(الخطبة الأولى)
أيها الناس: إن الحكمة هي أغلى شيء يمكن أن يمنحه الله للإنسان بعد الإيمان والتحلّي بمكارم الأخلاق، قال تعالى: {يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ}، وهي أمل كل الناجحين، وقيل إن الحكمة هي ضالة المؤمن. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال: “اللهم علمه الحكمة” رواه البخاري. وعن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن من الشعر حكمة"، رواه البخاري، أي من الشعر قولاً صادقًا مطابقًا للحق. ومن الشعر الذي يناسب موضوعنا اليوم قول المتنبي:
ووضع النّدى في موضع السيف بالعلى
مضرّ كوضع السيف في موضع النّدى
والمقصود إن رفع الصراخ والعويل في المواقف التي يتوجب فيها رفع السيف هو أمر مضر ومؤذ تماماً كوضع السيف على الأوراق الندية، أو كوضعه في مواضع الحوار والتفاوض والمناقشة. وقال الشهيد سيد قطب رحمه الله في “الظلال” تعليقًا على قوله تعالى {ومن يؤت الحكمة}: أوتي القصد والاعتدال فلا يفحش ولا يتعدى الحدود; وأوتي إدراك العلل والغايات فلا يضل في تقدير الأمور; وأوتي البصيرة المستنيرة التي تهديه للصالح الصائب من الحركات والأعمال، وذلك خير كثير متنوع الألوان.
أيها الناس: إن الحكمة هي الشيء المفقود تماماً في زماننا وخصوصاً عند حكام المسلمين الذين يزعمون أنهم أولياء أمورهم، ورعاة شئونهم. فمنذ هدم الخلافة الإسلامية التي حملت الحكمة للبشرية جمعاء ردحاً طويلاً من الزمن، ذهب بعد هدمها ما تبقى من الحكمة، وصار التخبط والرعونة هما سيدَ الموقف، وهما أبرزَ سمات المشاهد كافة في بلاد المسلمين، وانعكس ذلك على تقدير عامة المسلمين وخاصتهم – إلا من رحم الله – وحتى إبداء الآراء والتصورات لحل المشاكل، فقد شابه التخبط والرعونة وسوء التقدير. من ذلك ما شاهدته من نتيجة استطلاع قامت به قناة الجزيرة على صفحاتها الالكترونية، حيث كان السؤال على النحو التالي: هل ترى أن الانتفاضة هي الرد المناسب على اغتصاب “إسرائيل” المسجد الإبراهيمي ومسجد بلال؟ فكانت النتيجة حتى ساعة إعداد الخطبة 88,1% نعم، و11,9% لا، مما يشير - في رأيي - إلى أن حوالي 90% من الناس لا يفكرون تفكيراً صحيحاً، وتنقصهم الحكمة في معالجة الأمور، وإعطاء الآراء، والتعليق على الأحداث. إذ لا يعقل أن يُزج ما تبقى من هذا الشعب الأسير المستضعف المحطم بشقيه الضفاوي والغزي في انتفاضة ثالثة، تهلك فيها الأرواح، وتدمر الممتلكات، وتتعمق معاناة الناس، وتتجذر همومهم، ثم تكون النتيجة أوسلو ثانية، أو انقسام ثالث، أو وعود وهمية بالمصالحة! لتأتي بعد ذلك أموال السحت من الدول المانحة فيزداد الغني غنىً والفقير فقراً. ولا يعقل أن يتحمل العزّل المنهكون من أهل فلسطين عبء تحريرها، ويُستخدم الحجر والأسلحة البدائية في وجه آلة حرب متطورة لدى العدو المفترض، في حين تقف الطائرات والدبابات والمدرعات والجيوش الإسلامية المجحفلة متفرجة لا تلوي على شيء. ولا يعقل أن يهب المصلون المقهورون لاسترداد المسجد الإبراهيمي ومسجد بلال، في حين ترتمي قياداتهم في أحضان أعدائهم، ويتفننون في التنكيل بشعبهم، وتدنيس مساجدهم، ومصادرة كلمة الحق وحق الكلمة فيها! فالأولى أن ينتفض الشعب على قيادته الخائنة المتخاذلة، ويحرر مساجده في طول البلاد وعرضها من سطوة الجنرال دايتون عليها، قبل أن يفكروا في الانتفاضة على من اعتبر المسجد الإبراهيمي ومسجد بلال تراثاً يهودياً. ومن أمثلة التخبط والرعونة السياسية دعوة المضطرب عقيد ليبيا للجهاد ضد سويسرا بعد أن اعتقلت الأخيرة هانيبال نجل القذافي بفندق في جنيف بتهمة الإساءة إلى خدمه، وازدادت تلك العلاقة سوءا مؤخرا بعد أن وضعت سويسرا 188 مسؤولا ليبيًا بينهم العقيد نفسه على “القائمة السوداء” الممنوعة من دخول منطقة “شنغن” التي تضم 25 دولة. إذ أن غضبه ليس لله ولا للوطن، ولا دفاعاً عن مصالح المسلمين، بل غضب شخصي عائلي أناني بغيض، لا يختلف عن غضب جامعة الدول العربية على دخول صدام للكويت، أو مسيرات بلعين ضد الجدار، أو ما شاكل ذلك من تصرفات تخلو تمامًا من الحكمة أو ما يتصل بها من رجحان العقل واتزان العمل والغضب لله.
