الحمد لله القديم بلا غاية، والباقي بلا نهاية، الذي علا في دنوه، ودنا في علوه،سبحانه لا معقب لحكمه، ولا دافع لقضائه، تواضع كل شيء لعظمته، وذل كل شيء لسلطانه، ووسع كل شئ علماً، لا يعزب عنه مثقال حبة وهو السميع البصير، واشهد أن لا اله إلا الله وحده إلهاً تقدست أسماؤه عظمت آلاؤه، وعلا عن صفات كل مخلوق، يعصى فيحلم، ويدعى فيسمع، ويتقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، ويعلم ما تفعلون،
واشهد شهادة حق وقول صدق بإخلاص النية وصحة طوية أن محمداً بن عبد الله عبده ورسوله ونبيه وصفيه ابتعثه إلى خلقه بالبينة والهدى ودين الحق، فبلغ رسالته ونصح لأمته وجاهد في سبيل الله لا تأخذه في الحق لومة لائم وعبد الله حتى آتاه اليقين.
اسمعوا قول الحق جل في علاه: يقول الحق تبارك وتعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ }، وبعد أيها الناس: نكبةٌ يتبعها نكساتٌ، وصرخةٌ يتبعها آهاتٌ وأنّاتٌ، وحممٌ ناريةٌ يهوديةٌ يتبعها بين الإخوةِ منازعاتٌ واقتتالات.
بهذه الصورةِ القاتمةِ والمشاهدِ المُروعةِ والأحداثِ الداميةِ عاشَ المسلمون في فلسطينَ ذكرى النكبةِ من جديد، نكبةٌ ويا لها من نكبة، نكبةٌ وأيُّ نكبة.
نكبةٌ يومَ عُطّلَ الإسلامُ عن الحكمِ والتطبيقِ بهدمِ دولتِه.
نكبةٌ يومَ نُصِّبَ على خيرِ أمةٍ أراذلُ الناس.
نكبةٌ يومَ سقطتْ فلسطينُ تحتَ براثنِ الاحتلال.
نكبةٌ يومَ فقدتِ الأمةُ بَوْصلتَها فتوجهتْ إلى أعدائها لحلِّ مشاكِلها.
أيها الناس:
الحالُ يُغني عن المقال، والمصائبُ على أُمِّ رأسِنا في الليلِ والنهار، ولا داعي لشرحِ ما أصبحَ واضحاً للعَيان.
ولكن ما لم يُفهمْ حتى الآن جرأةُ المسلمينَ على بعضِهم، وهوانُهم على أنفسِهم، وشدةُ بأسِهم بينهم وكتابُ اللهِ وسنةُ رسولِه بين ظهرانِيهم.
فيا أيها المتناحرون: بالله عليكم لا تزيدوا همّنَا، ألا يكفي ما نحنُ فيه، أليس منكم رجلٌ رشيد؟
على أيِّ شيءٍ تقتتلون، وهل بقي شيءٌ تختصمونَ عليه، لم يبقَ في أيديِكم إلا الهواءُ الملوثُ بالوطنيةِ والقوميةِ وأفكارِ الكفرِ الغربية.
قُلناها لكم من قبلُ وشَهِدَ شاهدٌ من أهلِها الآن، ففي أَوجِّ الفتنةِ الدائرةِ في قطاعِ غزةَ وقفَ وزيرُ إعلامِ الحكومةِ الطينية ذليلاً كسيراً وقالها ملءَ شَدقيه:- (نحنُ حكومةٌ تحتَ الاحتلالِ، ولا سيادةَ لنا على الأرض) صحَ نومُك يا أيها الوزير.
إذن عن أيِّ حكومةٍ كنتم تتحدثون، ولأيِّ انتخاباتٍ كنتم تحشُدون، وعن أيِّ مناصبَ كنتم تتنافسون؟؟؟
إنها الضلالةُ العمياء والجهالةُ الجهلاء.
أيها المسلمون:
باللهِ عليكم لا تجعلوا الحِيلةَ تنطلي عليكم مرةً أخرى فالمؤمنُ لا يُلدغُ من جُحرٍ واحدٍ مرتين، فبعدَ كلِّ اقتتالٍ مُبرمَجٍ وافتعالٍ مُنظَمٍ وعندما تبلغُ القلوبُ من الناسِ الحناجرَ، يخرجُ علينا تجارُ الدماءِ وسماسرةُ الأشلاءِ باتفاقٍ مشؤومٍ وطعنةٍ نجلاء لجميعِ الأسرى والجرحى والشهداء.
عبادَ الله: أصبحتْ قواميسُ مصطلحاتِ الهزيمةِ كثيرة، وتراجمُ النكباتِ والنكَساتِ ضخمةٌ كبيرة، ومجلداتُ المصائبِ والويلاتِ عديدةٌ وفيرة،يطالعُها القريبُ والبعيدُ ويحفظُها الصغيرُ والكبير.
وبعونِ اللهِ وقدرتِه عندنا عزيمةٌ لا تلينُ وهمةٌ عاليةٌ لا تستكينُ بأنْ نَضرِبَ صفحاً عن كلِّ هذه المهازلِ التي ما كانت لتكونَ لو كان للمسلمين جماعةٌ وإمام ودولةٌ تحكمُ بالإسلام.
أيها المسلمون:
اجعلوا مع دعائكم للهِ بالنصرِ والاستخلافِ والتمكين شيئاً من القَطِران، فاللهُ يقول: {وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }.
أي لا يجوزُ لنا أن نطلبَ من اللهِ أن يُفّرجَ عنّا كربتَنا ونحنُ نقومُ بأقلِ القليلِ من التكاليفِ الشرعية، بل علينا أنْ نُشمّرَ عن ساعدِ الجِدِّ ونضعَ أيدينا بأيدي العاملين المخلصينَ الجادين والهادفين لإعزازِ هذا الدينِ وإقامةِ خلافةِ المسلمين الراشدةِ الثانيةِ على منهاج النبوة، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ.
{إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واعلِ بفضلك كلمتي الحق والدين واهلك الكفرة والمشركين،اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان،اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات وحب المساكين وان تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت فتنة قوم فتوفنا غير مفتونين، نسألك اللهم حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربنا إلى حبك.