(الخطبة الأولى)
أيها الناس: طبخة قذرة، رائحتها نتنة، وطعامها كالضريع لايسمن ولا يغني من جوع، كم هي عجيبة عملية السلام في الشرق الأوسط! عصية على الوسطاء، ومحصنة أمام العواصف والزوابع والزلازل، أطراف النزاع فيها نشطاء دائمون، وفي حراك دائم دون كلل أو ملل يتنافسون، ينفقون الأموال الطائلة بلا حساب، ويقتلون النفوس الزكية وغير الزكية لأتفه الأسباب، وأما وسائل الإعلام فما انفكت تنقل أخبار عملية السلام بوتيرة محمومة لا تفتر. نار وقودها شعب فلسطين والفصائل الفلسطينية، كلما هلك فصيل خلفه فصيل غيره، وكلما خبت النار تحت إناء الطبخ فيها زادها الطهاة سعيراً، وكلما صرح مسئول بأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة وتعاني من سكرات الموت أمدها القائمون عليها بشرايين الحياة في عمليات إنقاذ بهلوانية لنفخ الروح فيها من جديد، وهكذا دواليك منذ نحو قرن من الزمان. وآخر مستجدات عملية السلام العفريتة هذه، أن أوباما قد اعترف في مقابلة مع مجلة تايم نشرت يوم أمس أن إدارته هونت من تقدير صعوبة حل الصراع في الشرق الأوسط، مشيراً إلى أنها حددت توقعات أكبر مما ينبغي في بداية العام الأول من ولايته مطلع العام الماضي. وعزا الرئيس الأميركي توقعات إدارته الكبيرة إلى تهوينها من تقديرها للقيود السياسية الداخلية لدى الجانبين التي تحول دون اتخاذ خطوات جريئة من كلا الطرفين، واصفاً رئيس السلطة ورئيس وزراء يهود بالجبن أمام تحديات حماس والعناصر اليمينية المتشددة، اللتين تعارضان تقديم تنازلات من أجل السلام! ورغم هذا التشاؤم الذي اعترف به أوباما بشأن عملية السلام، والانتكاسات التي منيت بها سياسة بلاده، فقد أكد الرئيس الأميركي أنه سيواصل تحركه مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وصولاً إلى حل الدولتين. فقام بإرسال مبعوثه الخاص إلى الشرق الأوسط (ميتشل) في مهمة جديدة لاستئناف محادثات السلام الفلسطينية الإسرائيلية، والذي اعترف بدوره بالصعوبات والتعقيدات التي تكتنفها، لكنه تعهد بمواصلة الجهود للوصول إلى الهدف الذي حدده الرئيس الأميركي برؤية سلام شامل في المنطقة، وأنه يشارك الرئيس تقييمه “بخطورة الوضع”.
أيها الناس: ليست أميركا هي الطباخ الوحيد في عملية سلام الشرق الأوسط العتيدة، بل هناك من يشارك بقوة في هذه الطبخة العجيبة، ففي إطار جهود استئناف مفاوضات السلام، قال وزير الخارجية الإسباني موراتينوس: إن بلاده في إطار رئاستها الحالية للاتحاد الأوروبي تعهدت ببذل كافة الجهود لاستئناف مفاوضات السلام بالشرق الأوسط قريبا. وجاءت تصريحات موراتينوس عقب لقائه رئيس الوزراء الفلسطيني في مدريد. كما جاءت تصريحات ميتشيل بعد أن التقى بيرز، وسيلتقي اليوم عباساً وفياضاً.
أيها الناس: انظروا ماذا يدور في بلادنا، سيل لا ينقطع من زيارات المسئولين الأميركيين والأوروبيين، ونهر متدفق من التصريحات والتصريحات المضادة أو الموازية أو المنسجمة أو المتقاطعة من الأطراف كافة، وخطوط حمراء لا يعرف المراقب لها عدداً ولا حداً، إضافة إلى نعيق وزعيق ونهيق حكام المسلمين – عرباً وعجماً – من المتطفلين على عملية السلام الشرق أوسطية، لا يزيد نعيقهم وزعيقهم ونهيقهم شعوبَهم وشعبَ فلسطين إلا رهقاً.
