(الخطبة الأولى)
أيها الناس: في الذكرى الأولى للثورة المصرية التي أطاحت بالطاغوت، يختلط الفرح بالحزن لمّا بقي جهاز الحماية الذي مكن الطاغوت من رقاب الناس ردحا طويلا من الزمن. ويزداد الحزن شدة عندما نسمع تصريحات قادة الثائرين من الإسلاميين الذين ذاقوا الأمرين من الطاغوت يشيدون بأسوأ إنجازاته عبر سني حكمه العجاف،فقد قال نائب المرشد العام لجماعة الإخوان في مصر: “لقد أعلنا بشكل واضح أننا كمصريين سنلتزم بما التزمت به الحكومة المصرية” مشيرا إلى معاهدة السلام المصرية “الإسرائيلية”. كما أكد المتحدث باسم حزب النور السلفي المصري في مقابلة غير مسبوقة مع إذاعة الجيش “الإسرائيلي"، أن حزبه سيحترم اتفاقية السلام الموقعة مع “إسرائيل” عام 1979!! ولما اقتربت ساعة اختيار رئيس مدني لمصر، أعلنت جماعة الإخوان المسلمين رفضها المطلق دعم أي مرشح محسوب على التيار الإسلامي من داخل الجماعة أو خارجها، وقال مرشدها العام: «إن الجماعة ستدعم مرشحا توافقيا غير محسوب على تيار بعينه”!! ويشتد حزننا أكثر وأكثر عندما نكتشف ضعف الأداء السياسي لهذه الأحزاب الإسلامية وهي تتخذ النموذج السياسي الفلسطيني المهترئ قدوة لها لمّا قال مرشد إحداها: “ونفضل أن يكون رئيسنا شبيها بالرئيس الفلسطيني في معادلة السلطة الفلسطينية”!!
أيها الناس: لماذا يجتهد إخواننا في إرضاء أميركا وحلفائها من الكفار؟ ولماذا يجرون المحادثات في لقاءات مشبوهة مع رجالات أميركا وممثليهم؟ ولماذا يبرمون الاتفاقيات المحرمة مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة والولايات المتحدة الأميركية؟ ألأجل تطمينهم بأنهم لا يريدون الاستئثار بالسلطة، في مقابل السماح لهم بالتقدم في الحياة السياسية بهدوء، أم أن الأمر تنفيذ لاتفاقيات سابقة عقدت أثناء الثورة؟ وهل يظنون أن اليهود والنصارى سيرضون عنهم إذا ما أذعنوا لمطالبهم؟ وهل فجّر أهل مصر ثورتهم لأجل هذا؟ من حقنا على إخواننا أن نوجه لهم هذه الأسئلة وغيرها الكثير، ومن حقهم علينا في ديننا أن نخلص لهم النصيحة، حتى لا يجرفهم تيار الكفر والعلمانية فيقذفهم في أوديته السحيقة. فنقول لهم أولا، إن الولايات المتحدة الأميركية – وعلى لسان مسؤول كبير في خارجيتها – ترى في مصر بداية لانتقال ديمقراطي وبرلماني جديد يحظى فيه الإخوان المسلمون بمقاعد الأغلبية، وتريد أميركا أن تكثف الحوار حاليا، على أمل أن تجد مصالح مشتركة، وأن تعمل الأحزاب الإسلامية بشكل يسير باتجاه الديمقراطية. وهناك قرار من الكونغرس يربط المساعدات العسكرية لمصر بالتحول الديمقراطي، ومطالبات برفع حظر السفر فورا عن ناشطين أميركيين كانت القاهرة قد أعلنت منعهما من السفر. يعنى لا مال ولا مساعدات إلا بثمن تقدمونه على حساب دينكم. فاطلبوا العون من الله، فما خاب من أقبل عليه ورجاه. ونلفت أنظار إخواننا المسلمين ثانيا إلى مسائل جوهرية في صراع الإسلام مع الكفر، بيّنها لنا ربنا عز وجل في قوله {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}.
يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله في شرحه لهذه الآية: (يجب أن نستعيذ بالله من أن نصنع تصرفا يرضي عنا اليهود أو النصارى، لأن ذلك يعني أننا تبعنا ملتهم. وهناك فرق بين الرضا والتعايش، فالتعايش يقتضيك أن تتحمل فعل قالب ولكن لا بحب قلب، وأما الرضا أن تقبل فعل القالب بحب القلب. ولذلك كان عهده صلى الله عليه وسلم مع اليهود تعايشا فقط، وليس رضا منه عن اليهود، أو رضا من اليهود عنه، لأنه ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل فعلا ترضى عنه اليهود. فإن رضيت اليهود أو النصارى عن واحد، فليحكم بأنه فارق ملة الله). فيا أيها الإسلاميون: اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، اتقوا الله وابتغوا مرضاته، اتقوا الله واعلموا أن الإسلام الذي أعز أهل مصر يحرم على المسلمين الرضا باتفاقية الخيانة التي أقرت اغتصاب فلسطين، وإن الإلتزام بها لا يعني سوى سيركم على خطى الطواغيت الهالكين، وهذا لا يرضاه الله لكم ولا رسوله ولا المؤمنون. واعلموا أن ثورات المسلمين حقيقية ومباركة، كسرت حاجز الخوف، وقدمت تضحيات عظيمة في سبيل إنجاحها، فلا تلتفوا عليها وتجهضوا إنجازاتها. وكونوا على يقين بأن هذه الثورات لن تتوقف إلا عند إيجاد نظام حقيقي يرضي الله ورسوله، نظام الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهامج النبوة. فهو وعد الله عز وجل للأمة بالاستخلاف والتمكين والأمن، وبشرى الرسول صلى الله عليه وسلم لها بالخلافة على منهاج النبوة.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: لقد أدرك الشعب أنه قد خُدع؛ فبعد عام على ثورته المباركة ها هو يرى أن النظام لم يسقط بعد، وإن سقط رأسه، وبرغم أن أمريكا قد تخلت عن عميلها الساقط، إلا أنها قد استبدلت به عملاء آخرين جدد، وستتخلى عنهم إذا لم يستطيعوا المحافظة على مصالحها ومصالح حلفائها، كما تخلت عن أسلافهم الهالكين. ولكن الشعب الذي أسقط عملاء أمريكا الأولين قادر على أن يسقط عملاء أمريكا الآخرين. فالأمة واعية لما يحاك ضدها من محاولة الالتفاف على الثورة بجعل المجلس العسكري وصيّاً على الدولة وعلى الدستور القادم، وستقف بالمرصاد لكل من يساعد في التمكين لأمريكا وعملائها في مصر. كما أن محاولة بعض من اختارتهم الأمة لينوبوا عنها في تطبيق الإسلام، طمأنة المجلس العسكري بشتى الطرق والارتماء في حضنه طالما يخضع بالولاء لأمريكا وليس لله، ما هو إلا انتحار سياسي، والواجب عليهم أن يتحلوا بالشجاعة الكافية، فيعلنوا بكل وضوح إصرارهم على تطبيق الإسلام، والانحياز لخيار الشعب المطالب بتطبيق الإسلام.
أيها الناس: إن ثورات الشعوب المباركة اليوم تعتبر فرصة ذهبية لإيصال الإسلام الذي يريده رب العالمين إلى الحكم، ليخرج الناس من ظلم النظام الرأسمالي الذي اكتوى العالم بأسره بنار ظلمه، إلى عدل الإسلام ونوره، لاستئناف الحياة الإسلامية التي يعيش في ظلها المسلمون وغير المسلمين عيشا كريما. وإننا ندعو أهلنا في مصر وسوريا واليمن وليبيا وتونس وغيرها من بلاد المسلمين أن يرفعوا شعار “الشعب يريد خلافة إسلامية"، فبها وحدها عزتهم، وبها وحدها النجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وأن ينبذوا ما سوقته لهم أمريكا من ديمقراطية منحطة، وعلمانية زائفة، وقومية عفنة، ووطنية منتنة أزكمت روائحها الأنوف. وأما أنتم معشر المسلمين، فادعو الله أن يجعلكم من العاملين لإقامتها، ومن ثم شهودها وجنودها.