(الخطبة الأولى)
أيها الناس: قبل نحو 400 عام صدر قرار إجرامي عن محاكم التفتيش في إسبانيا (الأندلس سابقا) للقضاء على المتخلفين من المسلمين في بلنسية، يقضي بإعطاء جائزة ستين ليرة لكل من يأتي بمسلم حي، وله الحق في استعباده، وثلاثين ليرة لمن يأتي برأس مسلم قتل. وقد بلغ عدد مَنْ طِرَد من المسلمين من أسبانيا خلال خمس سنوات حوالي 327000 شخص، مات منهم 65000 غرقاً بالبحر، أو قتلاً في الطرقات، أو ضحية المرض، والجوع، والفاقة. وهذا غيض من فيض من أخبار المسلمين عندما يظهر عليهم الكافرون، فلا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة. فالمغول بعد سقوط بغداد عام 1258 قد أحدثوا فيها المجازر والنهب والاغتصاب والدمار. فدمروا مكتبة بغداد التي تضم الآلاف من المخطوطات في الفلك والطب والتاريخ، وقيل آنذاك إن الكتب التي القيت في نهر دجلة جعلت الماء اسودا، كما دمروا مستشفيات مما ادى الى موت 200 مريض ومساجد وقصور، وبعض دارسي التاريخ الآن يقدرون عدد الناس الذين قتلوا كان بين 200 ألف الى ألف ألف. والمعروف أن جنود (هولاكو خان) استمروا في القتل حتى بنوا اهرامات من جماجم أهل بغداد! وأما المذابح التي ارتكبها الصليبيون الغربيون والشرقيون ضد المسلمين فلا يستطيع التاريخ إخفاءها، وستبقى وصمة عار في جبينهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها، حيث كان ضحاياها بمئات الملايين من المدنيين والعسكريين. وعندما احتلت قوات بريطانيا فلسطين عام 1917 م، إثر هزيمة الدولة العثمانية، كان أهم عمل من أعمالهم ملاحقة العسكر العثمانيين وقتلهم، وإغراء الناس الجهلاء من جواسيسهم بالدنانير الذهبية مقابل رأس كل جندي عثماني يأتون به!
أيها الناس: إن من نافلة القول أن الكفار لا يسمحون بإنشاء جيوش للمسلمين بعد أن هزموهم وسيطروا عليهم وقتلوا مقاتليهم وأتبعوهم، بالمدنيين العزل، فلماذا أنشئت الجيوش في بلاد المسلمين المحتلة؟ وكيف وافق الكفار المسيطرون على بلاد المسلمين أن يشكلوا فيها قوات مسلحة؟ إن الجواب بسيط جدا، ولا يحتاج إلى إنعام نظر وإعمال فكر، والواقع يصدقه ويكذب غيره، إن الكفار يشكلون جيوشا من أتباعهم، ليقوموا بحفظ الأمن نيابة عن جيوشهم، وليقتلوا من يقاومها ويقمعوا من يناوئ سياساتهم. ولذلك يغدقون على هذه الجيوش الأموال الطائلة، ويسلحونها بأسلحة تكفي للقيام بالمهمات القذرة من قتل الشعوب وقمعها. وهم يديمون تقليب قيادات تلكم الجيوش في المناصب، ويحيلونهم مبكرا إلى التقاعد، ويراقبونهم حتى لا يمشوا في غير ما خصص لهم من مناكب. وكم سمعنا عن حالات إعدام لعسكريين مسلمين من ذوي المراتب لمجرد شبهة اتصالهم مع المخلصين من أبناء المسلمين الساعين لتحرير بلاد المسملين من المحتل الغاصب.
أيها الناس: هكذا فعلت بريطانيا وفرنسا في البلاد التي احتلوها من العثمانيين، حلوا جيوشها، وأنشأوا جيوشا جديدة مكانها، وهكذا فعلت أميركا بالعراق لما هزمت جيش صدام، حلته وأنشأت مكانه جيشا عراقيا جديدا لا يحمل من صفة الجيش إلا الإسم، وهكذا فعلت بأفغانستان لما هزمت الطالبان، وأصبح الجيش الأفغاني خادما لجيوش أميركا وحلفائها، ومرشدا لهم وجاسوسا يدلهم على مواقع المجاهدين وعوراتهم. وإنكم لتسمعون عن فعاليات قوات الجيش الباكستاني والجزائري والسوداني والأردني واليمني والسعودي وغيرها من الجيوش التي لا شغل لها إلا قمع المناوئين وحماية عروش الحكام الظالمين. وليس السبب في ذلك خيانة الجنود أو الضباط، وإنما هو تنفيذ لأوامر الساسة الخونة وأسيادهم الكفرة، فهذه هي طبيعة الجيوش، طاعة مطلقة للأوامر الصادرة بلا مناقشة. وفي بعض حالات التمرد على الأوامر حصلت انتصارات محدودة تتناسب مع حجم التمرد، كمعركة الكرامة الأردنية وحادثة الشجرة اللبنانية. ما يشعر أن هذه الجيوش إذا تغيرت من فوقها الأوامر، وصدرت لهم من المخلصين التعليمات والتوجيهات، فإنهم يفعلون الأفاعيل، ويحققون المعجزات العسكرية.