أيها الناس: في خضم هذه الأعمال السياسية والتصريحات المتناقضة والتهديدات المتبادلة، وتصلب المواقف، وما إلى ذلك من صعوبات وعقبات وانتكاسات في المفاوضات، وفي خضم ابتلاع الأراضي وتذويب قدسية القدس، وزيادة البناء والاستيطان في كل مكان، وبعيداً عن الوسطاء أصحاب المصالح الحيوية في المنطقة، برزت عند اليهود ظاهرة يفتقر إليها الطرف الآخر من الفلسطينيين والعرب، تلكم هي إصرارهم على تناغم مواقفهم في الحكم والمعارضة، وبين الرئاسة والشارع. فنتنياهو يصر على بقاء وجود له في الضفة الغربية، وسيطرة كاملة على الحدود، حتى لا يتسلل متسلل ولا يُهرّب سلاح. ويحذر بيريز من تدخل “قوى سلبية” إذا لم يحدث تقدم في عملية السلام، مع المطالبة بإبقاء أجندة السلام مفتوحة! أما الطرف الآخر فإن مواقفه متباينة متناقضة، والتنازل هو شيمتهم الدائمة، وضعف المواقف الداخلية وسوء التنسيق بينهم هو دينهم وديدنهم. بل وأنكى من ذلك أنهم يضعون ثقتهم فيمن قتلهم وضيعهم وخانهم وخذلهم، ويصرون على اتخاذ قرارات الأمم المتحدة مرجعية لهم. فالعرب منهم في اختلاف دائم بينهم وكذلك العجم، فلا جبهة توحدهم، ولا نظام ينظمهم، ولا هدف يجمعهم. وأما الفلسطينيون، وما أدراك ما الفلسطينيون؟ إنهم في كل واد من أودية السياسة يهيمون، ومع الأطراف كافة مختلفون، كرههم كل من تعامل معهم ونسق، وقرر بعدها أن يشارك في نبذهم وتحجيمهم وبذلك تمسّك. فقد اختلفوا مع العثمانيين والانجليز، واختلفوا مع الأردن ومصر وليبيا والعراق والكويت ولبنان وسوريا وتونس والجزائر والمغرب والسعودية، واختلفوا مع إيران وتركيا، واختلفوا مع الأميركيين والأوروبيين، واختلفوا فيما بينهم، حيث نشأ فيهم أكثر من مائة فصيل كانوا دوماً يتنازعون أمرهم بينهم إلى درجة الاقتتال، فأصبح الفلسطيني يختلف مع الاختلاف نفسه إن لم يجد أحداً يختلف معه، وما ذلك إلا لغياب القيادة الرشيدة التي تقوده إلى بر الأمان. فلا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: لا يلزمنا أن نتعلم من الآخرين كيف تورد الإبل، ومن أين تؤكل الكتف، فنحن كمسلمين، قد حبانا الله بنعمة الإسلام الذي ارتضاه الله للناس ديناً، وأراد له أن يظهر على الدين كله ولو كره المشركون، ففيه الكفاية والغَناء إذا تمسكنا به وعملنا بمقتضاه. وقد نجح أسلافنا أيما نجاح لما عضوا عليه بالنواجذ، حيث أقاموا دولتهم الإسلامية الأولى، ومن بعدها الخلافة الراشدة، فكانوا صفاً واحداً في وجه أعدائهم، وأصابهم الرخاء ورغد العيش وفتحت على أيديهم البلاد، وهدي العباد وأخرجوا من الظلمات إلى النور، وخضعت لهم رقاب الجبابرة، وولى أعداؤهم في الزحف أدبارَهم للمسلمين، وهربوا ما وسعتهم أرض ولا أظلتهم سماء، والتاريخ شاهد صارخ على انتصارات المسلمين التي توالت، وإنجازاتهم التي ليس لها مثيل، وليس ذلك غريباً على قوم نصروا بالرعب مسيرة شهر.
أيها الناس: ماذا علينا لو نظرنا إلى عملية السلام في الشرق الأوسط نظرة إسلامية، وقمنا بإعلان وفاتها، وأصدرنا لها شهادة وفاة قطعية لا رجعة فيها، ودفنا أشلاءها المنتنة في حفرة عميقة، دون أن نضع أي شاهد على قبرها فلا تزار بعد دفنها من أحد من العالمين إلى يوم الدين؟ وماذا علينا لو أنا نزعنا ثقتنا من هؤلاء الساسة الأنجاس – ولا أستثني منهم أحداً أبداً – ثم نضع أيدينا بأيدي العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين بإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة على أنقاض عروش حكام المسلمين، لتصبح لنا دولة وأي دولة، تطبق الإسلام في الداخل، فلا يبقى مظلوم أو فقير أو جاهل، وتحمل هذا النور إلى العالم أجمع؟ وماذا علينا لو أنا تمثلنا بقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، فنتبرأ من أميركا والاتحاد الأوروبي، ونقلب الطاولة في وجوه الحكام الكفرة الظلمة الفسقة، فنزلزل أركان حكمهم، وندمر عروشهم، ونتولى أمرنا بأيدينا، على الله متوكلين، وعلى نصره معتمدين، وبرحمته مستبشرين، فما خاب من كان الله وليه، ولا هزم من كان الله له ناصراً، {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}. فاللهم زلزالاً يدمر عملية السلام، يهلك فيه الحكام، ويخرج المسلمين بخلافة راشدة على منهاج النبوة من بين ذلك الركام.