةُ التي تضم في جنباتها الجسد الطاهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أعرابي في مدحه:
يا خير من سكنت بالقاع أعظمه
وطاب من طيبهن القاعُ والأُكُم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه
فيه العفاف وفيه الجود والكرم
أيها الناس: سواء كانت القرية مكة أم المدينة، فإن هذه الآية عامة في كل قرية تكون على حال مستقرة آمنة، ثم تنحرف عن الجادة، وتتولى شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، فتقتل خيارها وتقصي المخلصين، وتؤمّر شرارها وتدني الفاسقين، تعرض عن منهج ربها وتتبع أمر فرعون وكل شيطان مريد، تحل الحرام وتحرم الحلال، وتعمل الخبائث، ما تلبث هذه القرية أن يصيبها الله بقارعة تحل بها أو قريباً من دارها، تزلزل أركانها، وتجعل عاليها سافلها، وتغير حالها، وتجعل أعزة أهلها اذلة، تُدق أعناقهم بالكتل الإسمنتية، أو تُلفُّ حولها حبالُ المشانق، أو تخترقها زخات الرصاص بالأيدي المتوضئة، أو ينفوا من الأرض. فبعد أن تكون آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، تتمتع بأنعم الحنان المنان، تصبح وبيوتها مدمرة، وطرقها مقطعة، وأبناؤها جثثاً ملقاة في الشوارع وتحت الأنقاض، كأنهم أعجاز نخل خاوية. وبعد أن تكون تجارتها رائجة، وطرقها آمنه، تصل إليها الأرزاق بهدوء وسكينة، تصبح والمعونات تأتيها على وجه السرعة في عجالة عجلاء، ورغم ذلك لا تكاد تصلها من كثرة العقبات وسوء المواصلات. هذه هي سنة الله في القرى وأهلها، وقد سمعنا ورأينا الأمثلة عن هذه القرى في الماضي البعيد، والحاضر العتيد. {فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.} ففي الماضي قوم لوط وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وقوم تبع، وآل فرعون والذين من قبلهم، وقَوْمُ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ، وفي الحاضر دولة آل عثمان وشاه إيران والسادات وصدام، أولئك الساسة والحكام، أصحاب الشأن من الرجال العظام، ملكوا البلاد وسيطروا على العباد، فما لبثوا - بعد أن فرطوا - أن خلعهم الله من ملكهم ونزعهم من سلطانهم كما تنتزع الاصطفلينة. وقد شهدت الأرض مؤخراً ضربات ربانية مدمرة في بلاد المسلمين وبلاد الكفار على حد سواء، حملت إلى سكان الأرض إشارات تحذيرية قوية، لعلهم يرجعون عن غيهم، ويثوبون إلى رشدهم، ويصلحون ما بينهم وبين خالقهم ورازقهم، ولكن لا حياة لمن تنادي، وكأنك تنفخ في رماد لا نار تحته. فمن زلزال مدينة الأصنام في الجزائر، إلى تسونامي أندونيسيا، ثم الإعصارات المتتابعة التي ضربت الولايات المتحدة الأميركية، وزلازل اليابان ومصر وغيرها، وأخيراً زلزال هاييتي، وما أدراك ما هاييتي. جزء من جزيرة هسبانيولا – إحدى جزر البحر الكاريبي – هاجر إليها المسلمون من دول غرب أفريقيا منذ القرن الخامس الهجري، ونشروا الإسلام بين الهنود الحمر منذ فجر الدعوة الإسلامية في هذا الجزء من العالم. وجزيرة هسبانيولا مقسمة إلى قسمين: شرقي وتحتله “الدومينكان” وغربي تشغله “هايتي”. وخلال عدة سنوات اعتنق عدد كبير من سكان الجزيرة الإسلام حتى صار دين الغالبية هناك. وتبلغ مساحة هسبانيولا (76) ألف و(484) كيلو متراً مربعاً، وتقع هذه الجزيرة إلى شرقي جزيرة كوبا. وقد خضعت هسبانيولا للاستعمار الأسباني الذي قام بتقسيم الجزيرة في محاولة لتفرقة المسلمين والحد من تفوقهم البشري، فطردت إسبانيا المسلمين من الجزيرة ومن كل مستعمراتها في جزر البحر الكاريبي حتى تقلص الوجود الإسلامي فيها. ثم احتلتها