أيها الناس: لو استرسلنا في ضرب أمثلة عن التخبط والتهور وقلة الحكمة والاضطراب عند الحكام، وقُلْ مثلَ ذلك عند المفكرين والكتاب وكثير من علماء هذه الأمة الجريحة، لو استرسلنا ما انتهينا، ولما وسعنا مقامنا لرصد المهاترات والترهات التي أصبحت من سمات عصرنا في ظل الرويبضة! ولكننا مدعوون أكثر من أي وقت مضى لوقف هذا النزيف القاتل من التصرفات الحمقاء التي أوصلت المسلمين إلى الحضيض، وجعلتهم في ذيل الأمم، وذلك بتوظيف الحكمة في معالجتها. فالحكمة تقتضي تشخيص مشكلة المسلمين الأساسية التي أفضت تداعياتها إلى أُلوف آلاف المشاكل الفرعية. وخير تشخيص وأدقه من قال بأن أم المشاكل هي هدم الخلافة، وغياب الحكم بما أنزل الله، فهو الذي أوجد عندنا الانحطاط الفكري وقلة الحكمة، وأورثنا الذل والانكسار، وهو الذي زلزل أركان المسلمين السياسية والفقهية والفكرية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من جوانب حياتهم. إذ لمّا هدمت الخلافة ضاعت فلسطين والعراق وسوريا ومصر وباقي بلاد المسلمين، وليس هناك فرق بين أن يحتل البريطانيون فلسطين والأردن والعراق عام 1917م، أو أن تحتل فرنسا مصر عام 1798، ثم تحتلها بريطانيا عام 1882، وتعلنها محمية بريطانية عام 1918. وليس هناك فرق بين أن تحتل فرنسا الجزائر عام 1830، وتونس عام 1881، ولبنان وسوريا عام 1922، بين أن تقوم كل من فرنسا وبريطانيا باحتلال المغرب عام 1912، وتقوم إيطاليا باحتلال ليبيا عام 1911. ولا فرق بين أن يعاد احتلال العراق من أميركا عام 2003، وبين احتلالها لأفغانستان من قبل عام 2001، فكلها بلاد إسلامية وتحريرها واجب على المسلمين جميعًا، وليس على أهلها وسكانها وشعبها فقط، كما يحاول البعض إيهام الناس بذلك. فالحكمة تقول بأن المسلمين أمة واحدة من دون الناس، حربهم واحدة وسلمهم واحد.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: أين هي الحكمة في صراع الجزائر ومصر بعداوة فاضحة منكرة بسبب مباراة لكرة القدم بين نفر مضلَّل لا يتجاوز عدده أصابع اليدين والرجلين؟ وأين هي الحكمة في مناشدة سفراء ما يسمى بالمجموعة الإسلامية في الأمم المتحدة إلى تحرك دولي فاعل لإجبار “إسرائيل” على التراجع عن قرار رئيس وزرائها ضم المسجدين الإبراهيمي وبلال بن رباح إلى قائمة التراث اليهودي؟ وأين هي الحكمة في إعلان الجهاد على سويسرا لأسباب تافهة، والأقصى يئن من وطأة الاحتلال منذ أكثر من 90 عاماً؟ وأين الحكمة في صرف اغتيال المبحوح من قضية دم مسلم أهريق على أرض مسلمة، إلى قضية استخدام القتلة المجرمين لجوازات سفر أوروبية مزورة، ليضيع دمه بين ثنايا أوراق الجوازات، بدل أن يقتل قتلته ولو كانوا ألفاً لا عشرين أو ثلاثين؟ وأين هي الحكمة في إجراء احتفالات محدثة في ذكرى مولد سيد المرسلين، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وتجاهل إحياء ذكراه باتباع سنته وتطبيق الشرع الذي جاء به من عند ربه وخالقه ورب السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وتحريض الناس على العمل مع العاملين لإقامة الخلافة التي تقوم بذلك؟ ما لكم كيف تحكمون؟
أيها الناس: كم نحن بحاجة إلى الحكمة في كل عمل من أعمالنا، وكل قول من أقوالنا، فالله سبحانه وتعالى يقول: {يَأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}. قال صاحب التفسير الميسر: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه, اعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته؛ لئلا تستحقوا بذلك العقاب, وقولوا في جميع أحوالكم وشؤونكم قولا مستقيمًا موافقًا للصواب خاليًا من الكذب والباطل. فاللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.