(الخطبة الأولى)
أيها الناس: كان النعمان الأول من أشهر ملوك الحيرة. ولما أصبح لديه من الجنود والمال والسلاح ما لم يكن لغيره من الملوك، أحضر البنائين من بلاد الروم وفي مقدمتهم سنمّار الرومي المهندس المشهور، لكي يبني له قصر “الخورنق”. فبناه على مرتفع قريب من الحيرة، حيث تحيط به البساتين والرياض الخضراء. وكانت المياه تجري من الناحية العليا من النهر على شكل دائرة حول أرض القصر، ثم تعود إلى النهر من الناحية المنخفضة. وبعد أن أتم سنمار بناء القصر على أجمل صورة، صعد النعمان وحاشيته ومعهم سنمار إلى سطح القصر، فشاهد الملك مناظر العراق الخلابة وأعجبه البناء فقال: ما رأيت مثل هذا البناء قط، فقال سنمار: لكني أعلم موضع آجرة لو زالت لسقط القصر كله. فسأله الملك: أيعرفها أحد غيرك؟ قال لا، ولو عرفت أنكم توفونني وتصنعون بي ما أنا أهله، لبنيت بناءً يدور مع الشمس حيثما دارت. فقال الملك. لا يجوز أن يبقى حيّا من يعرف موضع هذه الآجرة، ومن يستطيع أن يبني أفضل من هذا القصر، ثم أمر بقذف سنمار من أعلى القصر فانكسرت عنقه فمات.
أيها الناس: لقد سقط النظام الطاغية في تونس ولم يتغير شيء في المشهد الجغرافي العربي والإسلامي، وإن كانت فاتحة خير لتغيرات سياسية واجتماعية كثيرة، وسقط بعده النظام الطاغوتي في مصر، ولم يتغير شيء في المشهد الجغرافي العربي والإسلامي، وإن كان سقوطه المدوي قد أحدث تغيرات سياسية واجتماعية كثيرة، وسقط بعد ذلك القذافي أكبر طاغية عرفه تاريخ البشرية في ليبيا وغيرها، ولكن المشهد الجغرافي العربي والإسلامي بقي على حاله قبل سقوط الطاغية، وبقيت الحدود والسدود، وإن جرت تعديلات تجميلية على الدساتير وشكل الحياة السياسية في ليبيا وجارتيها. ولا يتوقع أن نشاهد تغيرات جغرافية بعد سقوط طاغية اليمن، سواء أقر قانون الحصانة أم لا، فالمسألة لا تعدو كونها جراحات تجميلية دموية بالقدر الذي يحقق مصالح الغرب في مناطق العالم الإسلامي الهامة، كالساحل الشمالي للقارة الإفريقية أو قناة السويس أو مضيق باب المندب. فليست واحدة من تلك المناطق تمثل آجرة سنمار، ولا حتى بنغلاديش التي جرت فيها محاولة انقلاب على حكومة الشيخة حسينة. وبعبارة أخرى، ليست واحدة من تلك الدويلات التي انتفضت على حكامها أو غيرها من الدول، يعتبرها مهندسو السياسة الدعوية الإسلامية مفتاح التغيير الجغرافي المنشود.
أيها الناس: إن الدولة التي تعتبر آجرة سنمار في منظومة الدويلات التابعة للغرب وعلى رأسه أميركا في العالم الإسلامي هي سوريا الشام التي يحكمها العلويون البعثيون الذين يدينون بالولاء السياسي التام لأميركا. ولذلك ما زالت متمسكة ببقاء هذا النظام حتى هذه اللحظة، وتوفر له أسباب البقاء كلها، من دعم عملائها الإقليميين في لبنان والعراق وتركيا وإيران، إضافة للجامعة العربية، ودعم حلفائها الدوليين كروسيا والصين لعرقلة إتخاذ أي قرار في مجلس الأمن يدين جرائم النظام العميل لها بحق المسلمين في الشام. ولا ننسى دور المعارضة المشبوه في إيجاد قواسم مشتركة مع النظام عبر إجراءات إصلاحية تخديرية، مما يضفي عليه شرعية الوجود والعمر المديد. وفي خبر عاجل من منطقة البقاع في لبنان، تتحرك الآن قافلة كبيرة مكونة من خمسين سيارة وجيب تابعة لحزب الله وحركة أمل لتعبر الطريق العسكري المفتوح تجاه الاراضي السورية عبر نقطة حدود المصنع، ويتجمع عدد كبير من سيارات حزب البعث وحزب الله عند المدخل الشرقي في الهرمل تمهيدا لدخول سوريا. وكذلك بدأت الاستعانة بعناصر مدربة من جيش المهدي العراقي، وتضاعفت شحنات الاسلحة الايرانية لسوريا برا عن طريق تركيا وجوا عن طريق شركة آسمان للشحن الجوي الايرانية. وتترافق هذه المعلومات مع زيارة الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس لدمشق حيث عقد مع بشار الاسد اجتماعا مغلقا لمدة 4 ساعات، ورشحت أنباء مفادها أنه يتم الاعداد لعملية عسكرية كبرى ستبدأ من الزبداني وربما حمص وحماة لكسر شوكة الثورة السورية، وبعدها ستطرح ايران حلا سياسيا على القيادة السورية بتنحي بشار، وبدء عملية سياسية تحت اشراف ايراني مباشر. ومن طرف اخر تواردت أنباء تفيد بأن مطارات الحدود الشمالية للأردن قرب الحدود السورية قد وضعت في حالة تأهب قصوى بعد أن هبط فيها عدد من الطائرات الحربية العربية التي ترفرق فوقها أعلام قطر والامارات.
