(الخطبة الأولى)
أيها الناس: يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا۟}، أي لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم بالبحث عنها، وقال الأوزاعي: التجسس البحث عن الشيء، والتحسس الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون، أو يتسمع على أبوابهم. وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسمع العواتق في بيوتها أو قال في خدورها فقال: “يا معشر من آمن بلسانه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته”. عن زيد بن وهب. قال: أتى ابن مسعود, فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرا. فقال عبد الله: إنا قد نهينا عن التجسس, ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به. وعن مجاهد: لا تجسسوا, خذوا بما يظهر لكم, ودعوا ما ستر الله. وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم”.
أيها الناس: إن جزءً كبيرا من فساد أحوال الأمة الإسلامية اليوم يكمن في الكم الهائل من الجواسيس الذين ينخرون في جسدها حتى أصبحت كالرميم، ولم يقتصر الأمر على أفراد من الناس مرضى في دينهم وضعفاء في نفوسهم، بل تعداه إلى توظيف أجهزة كاملة بميزانيات مفتوحة للقيام بهذا العمل الدنيء، بل إن درجة التجسس قد بلغت مداها عندما أصبحت دول وحكومات ووكالات أنباء ومحطات تلفزيونية فضائية وأرضية تقوم بأعمال التجسس للدول الأكبر منها وتأمين مصالحها في العالم الإسلامي كما في غيره. فعصرنا يمكن أن يطلق عليه عصر التجسس بجدارة وتفوق، خصوصا مع تقدم وسائل الاتصالات وثورة تقانة المعلومات.
أيها الناس: كما هو الحال في بلاد المسلمين وحيثما يوجد مسلمون في غيرها، قام حملة الدعوة العاملون لإقامة الخلافة الإسلامية بجملة من النشاطات كالمسيرات السلمية والاحتشادات بعد صلاة الجمعة الماضية في مختلف مدن وقرى فلسطين، إحياءً لذكرى هدم الخلافة، واستنهاضا لهمم المسلمين لهذا العمل الجليل الذي يقف على رأس سلم أولويات الأعمال في زماننا، حيث عطل شرع الله بسبب غياب الخلافة. ولما كانت تلكم النشاطات مباغتة لقوات الأمن المنشغلة بالمحافظة على أمن الطرف الآخر، برز دور الجواسيس الذين يطلق عليهم مندوبين، وتسابقوا لإجراء الاتصالات الفورية مع مصادر رزقهم الحرام، ورفع التقارير الاستخباراتية المستعجلة لهم، حتى أنهم رفعوا تسعة وثلاثين تقريرا عن نشاط حصل في قرية صغيرة من قرى فلسطين!
أيها الناس: يمكن للمرء أن يتصور وجود أمثال هؤلاء المرضى في دينهم وعقيدتهم، فهناك دوما هامش معين من الساقطين في المجتمعات، يبيعون دينهم ووطنيتهم بعرض من الدنيا زائل. ففي الماضي أبو رغال الذي أرشد جيش أبرهة إلى مكان الكعبة المشرفة، فجعل الله كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول. وأما أبو رغال فلا زالت العرب ترجم قبره باعتباره رمزا للمخابرات الدنيئة والجاسوسية. وبعده شاور الذي تخابر مع الفرنجة ضد بني دينه وجلدته في مصر، فقُتل ونهبت داره وسكنها خصومه. ويمكن للمرء كذلك أن يقول إن أعداد هذه الشريحة من المرضى قليلة، كون العمل الذي يقومون به خسيس، تأباه النفوس السوية، وترفضه القلوب المؤمنة والعقول النيرة. أما أن يكون تسعة وثلاثون جاسوسا في موقع واحد كالمسجد في تلك القرية الفلسطينية الصغيرة، فهذا ينبيء عن وجود أضعاف هذا العدد في بقاع أخرى من تلك القرية، وألوف مؤلفة منهم في مناطق فلسطين الأخرى قياسا عليها، فالأمر مذهل لا تكاد العقول السوية تقبله.
