(الخطبة الأولى)
أيها الناس: يقال في اللغة: حَطَمَ الشيءَ حَطْمًا: كسره، وحطمَ الأسدُ الماشُيةَ: عاث فيها، وحطمت المرأةُ زوجها: أسَنّ وهي معه، وحطم الناسُ بعضُهم بعضاً: تزاحموا حتى آذى بعضهم بعضاً، وحطمت الريح الشيءَ: أتت عليه فهو وهي حَطُومٌ، والحُطَمة: الراعي العَسوف العنيف، والأكول الذي لا يشبع، والحطمة من الإبلِ والغنمِ: الكثيرة التي تحطم الأرض بخِفافِها وأظلافها وتَكسر شجرها وبقلها فتأَكله، والحطمة: النار الشديدة، والحُطَمِيّة من الدروع: الثقيلة العريضة التى تكسر السيوف، نسبة إلى حُطَمة بن محارب: بطن من عبد القيس كانوا يعملونها.
أيها الناس: هذه هي أفغانستان الحطمية التي ينحدر شعبها من البولوشية والتركمانية والشاهرية والإيماكية والهزارية والبوشتونية والطاجيكية والأوزبيكية والنورستانية والعربية والقرغيزية والباشية والفارسية، وقد صهرهم الإسلام في بوتقته العظيمة، فالمسلمون يشكلون الغالبية العظمى، رغم وجود بعض الأقليات من الهنود والسيخ واليهود. وإن أفغانستان تستحق بحق لقب الحطمية، لأن تاريخها حافل بتحطيم الدول الكبرى والمستعمرين من مختلف الملل والنحل والأعراق والأحجام والأوزان، فهي الحطمية التي تكسرت على صخرتها سيوف الفرس واليونانيين والساسانيين والمغول والهنود والبريطانيين والروس، وأخيراً وليس آخراً السوفييت الملاحدة. وها هو الكفر العالمي والاستكبار ممثلاً بأميركا ومعها دول حلف شمال الأطلسي، وآخرين من دونهم لا نعلمهم الله يعلمهم، قد ألقى اليوم بجرانه في أفغانستان، لتتحطم هيبتهم جميعاً على أرضها البطلة، وتتمرغ أنوفهم في أوحالها، ويتحطم كبرياؤهم على صخرتها الصلدة، ويتجندل جنودهم زرافات ووحداناً بفعل زخات الرصاص المقاوم المجاهد الذي لا يعرف التفاوض أو الاستسلام أو التنازل أو التراجع، وإنما هي ضربات قوم خرجوا بأنفسهم وأموالهم وأسلحتهم مجاهدين في سبيل الله، لا يريدون أن يرجعوا من ذلك بشيء! فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، فلا حكم ذاتي يرضيهم، ولا دويلة وطنية مسخ تشكل نهاية طموحهم، ولا استقلال مزيف هم ينشدون، ولا منظمة هالكة تحت لوائها ينضوون. تنكّر لهم الأهل والأصحاب، وتجهمهم القريب والبعيد، وتكالبت عليهم مخابرات الدول الصديقة قبل العدوة، وتهالكت وسائل الإعلام الخبيثة في كشف مواقعهم وهويات قادتهم وأماكن تواجدهم، والنيل من صمودهم، والتغطية على نجاحاتهم وانتصاراتهم، وفوق ذلك فقد خذلهم علماء الأمة، فلا هم أفتوا بوجوب مساعدتهم والجهاد في صفوفهم، ولا هم أنكروا منكرات الحكام المتخاذلين عن نصرتهم!! ولكن المجاهدين لم يأبهوا بذلك كله، ولم يفت التآمر والكيد من أعضادهم، وكأني بهم يقولون بقول الله عز وجل: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}، وبقول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه لا تزال طائفة من أمته يقاتلون على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة.