فرنسا عام 1036 هجرية (1626 ميلادية) وطردت أسبانيا منها. ولقد عانى المسلمون في هايتى من الاضطهاد الديني، حيث وضعت فرنسا العديد من العراقيل لمنع المسلمين من ممارسة شعائر دينهم، فاضطر عدد كبير منهم للهجرة إلى جزيرة “جوناف” المجاورة. ونتيجة لاستمرار الاضطهاد، قامت ثورات إسلامية سجلها التاريخ، وكان أبرزها بقيادة الشيخ محمد ماكندال، الذي حُكم عليه بالموت حرقاً. ولقد أدّت سياسة القمع في “هسبانيولا” إلى تقلّص أعداد المسلمين في الدومنيكان وهايتي وجوناف، فمن سبعة ملايين نسمة في هايتي يوجد الآن تسعة آلاف مسلم فقط! ومن بين نحو ثمانية ملايين نسمة في الدومنيكان يوجد سبعة آلاف، 1% من مجموع السكان! وقد انتقم الله عز وجل لدماء المسلمين التي سالت ظلماً في هاييتي، وأعطى طواغيتها وأسيادهم وأسلافهم ممن شارك في إبادة المسلمين، أعطاهم إشارة تحذيرية بأن الله يمهل ولا يهمل، وهي إشارة تحذيرية لغيرهم ممن يقهر المسلمين اليوم ويكبتهم، أن الله ليس غافلاً عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم تأخيراً، وسيهلكهم كما أهلك أشياعهم من قبل، ونحن نتربص بهم أن يصيبهم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا عندما تقوم الخلافة قريباً بإذن الله.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: في الوقت الذي وصل عدد ضحايا زلزال هاييتي إلى حاجز المائة ألف قتيل وربما تخطاه ليفوق ضحايا تسونامي جاكارتا، هاجم لصوص مركزاً تجارياً انهار في حي ديلماس بالعاصمة الهاييتية، واستولوا على محتوياته من الأجهزة الإلكترونية والأغذية. ولما قطع التيار الكهربائي في ليلة خلت عن لوس أنجلس شاع النهب والسلب والقتل في شوارعها ومنازلها، وكذل حصل في العراق لما انهار النظام البعثي. وهذا جانب آخر من جوانب القضية، فالتركيبة المجتمعية في الدنيا بأسرها هشة للغاية، والناس يتربص بعضهم ببعض، حتى إذا لا حت فرصة نهشوا اللحوم وسرقوا الممتلكات، ورقصوا فوق الجثث.
أيها الناس: ألا ترون أن العالم يئن تحت وطأة حكام طواغيت ما عرفت لهم البشرية مثيلاً، سواء في بلاد المسلمين أم في غيرها من بلاد الدنيا؟ ، أفسدوا معايش الناس، بأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله بعد أن جاءهم الهدى من ربهم، وأعرضوا عن الإسلام الذي أضاء الدنيا بنوره، وابتدعوا أنظمة للحكم والمعيشة ما أنزل الله بها من سلطان. وكذلك فإنهم لا يكترثون بأنماط البناء، فاندفعوا نحو السماء، يتطاولون في البنيان! عن تميم الداري قال: تطاول الناس في البناء زمن عمر فقال عمر: “يا معشر العريب، الأرض الأرض، إنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة، فمن سوده قومه على الفقه كان حياة له ولهم، ومن سوده قومه على غير فقه كان هلاكاً له ولهم”. وحكام زماننا، سادوا أقوامهم بغير فقه، فكان هلاكاً لهم ولأقوامهم، ولا حل إلا بإهلاكهم بزلازل أو انقلابات تجتاحهم، وإقامة الخلافة على انقاض عروشهم، كي تفتحَ صفحة جديدة من صفحات الأرض تحت حكم الإسلام، وتعادَ صياغة الحياة الاجتماعية والاقتصادية وباقي البنى المجتمعية بالإسلام، وتبنى المساكن على طراز إسلامي تنتشر في الأرض أفقياً لا رأسياً متكدساً، فإن حصلت زلازل أو إعصارات فإن الخسائر تكون في حدها الأدنى. فاللهم زلزالاً سياسياً أشد من زلزال هاييتي يدمر عروش الحكام الظالمين، ويطيح بهاماتهم، ويريح البشرية من شرورهم، ونسألك اللهم خلافة راشدة ثانية على منهاج النبوة، نكون من جنودها وشهودها والعاملين المخلصين لإقامتها.