أيها الناس: إذا كان هذا هو حال فلسطين وفيها سلطة قلقة غير مستقرة، ولا تمثل في عالم السلطات إلا نقطة في محيط متلاطم من الأعمال الجاسوسية والمخابراتية، فكيف بباقي الدويلات القائمة في العالم الإسلامي التي تعتبر أجهزة المخابرات فيها هي الحاكم الميداني الفعلي! كيف لا؟ وهي تحصي على الناس أنفاسهم فضلا عن أقوالهم وتحركاتهم عبر الحدود وداخل البلاد وخارجها؟ ويزول الاستغراب عندما نعرف بأن الجواسيس الذين جندتهم وزارة الأمن الأميركية التي استحدثت بعد أحداث نيويورك عام 2001 قد بلغ عددهم أحد عشر مليون شخص.
أيها الناس: إن الذي فجر هذه المسألة اليوم هو ما كشفته مصادر متخصصة قبل أيام قليلة من وثائق عسكرية سرية أظهرت “صورة مدمرة” لما وصف “بالحرب الفاشلة في أفغانستان"، كما كشفت المستندات أن قوات التحالف الدولي قتلت مئات من المدنيين الأفغان في حوادث لم يبلغ عنها. وقالت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية إن المستندات – ويتجاوز عددها تسعين ألف وثيقة – حصلت عليها من موقع “ويكيليكس” المتخصص في تسريب المعلومات والتقارير السرية. وأفادت بأن هذه الملفات – التي حصلت عليها أيضا صحيفة بريطانية وأخرى ألمانية – تظهر أن باكستان تسمح لعناصر من مخابراتها بالتعاطي مباشرة مع حركة طالبان في أفغانستان. وأن هذه الملفات تعد واحدة من أكبر التسريبات في تاريخ الجيش الأميركي. وقد زعمت أميركا أنها منزعجة من هذه التسريبات، في حين نفت باكستان صلتها بما جاء فيها، ووصفتها بأنها أسلوب ضغط عليها، وقال مسؤول باكستاني سابق: “انا كبش الفداء المفضل لدى الأميركيين”. وأما كرزاي، فقد ندد بشدة بنشر الوثائق التي وردت فيها أسماء مخبرين، معتبراً أنه “عمل لا مسؤول ويثير الصدمة” ويعرض حياة هؤلاء الأفغان للخطر!
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: هذه هي نهاية الجواسيس، فهم كالأحذية يُلبسون في الأقدام، فيطأ أسيادهم بها هامات الشرفاء، حتى إذا ما انتهت المهمة، وقضى أسيادهم منهم وطرا، خلعوهم ورموا بهم حيث ترمى النعال البالية غير مأسوف عليهم، ويتركونهم لملاقاة مصيرهم المحتوم وهو الكشف والتسريب والقتل والتنكيل من قبل الخصوم وأصحاب الثارات وعامة الناس. ثم يطويهم التاريخ في صفحاته السوداء، ولعذاب الآخر أكبر لو كانوا يعلمون.
أيها الناس: كم نتمنى لو فهم الجواسيس من أبناء الأمة الإسلامية حقيقة عملهم، وأنه حرام يورد صاحبه المهالك في الدنيا والنار في الآخرة! ويا حبذا لو ادخروا طاقاتهم التجسسية حتى تقوم الخلافة، فتوجه تلك الطاقات نحو الكفار أعدائنا، إذن لسترت عوراتنا وفضحت عورات الكفار ولتمكنا من هزيمة دولهم، ولأخرجنا شعوبهم من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام. ويا حبذا لو أدرك الجواسيس من المسلمين أن مطعمهم حرام ومشربهم حرام وأنهم يغذون أنفسهم وأهليهم بالحرام، فأنى يستجاب لهم دعاء، أو يقبل لهم عمل صالح من حج أو عمرة أو صلاة أو صدقة؟ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} وقال: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر (ساعيا للحج والعمرة ونحوهما ) يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذى بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟” فاللهم ارزقنا الحلال وجنبنا الحرام، واهدنا واهد بنا واجعلنا سببا لمن اهتدى.