أيها الناس: لسائل أن يسأل: لماذا كل هذا الاستنفار العسكري في المنطقة؟ ولماذا كل هذا الدعم لنظام عدو لشعبه مبين، من دول تزعم أنها ديموقراطية، وتفزع من جرائم الحكام بحق الشعوب؟ ولماذا تحركت هذه القوى الدولية بسرعة فائقة لخلع أنظمة الطالبان وصدام والقذافي، وسكتت عن خلع بن علي ومبارك وساعدت في تنحي صالح عن رئاسة اليمن وسحب صلاحياته مع بقاء حصانته، ولم تتحرك بعد للإطاحة ببشار بن حافظ سليل الخيانة والإجرام والقتل؟ وهنا يأتي الجواب المختصر على تلك الأسئلة وهو: إن سوريا تعتبر آجرة النظام السياسي الأميركي في بلاد المسلمين، فإذا زالت وانهارت وسقطت زال البناء السياسي كله وانهار وسقط. ومثله لأميركا إذا سَقط لا يُعوض! فهو الذي مكنها من سيطرة إيران على العراق، وبقاؤه يعني بقاء النفوذ الأميركي في العراق قائما، ويحقق أهدافا عظيمة أخرى كإمساك الوضع في لبنان وغزة، وإبقاء عصا نصر الله مرفوعة فوق رأس اليهود، وسيف إيران مسلطا على رقاب دويلات الخليج، وبقاء القواعد الأميركية في بره وبحره وجوه، إضافة إلى بيع كميات هائلة من الأسلحة الأميركية لأنظمته الخائفة المرعوبة بأثمان باهظة من نفط المسلمين. فاللهم رد كيدهم إلى نحورهم، واجعل تدميرهم في تدبيرهم. وسيصدق فيهم قول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إن انهيار النظام الحاكم في سوريا يعني وصول الإسلام إلى سدة الحكم بشكل جدي وحازم لإقامة الخلافة، وليس كوصول الإسلاميين في تونس ومصر وليبيا إلى بعض مفاصل الحياة السياسية في تلك البلاد بشكل هزلي مسرحي. وإن انهيار النظام الحاكم في سوريا يعني لزوم انهيار النظامين الأردني واللبناني في وقت قصير لتضم أراضيهما إلى كيان الدولة الناشئة في دمشق، ولتتبعها العراق وباقي مناطق العالم الإسلامي. وإن انهيار النظام الحاكم في سوريا يعني بحكم الضرورة الجهادية فتح الجبهات الثلاث على فلسطين المحتلة في حرب تبدأ ولا تنتهي حتى يكتمل التغيير الجغرافي بتحرير فلسطين كاملة، والسيطرة على كامل الساحل الغربي لبلاد الشام، وإغلاق هذه البوابة التي كانت معبرا سهلا وواسعا لقوات الكفر ومصالحه إلى بلاد المسلمين عبر عقود طويلة خلت.
أيها الناس: إن المسلمين مصرون على نزع آجرة سنمار من الصرح الأميركي لينهار كله، وتقوم الخلافة على أنقاضه، وتعود للأمة إرادتها وكرامتها، وتنتهي حقبة الذل التي طالت، ولتبدأ حقبة العز والكرامة والنصر والسناء والرفعة والتمكين والسؤدد. فلله درك يا شام، يا عقر دار الإسلام، يا موضع عمود الكتاب ونوره الساطع، ولكم الله يا أهلها الصامدين الصابرين، وهنيئا لكم بإيمانكم في فتنتكم. عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بينما أنا نائم رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري، فعمد به إلى الشام، وإن الإيمان حين تقع الفتنة بالشام. أخرجه البيهقي في الدلائل بإسناد صحيح.
فاللهم بارك لنا في ثوراتنا كما باركت لنا في شامنا ويمننا، وعجل لنا بخلافتنا.