(الخطبة الأولى)
أيها الناس: تقوم إحدى المحطات الإعلامية المشهورة وهي بي بي سي بسؤال المستمعين عما يمثله شهر رمضان المبارك بالنسبة إليهم، وضعته على موقعها على الشبكة العنكبوتية (الانترنت)، وتطلب من خلاله الإجابة على أسئلة محددة تتعلق بعادات الطعام والشراب في هذا الشهر الفضيل، وتفتح المجال للناس للتعبير عن معاناتهم أثناء الصيام نهار رمضان نتيجة امتناعهم عن الأكل والشرب وإشباع الشهوات الأخرى، وفي أحسن الأحوال تذكرهم بالوجبة الروحانية التي يتلقونها من الصيام والقيام. ولما قمت بتصفح ردود المستمعين والمشاهدين، وقراءة ما كتبوه استجابة لهذا الاستطلاع الجماهيري، هالني ما قرأت، وأذهلني ذلك المستوى المتدني للتعليقات التي لم تخرج عن نطاق ما تريده تلك المحطة الإعلامية الماكرة. حيث وصفه البعض بأنه سكونُ النهار وصخب الليل وارتخاء كل شيء بالانسان، وجمود التفكير وإحباط النفس، وإهمال النظافة، وكثرة المسلسلات التلفزيونية وبرامج اللهو واللعب. ووصفه آخرون بأنه شهر الطاعة والعبادة والتقرب الى الله، وفيه يمتحن المسلم قدرته على الصبر والبعد عن الشهوات، وعبر البعض عن أسفه لأن ضعاف النفوس يرجعون الى عاداتهم القديمة بمجرد انتهاء شهر رمضان، ويتركون الصلاة وقراءة القران الكريم. وبين هذه التعليقات وتلك أقوال كثيرة لا تخرج عن الأثر الفردي لفريضة الصوم في الحياة الدنيا فقط، إضافة أن بعضهم لم يُخْف غضبه من قدوم هذا الشهر كونه يحمل في شكله ومضمونه كبتا للشهوات، ولم يتورع عن المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان، والعياذ بالله.
أيها الناس: لم ألحظ تعليقا واحدا يعبر عن أثر الصوم في صحيفة أعمال الصائم يوم القيامة، أو أنه الوحيد من بين الخلائق الذي يدخل الجنة من باب الريان، وفقا لما أخرجه البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن في الجنة بابا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال أين الصائمون، فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلن يدخل منه أحد”. ولم أقرأ لأحد من المشاركين – وهم بالمئات – أن شهر رمضان هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وأنه الشهر الذي بدأ فيه دين الإسلام ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأنه الشهر الذي أطلقت فيه شرارة العمل الدعوي الجاد لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، وأنه الشهر الذي فيه ليلة هي خير من ألف شهر. ولم يتعرض أحد من المعلقين إلى وجوب وحدة الصوم عند المسلمين جميعا في أنحاء الأرض كافة، إظهارا لالتزامهم بهذا الركن العظيم من أركان الإسلام الخمسة، وتجسيدا لوحدة أمتهم التي اعتراها ما اعتراها من أسباب الفرقة والتشرذم والضياع والتشتت. وغني عن البيان أن أحدا لم يكتب معبرا عن شوقه للجهاد في سبيل الله في رمضان أسوة بالمجاهدين الأوائل الذين خاضوا غمرات القتال ضد الكفار في شهر رمضان كما حصل في معركة بدر الكبرى وفتح مكة وغزوة تبوك ومعركة القادسية، وفتح جزيرة رودس، ونزولِ جيوش المسلمون بلاد الأندلس وانتصارِهم على القوط فيها، وما حققه الناصر صلاح الدين الايوبي من إنتصارات في رمضان، وانتصارِ المسلمين على المغول في عين جالوت، وعبورِ القوات المصرية لقناة السويس وإجتيازها لخط بارليف الإسرائيلي. ولم أجد تعليقا واحدا يظهر بوضوح أن غياب دولة الخلافة الإسلامية هو السبب الذي جعل جيوش المسلمين تتخلف عن خوض الغمرات الجهادية في رمضان وغير رمضان.
