(الخطبة الأولى)
أيها الناس: بالأمس كانت أندونيسيا، واليوم باكستان، ومن يدري من من المسلمين سيكون الضحية القادمة غدا؟ فعدد المتضررين من فيضانات باكستان يفوق مجمل تعداد سكان فلسطين بشقيها ولبنان والأردن، ويزيد عددهم عن عدد المتضررين من أمواج المد العاتية (تسونامي) التي وقعت في المحيط الهندي، والزلزالين اللذين ضربا هايتي والشطر الخاضع للإدارة الباكستانية من إقليم كشمير. حيث أن الفيضانات قد أحدثت حالة طوارئ لما يتراوح بين 15 و20 مليون شخص في باكستان. وأدت الفيضانات إلى مقتل نحو ألفي شخص وإصابة آلاف آخرين، وتدمير نحو ألف ألف منزل، وإلحاق أضرار بنحو عشرين مليون شخص، وإتلاف حوالي مليون هكتار من المحاصيل، مما يهدد أهم صادرات باكستان من القمح والذرة والقطن وقصب السكر. وقال مسؤول فيما يسمى بالإمم المتحدة: “تواجه باكستان تسونامي بطيء الحركة"، محذرا من أن “قواه المدمرة ستتراكم وتزيد بمرور الوقت"، في ظل توقعات الأرصاد الجوية التي تشير إلى قدوم أربعة أسابيع أخرى من هطول الأمطار الموسمية التي ستزيد من مشكلات الفيضانات. وأوضح بان كي مون أنه عندما تنحسر المياه في النهاية، ستحتاج باكستان إلى مليار دولار لإعادة بناء قطاعها الزراعي، وفقا لتقديرات كشف عنها البنك الدولي، من أصل خسارة قومية كبيرة تفوق أربعين مليارا.
أيها الناس: ليست هذه هي المرة الأولى التي تتعرض باكستان فيها للفيضانات، بل إنها منطقة ذات تاريخ طويل في ذلك. وقبل أن نحاسب حكومتها المتهالكة في خدمة أميركا عما فعلته للتخفيف من أضرار الكارثة، نسأل الأسئلة الآتية: ماذا فعل حكام باكستان المتعاقبون في مجال وضع مخطط استراتيجي للتعاطي مع هذه الظاهرة الكونية المعروفة؟ ولماذا يتم بناء المدن الكبيرة ذات الكثافة السكانية العالية في مناطق منخفضة لتكون عرضة للفيضانات المدمرة والإبادة، مع أن مساحة باكستان تقارب ثمانمائة ألف كيلومتر مربع بتنوع جغرافي عريض؟ ألم تصلهم بعد تكنولوجيا بناء السدود المعروفة منذ آلاف السنين؟ ولماذا تستنفر الجيوش المجحفلة لقتل المسلمين وملاحقتهم، وتنشط أجهزة الاستخبارات لمعرفة أدق التفاصيل عن المطلوبين من المجاهدين والسياسيين المخلصين، وتفتح لهم الملفات، وتنفق على متابعاتهم المليارات، فتعرف مواقعهم بدقة، ويستخدم في قتلهم آخر ما توصلت إليه تكنولوجيا القصف والتدمير والإعدام؟ يُفعل ذلك كله للمحافظة على كرسي الحاكم العميل، وخدمة لسيده في البيت الأبيض، ولكن عندما يصل الأمر إلى مساعدة المنكوبين والمشردين، يقوم ناطق باسم الحكومة الباكستانية ويسخر من عقول المتظاهرين المحتجين على تقصيرها الفاضح، فيقول مدافعا عن ولي نعمته الأرذل: إن من غير المعقول أن ينزل زرداري إلى مناطق الفيضانات لينقذ المتضررين بنفسه واحدا واحدا! ولم يقطع زيارته للندن وينشط للحاق بأهله والوقوف معهم وهم في مواجهة الفياضانات الكارثية، كما يفعل الرؤساء الذين يحترمون أنفسهم، ويعملون لمصلحة شعوبهم، فلا عجب بعد ذلك أن يُضرب زرداري بالنعال في برمنغهام، وسيضربه المسلمون وزبانيته بما هو أشد من ذلك عندما تحين الفرصة المناسبة لخلعه وخلعهم قريبا بإذن الله.