أيها الناس: إن الأمة بحاجة إلى جيش قوي كبير مدرب تدريبا عاليا حتى ينهض بالمهمات الثقيلة الملقاة على عاتقه، وينبغي أن يكون تحت إمرة أمير المؤمنين الذي يرسم له خريطته الجهادية دفعا أو طلبا، وله أمير ميداني يسمى أمير الجهاد يضع له الخطط العسكرية الميدانية التي تضمن له الغلبة بعون الله عز وجل. وله رديف من الملائكة المقاتلين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. هذا الجيش المنصور بالرعب مسيرة شهر، هو الجيش الذي نحن بحاجته اليوم ليحقق أهداف الإسلام العليا من حفظ لبيضة الدين، وبلاد المسلمين وأعراضهم وأموالهم، وهو الجيش الذي ينطلق غازيا في سبيل الله، ليخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن الظلمات إلى النور. ولسنا في حاجة أبدا لمزيد من الجيوش المكبلة وقوات الأمن الفاشلة التي تشكلها دول الكفر من أبناء المسلمين لقمع إخوانهم والتنكيل بهم، كما هو الحال في بلاد المسلمين اليوم، وكما حصل في فلسطين بشقيها الضفاوي والغزي. وقد علق أحدهم على مشروع قوات الأمن الفلسطيني الذي بدأوا تشكيله بسرعة هائلة قبل أن يجف حبر الاتفاقيات الخيانية على تشكيلها قائلاً: إننا في فلسطين لسنا بحاجة إلى شرطة تكبتنا، فقد عشنا أكثر من ثلاثين عاما بغيابها، ولكننا بحاجة إلى أطباء ليعالجوا جرحانا، وإلى مهندسين ليبنوا لنا بيوتنا ويرمموا ما دمّر منها، وبحاجة إلى فقهاء ليعلمونا أمور ديننا وكيف نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونحرر البلاد والعباد، وإننا بحاجة إلى سياسيين يحكموننا بما أنزل الله وليس بأحكام الطاغوت والجاهلية.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: لقد ضربت السلطة الفلسطينية بشقيها الضفاوي والغزي عرض الحائط بحاجة أهل فلسطين الحقيقية، واهتموا بإنشاء قوات أمن تخدم مصالحهم فقط. فجندوا عشرات الآلاف ودربوهم ليحافظوا على كراسيهم ومكتسبات أزلامهم ومحاسيبهم، وليقمعوا بهم المسيرات السلمية المطالبة بتطبيق شرع الله وإقامة الدين وتحرير بلاد المسلمين ومقدساتهم. وتمعن هاتان السلطتان يوما بعد يوم في محاربة الله ورسوله بسيرهما على خطى دويلات الضرار القائمة في العالم الإسلامي شبرا بشبر وذراعا بذراع، فهذه غزة تشهد المهرجانات الترفيهية والاحتفالات المتلاحقة المشتملة على التمثيل والرقص، كاحتفالات طيور الجنة التي شهدها نحو 40 ألف مواطن من مختلف الأعمار، وتضمنت العديد من الوصلات الإنشادية التي خصصت لغزة والأقصى. والناس في غزة يتضورون جوعا، والجرحى لا يزالون يرقدون على أسرة المرض يعانون آثار القصف والتدمير، وأما الأقصى فلا زال أسيرا وأنتم تشهدون! ولم يفكر أحد من القوات الملفعة بالذل والصغار أن يثأر لشهيد أو جريح. أما قتل المسلمين في المساجد، والبطش بهم في الطرقات، فقراره جاهز، وتنفيذه فوري.
أيها الناس: هذا في غزة هاشم، وأما فيما تبقى من مناطق ضفة نهر الأردن الغربية تحت إدارة سلطة رام الله فالصورة أوضح من أن تحتاج إلى بيان، وقد سبقوا سلطة غزة في هذا الميدان! وقد بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأي الرشيد أن رئيس وزرائهم قد قال خلال حفل افتتاح سينما جنين، “أسعد دوماً بزيارة محافظة جنين، وأسعد عندما ألتقي بأبناء شعبنا في كافة انحاء الوطن، أحببت أن اشارككم وانتم تستمتعون بالفرحة في افتتاح سينما جنين، والتي تعبر عن تناغم الأمل والارادة في حكاية شعبنا الفلسطيني”. وقبل أن يدرك شهر زاد الصباح وتسكت عن الكلام المباح قال فياض “إن هذا المشروع يضع لبنة اضافية في المشروع الثقافي الفلسطيني، والنهوض بكامل مكوناته"، وقال “إن حلم ياسر عرفات ورؤية درويش، يتجسدان في كل مشروع يضيف إلى شعبنا امكانية البقاء والصمود، ورغم كل ما يواجهنا من صعوبات، فقد باتا يقتربان من الحقيقة التي لا بد منها، وهي ترسيخ الاستقلال الوطني على الأرض، وتجسيد حق شعبنا في الحياة الكريمة في دولة فلسطين المستقلة كاملة السيادة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية”. وحيا رئيس الوزراء القائمين على هذا المشروع الهام، وكافة المتطوعين والمبادرين والداعمين من أجل تحقيقه، والذي يساهم في نشر ثقافة السينما. وأكد على أن هذا الانجاز وآلية تحقيقه شكلت نموذجاً للاصرار والتعاون وتحمل المسؤولية والمبادرة لتعزيز الملكية الجماعية وروح الانتماء. وقال “كلي أمل في أن يتم تعميم هذا النموذج ليعاد ترميم دور السينما المدمرة أو المهجورة”. وحضر حفل افتتاح سينما جنين إلى جانب رئيس الوزراء وزيرة الثقافة، ومحافظ جنين، والقنصل الألماني، وعدد من المسؤولين الرسميين، وممثلي المؤسسات الأهلية والدولية، وحشد من وجهاء وأهالي محافظة جنين. فاللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وعجل لنا بخلافتنا التي تنهي هذه المهازل فينا.