أيها الناس: قد يقول قائل إن الذين كتبوا لا يعبرون عن جميع المسلمين، بل هم نفر قليلون. وأما باقي المسلمين فليسوا على مثل رأيهم، ولربما كتب البعض تعليقات جيدة ولكن الموقع أهملها، وليس غريبا أن يفعلها. ولكن الشيء المؤكد أن الذين كتبوا يمثلون شريحة كبيرة من شرائح المسلمين، ولا يصح إغفال أو إهمال ما كتبوا، فالمسلمون مرضى، بسبب سيطرة الكفار عليهم، والتحكم في أفكارهم ومشاعرهم وإعلامهم ومناهجهم وسائر نواحي حياتهم، وليس بمستغرب على المريض أن يهرف بما لا يعرف، وينحرف بكلامه عن الجادة. ويبقى السؤال الكبير قائما: من هو الذي أوجد مثل هذا الشعور في أوساط المسلمين تجاه شهر رمضان، وشكّل هذا العرف الفاسد؟ ولماذا تنامى هذا الشعور واستفحل خطره دون أن نلحظ مقاومة تذكر لوقف طوفانه؟ إذن نحن أمام قضية اعتداء على أفكارنا ومشاعرنا, إضافة للاعتداءات المتكررة على ديننا ومقام نبينا وأرضنا ومقدساتنا وأعراضنا وثرواتنا. فهل يجوز شرعا لمسلم من المسلمين أن يبقى ساكتا بعد ذلك على هذا المنكر الفظيع، دون أن يشهر سيفه في وجه كل من يقف خلف هذا المشروع المدمر فيقاومه بكل ما أوتي من قوة؟
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إننا نعيش اليوم أزمة حقيقية مع شهر رمضان، فتوحيد بدء الصوم وبدء الفطر ليس في أيدينا، ومحاسبة المجاهر بالافطار في رمضان ليست في أيدينا، وقيادة الجيوش التي يجب عليها محاربة الكفار الغاصبين لبلاد المسلمين ومقدساتهم ليست في أيدينا، فالقهر يتملكنا، والغيظ يملأ قلوبنا إذ يمر علينا شهر رمضان التاسع والثمانون وخليفتنا غائب، وأعناقنا تخلو من بيعة، وشرع الله معطل، والحكم في الرويبضات، والملك في الصغار، والعلم في الرُذّال. تسعة وثمانون هلالا بزغت على بلاد المسلمين تترى وهي ممزقة إربا إربا تملؤها الحدود والسدود! تسعة وثمانون هلالا أطلت على خير أمة أخرجت للناس تترى وهي تئن تحت وطأة القومية العفنة والوطنية النتنة، والطائفية الدموية المقيتة والمصلحية الرخيصة! تسعة وثمانون هلالا أهلت على المسلمين تترى وهم تحت ضربات الكفار العسكرية والسياسية والإعلامية، يترنحون من قوتها وأثرها سكارى وما هم بسكارى، ولكن الكيد عظيم والمكر كُبّار!
أيها الناس: إننا على أعتاب مواجهة تاريخية مع أصحاب مشروع النيل من الأمة الإسلامية وهم الكفار وأعوانهم من حكام دويلات الضرار، وإن هذه المواجهة تحتاج إلى جهد المخلصين من أبناء المسلمين ليعملوا مع العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين بإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة. فلا تدخروا وسعا لتكونوا منهم وتصطفوا معهم، وليأخذ كل من موقعه في هذا العمل النبيل، ولنسأل الله في هذا الشهر الفضيل أن يكرمنا بإتمامه على الوجه الذي يرضيه، وأن ييسر لديننا أنصارا كأنصار الأمس يقيمونه بعد سقوط، ويعزونه بعد ذل، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.