أيها الناس: لما ضرب هاييتي زلزالها، شكلت غرف عمليات طوارئ عالمية لتقديم المساعدات العاجلة، واستخدمت أميركا أكثر من عشرة آلاف من قوات مشاة البحرية لنقل وتوزيع تلك المساعدات على المنكوبين، وتداعت الأمم لتقديم المساعدات المالية والعينية لهم، وكذلك فعلوا من قبل لما ضرب إعصار كاترينا سواحل أميركا، حتى قطر التي لا تكاد ترى بالعين المجردة على خارطة العالم قدمت مليار دولار للأميركيين المتضررين. أما باكستان فلا بواكي لهم إذ المنكوبون مسلمون، وكفى بها تهمة!!
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: على الرغم من الفيضانات المدمرة التي ضربت بلادهم، تصر العائلات الباكستانية في المناطق المنكوبة على أداء فريضة الصيام رغم صعوبة الحصول على لقمة العيش. ويكاد بعض الفقراء يصومون صوما متواصلا من شدة فاقتهم أو لعدم قدرتهم على الزحام للحصول على المساعدات. وقد بيع رغيف الخبز بخمسة وعشرين روبية بعد أن كان قبل الفيضانات بروبيتين، وبيع الماء بأضعاف أضعاف سعره في الأحوال الطبيعية، فما بالكم بأسعار باقي السلع الاستهلاكية؟ وغني عن البيان أن نقول إن معدل دخل الفرد الباكستاني اليومي لا يتجاوز بضعة دولارات، وأن الملايين منهم لا يملكون قوت يومهم، ومع ذلك فإن تكلفة الليلة الواحدة التي يقضيها رئيسهم زرداري في لندن قد وصلت إلى عشرة آلاف باوند استرليني، وهو ما يكفي لإطعام عشرة آلاف باكستاني وجبة دسمة مشبعة!
أيها الناس: يقول أحد المنكوبين في إحدى القرى المتضررة من الفيضانات وهو ينتقد غياب الحكومة ويثني على الجماعة الإسلامية التي جندتْ مناضليها لمؤازرة السكان: “نطلب من الحكومة أن تساعدنا وأن تمدنا بالأغذية، ونشكر الجماعة الإسلامية على تقديمها العون لنا، وسنرد خيرها في حال احتاجت لنا في يوم من الأيام، بل سنكون مستعدين لنضحي بحياتنا من أجلها”. في حين يشدد أحد المناضلين في الجماعة الإسلامية الباكستانية على أن غاية تجنُّدِ جماعته لمساعدة المنكوبين ليستْ سياسية وإنما خيرية. ويضيف المنكوب قائلا: “هل رأيتم هنا أحدا من المسؤولين في الحكومة؟ لا أحد منهم يوجد بيننا، لا يوجد غير إخواننا المسلمين لمساعدة الناس، وإن الفيضانات التي تجتاح باكستان تزيد يوميا في هشاشة الحكومة والرئيس عاصف زرداري الذي يتعرض لانتقادات واسعة لعدم قطعه جولته الأوربية من أجل مؤازرة المنكوبين. أجل، أيها المسلمون، لا يحنو بحق على المسلم إلا أخوه المسلم، روى البخاري عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة).
أيها الناس: لا يتجلى عون المسلمين لبعضهم في أبهى صوره إلا إذا كان الحاكم مسلما مثلهم، يغار على مصالحهم، ويفزع لمصابهم، ويهب لنجدتهم، ويجند الطاقات لإغاثة المنكوبين والملهوفين. دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان، فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل السلام عليك أيها الأمير، فقال السلام عليك أيها الأجير! فقالوا: قل أيها الأمير. فقال السلام عليك أيها الأجير! فقالوا: قل الأمير. فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول. فقال: إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت هنأت جرباها، وداويت مرضاها، وحبست أولاها على أخراها، وفّاك سيدها أجرها. وإن أنت لم تهنأ جرباها، ولم تداو مرضاها، ولم تحبس أولاها على أخراها، عاقبك سيدها.
أيها الناس: إن حكام المسلمين ليسوا من ذلك في شيء، وهم أبعد ما يكون عن رعاية شؤون المسلمين، وقد بلغنا من أخبار سوء صنيعهم في شعوبهم ما في كفاية وغناء عن المزيد، ما يكفي لاستنفار المسلمين للعمل الجاد الهادف لتغييرهم. فلنخلع زرداري وأمثاله، ولنقم الخلافة الثانة الراشدة على منهاج النبوة، ولنبيايع أمير المؤمنين خليفة المسلمين على السمع والطاعة للحكم بالكتاب والسنة. ولكم الله يا إخواننا الغارقين في الفيضانات، ونشكو إلى الله ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، يا مغيث أغثهم واكشف عنهم السوء.