أيها الناس: إن إفغانستان هي الحطمية التي انقلب في أرضها السحر على الساحر، فبعد أن برزت فيها الأحزاب المجاهدة المدعومة من أميركا، وأذاقت الاتحاد السوفييتي وبال أمره وعاقبة غزوه، انقلبوا على بعضهم وحطم بعضهم بعضاً! ثم جاءت ثورة الطالبان المدعومة من باكستان وأميركا لتحطم ما تبقى من الأحزاب، وتبسط نفوذها على أكثر من 90% من أراضي أفغانستان، وما لبث السحر أن انقلب على الساحر، وانعتق الطالبان من ربقة الأميركيين والأوروبيين، وبعد تفجير مقر التجارة العالمية في أمريكا يوم 11 أيلول، طالبت الحكومة الأمريكية حكومة الطالبان بتسليم ابن لادن فرفضت. فقررت أميركا غزو أفغانستان، وبدأت الأعمال العسكرية المجنونة المدمرة، وحشدت الجيوش بمئات الآلاف، وصارت الغارات الجوية الأمريكية بأحدث الطائرات وقنابلها والألغام الأرضية وعمليات الدروع عملاً يومياً اعتيادياً، حتى هدموا نظام الطالبان، وأقاموا حكومة كرزاي العمليلة، وتمكنوا من تسليح بعض قادة القبائل بعد شراء ذممهم للقتال معهم ضد الطالبان الذين انتقلوا من الحكم إلى ساحات الجهاد والمقاومة التي تحطم الغزاة تحطيماً. واستمرت المقاومة بشكل أكبر وأكبر، واشتعلت جذوة الجهاد أكثر وأكثر، وسطرت البطولات في ساحات الوغى، وصعدت أرواح الشهداء إلى بارئها. وفي نفس الوقت شرد مئات الآلاف من منازلهم، ودمرت البيوت وارتفع عدد القتلى والمعتقلين إلى أرقام قياسية، والقوم صابرون بانتظار الفرج والفتح المبين. لكم الله يا أهل أفغانستان، ولكم الله يا إخوتنا الطالبان، فصبراً صبراً، لا نملك لكم من الله شيئاً، ثقوا بوعد الله فإنه منجزه، واعلموا أنه ما بعد الضيق والشدة والعسر إلا الفرج والنصر واليسر، فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: لم تفلح كل الجهود التي قامت بها أمريكا في السنوات السبع الماضية في السيطرة على أفغانستان، والقضاء على المقاومة الأفغانية، رغم إقحام الجيش الباكستاني في هذه المعركة الخاسرة، فأرادت أن تنقذ الوضع المتأزم بمجازفة أخيرة ستكون نتيجتها مريرة بإذن الله، وستتحطم قوة أميركا وحلفائها على صخرة أفغانستان الحطمية. وقد لاحت بوادر هذه الهزيمة المنكرة في الأفق، حيث تعالت الأصوات الغربية بضرورة انسحاب جيوشها، وازدادت كراهية الناس لحكومتي كرزاي وزرداري، وأصبحت هذه الحرب بمثابة النار الموضوعة تحت القدر الذي يغلي فتحرك الشارع الباكستاني، ليؤثر على قادة المؤسسة العسكرية الباكستانية. وبالفعل فقد أبدى الجيش الباكستاني امتعاضه عدة مرات من إقحامه في هذه الحرب القذرة، حيث من المفروض أن يكون أداة لنصرة لإخوانه المجاهدين، لا أن يكون حرباً عليهم! وأن يخدم مصلحة دينه وشعبه، لا أن يكون أداة في يد أعداء دينه وشعبه! وهو واقع يدير العيون ويحرك العقول وينبه الغافلين. فما كان من أميركا إلا أن قامت - وبالتآمر مع القادة السياسيين في باكستان - بضرب القوات الباكستانية في معسكراتها تارة، وبتحريضهم على المجاهدين عن طريق افتعال بعض التفجيرات في المراكز العسكرية والمدنية تارةً أخرى. ولكننا على ثقة بأن القادة العسكريين وخاصّة الواعين منهم قد أدركوا هذه الحيل والألاعيب المقصودة، وسيتخذون المواقف المناسبة من هذه الحرب المشتعلة في أفغانستان، وستكون النهاية هزيمة منكرة لأمريكا، وسينقلب السحر على الساحر بإذن الله. وهذا في الوقت نفسه بشارة بقرب قيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في باكستان وأفغانستان وجميع المناطق المجاورة في جمهوريات آسيا الوسطى إن شاء الله. وهذه البشارة يصدقها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
أيها الناس: إن نسأل الله تعالى بقلوب ضارعة راجية مستبشرة أن يكسر شوكة الكفر ويرفع صرح الإيمان في القريب العاجل، بقيام دولة الإسلام ليعزّ فيها الإسلام وأهله ويذل فيها الكفر، يا رب العالمين ويا ناصر المؤمنين المستضعفين، يا من قلت وقولك حق وصدق: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ}. فاللهم منزل الكتاب هازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم.