(الخطبة الأولى)
أيها الناس: خرج أنصار الحكومة اللبنانية في حالة من الابتهاج والسعادة إلى الشوارع بعد قرار ما يسمى بمجلس الأمن بانشاء ما يسمى بالمحكمة الدولية لمحاكمة المشتبه في تورطهم في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق واثنين وعشرين آخرين إثر انفجار في بيروت قبل نحو عامين. ويأمل اللبنانيون أن يؤدي قرار إنشاء المحكمة تلك، والتي يسمونها “أعلى سلطة شرعية في العالم"، إلى إنهاء تاريخ طويل من الاغتيالات السياسية التي وقعت دون عقاب للجناة.
أيها الناس: إن الاغتيالات السياسية وغيرها من جرائم القتل تعتبر سُنّةً ماضية في بني البشر منذ أن أُهبط آدمُ عليه السلام إلى الأرض، وتوعده إبليس أن يحتنك ذريته، (واحتنكه استولى عليه، ومنه في سورة بني اسرائيل {لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهَ إَلا قَلِيلاً}، قال الفرُّاء: يريد لأَسْتَوْلِيَنَّ عليهم، وقال البيضاويُّ: لأستأصلنَّهم بالإغواء، واحتنك فلاناً: أخذ ماله كله، واحتنك الجرادُ الأرضَ: أكل ما عليها وأتى على نباتها). ولسنا اليوم بصدد تعداد الجرائم السياسية التي حصلت في التاريخ القديم أو الجديد، ولكنه راعَنا وأفزعنا أن تكون مرجعية المسلمين العليا، وأملُهم المرجّى لإحقاق الحق حيال تلك الجرائم هي الأممَ المتحدة ومجلسَ أمنها ومحكمَتها الدولية. فهذا عدوان سافر على المرجعية الإسلامية المحصورة بالكتاب والسنة وما أرشدا إليه من أدلة شرعية كإجماع الصحابة والقياس. وراعنا وأفزعنا هذا الفساد في المزاج العام لدى المسلمين كونهم يبتهجون إذا وسِّد الأمر إلى الأمم المتحدة لتعالج قضاياهم، ومن قبل ما طالب كثير منهم بالحماية الدولية، وإرسال قوات دولية لتكون لها الكلمة الأولى في بلادهم. وراعنا وأفزعنا هذه التبعيةُ المطلقةُ لدول الكفر من قِبَلِ حكامنا وقادتنا وزعمائنا الذين رهنوا مصيرَ أمتِهم وشعوبِها في يد أولئك المستكبرين في الأرض كأميركا وأشياعِها. وراعنا وأفزعنا هذا الإستلابُ لعقول أبنائنا الذي فقدوا كل انتماء لدينهم وأمتهم، ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف، وقبلوا بتقسيم بلاد المسلمين، وأودعوا قضاياهم في أيدي الغزاة الطامعين. وراعنا وأفزعنا هذا السكوتُ المطبق من قوات جيوش المسلمين شديدة التسليح وكثيرة العدد، وسلخُ عشرات الملايين من خيرة أبناء المسلمين وأقواهم عن أمتهم، وحرمانهم من أن تكون لهم أدنى كلمةٍ في واقعها المتردي. وراعنا وأفزعنا هذا التواطؤ اللئيم من قبل عامة علماء المسلمين الذين لا يرون غضاضة في إدانة أعمال بسيطة لا يرضى عنها أولياء نعمتهم من الحكام، ويسارعون إلى شحذ ألسنتهم وتصدُّرِ شاشات الفضائيات شجباً واستنكاراً، وإيرادِ الأدلة الشرعية المستفيضة خدمةً لآراء أسيادهم، كي يوقعوا في رُوع الناس أن ذلك العمل شنيع مستنكر، ويزري بصاحبه، ويورده المهالك، ويرديه في نار جهنم وما شاكل ذلك من ألفاظ التخويف والإرهاب باسم الإسلام، وراعنا وأفزعنا أن ألسنة هؤلاء العلماء تخرس وتنعقد ولا تنطلق من عقالها عندما يصل الأمر إلى المطالبة بتحكيم شرع الله في أرض الله أو إنكار منكر من منكرات هؤلاء الحكام الكثيرة! عجباً لهم، كيف يستخدمون عصا الشريعة الإسلامية يضربون بها وجوه الناس وأدبارهم تحقيقاً لرضا حكامهم، ولا يستخدمونها في مرضاة ربهم؟ أهم من الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض؟ أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا، أما يخافون أن يحيف اللهُ عليهم ورسولُه؟ أحقاً هؤلاء هم أئمة الناس؟
أيها الناس: ليس الأمر مقتصراً على لجوء اللبنانيين إلى المحكمة الدولية، ولكن البلاءَ عامٌ، والوباءَ منتشرٌ في أوساط المسلمين من أولهم إلى آخرهم، فجرائم البوسنة والهرسك وكوسوفا في يد المحكمة الدولية، وإقليم دارفور قد أصبح في أيدي القوات الدولية، وفلسطين واحتلالاتها وجرائمُها في أيدي مجلس الأمن والجمعية العامة للإمم المتحدة وهيئة الرقابة الدولية، بل إن طعامهم يمر عبر وكالات الغوث التابعة لتلك المنظمات الخبيثة، والخلافات المغربية الموريتانية على الصحراء الغربية في يد الأمم المتحدة، ومياه المسلمين في البحار والأنهار خاضعة لسيادة القانون الدولي، ولو أحصينا أعداد ممثلينا في الأمم المتحدة ومنظماتها لوجدناها أرقاماً مذهلة، فضلاً عن مشاركة بعض قوات جيوشنا المسلحة في القتال مع ذوي القبعات الزرقاء!
أيها الناس: في هذا السياق أوقفت الشرطة الصربية والبوسنية مسؤول الشبكة التي ساعدت الجنرال الصربي ملاديتش على الهروب. وقال الوزير الصربي المكلف بالعلاقات مع محكمة جرائم الحرب الخاصة بيوغسلافيا السابقة إن الجنرال توليمير أوقف بعد عملية مطاردة دامت ساعتين، وإنهم بصدد نقله إلى لاهاي. وقال: إنه “لن يكون بإمكان شخص تلاحقه لاهاي أن ينام قرير العين” ونصح الفارين بالاستسلام. ويواجه توليمير إلى جانب ملاديتش وكراديتش تهم المشاركة في مذبحة سربرنيتشا عام 1995 التي قتل فيها ثمانية آلاف مسلم بعد أن صرح الجنرال المسئول عنها في ذلك الوقت بأنه قرر أن يهب المدينة للجيش الصربي في ذكرى فتح البلقان من قبل جيوش الدولة العثمانية!
أيها الناس: ثمانية آلاف مسلم يذبحون في سربرنيتشا كالنعاج والملجأ إلى الأمم المتحدة، ومليونا شخص أو يزيد قتلوا في العراق والملجأ إلى الأمم المتحدة، ومئات الآلاف ذبحوا في فلسطين والملجأ إلى الأمم المتحدة واحتلال أفغانستان والعراق وفلسطين ما تم إلا بمباركة الأمم المتحدة وقرارات مجلس أمنها لرغبات دول العالم الأقوى، مئات الآلاف قضوا في فتنة دارفور والملجأ إلى ما يسمى بالشرعية الدولية، وملايين المسلمين يقتلعون من بيوتهم ويهيمون على وجوههم، والأمل عند القوم معقودٌ أن تعيدهم الأمم المتحدة إلى مدنهم وقراهم. وعدما تدخل الفتنة إلى مخيماتهم البائسة، ويُقتلع المُقتَلعون أصلاً من أماكن هجرتهم الأولى، فلا بواكي لهم ونراهم يلوذون بالأمم المتحدة كي تعيدهم إلى مكان بؤسهم الأول، يسيرون على رأي المثل القائل “تمسك بمنحوسك كي لا يأتيك أنحس”!
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إن الكلام في هذا الباب كثير وكثير جداً، ولن نستطيع في عجالة من الوقت أن نصف حالنا بعد عقود طويلة من الاحتكام لشريعة الغاب التي يطلق عليها شريعة الأمم المتحدة، وقد آن الأوان لنا أن نتعرف على مرجعيتنا كمسلمين، وأنه لا يجوز شرعاً تقديم أي حكم أو قول على حكم الله ورسوله وأقوال الشريعة الإسلامية. قال تعالى {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
قال الدكتور سفر الحوالي: (إن ذلك يشمل أيضاً ترك التعصب المذموم المقيت لآراء الرجال، والتأدب مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومع سنته، وألا يُقدّمَ بين يدي الله ورسوله كلامُ أحدٍ كائناً من كان، وإن كان صحابياً جليلاً أو إماماً متبوعاً أو عالماً مجتهداً، فالتقديم والاعتماد والاستدلال إنما يكون أولاً من كلام الله ثم كلام رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم ما وافقهما، وإذا كانت المسألة موضع اجتهاد وتنازع فقد أُمِرْنَا أن نرد النزاع إلى الله وإلى الرسول فيما وقع فيه التنازع، ثم يجتهد كلٌ منا في تحقيق ما أمر الله، وما حكم به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبعد ذلك لا مانع من أن تختلف الاجتهادات).
أيها الناس: ولقد آن الأوان أيضاً أن نبين الأحكام الشرعية المتعلقة بالقتلة والمجرمين. قال تعالى {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. قَالَ الإمام مَالِك فِي الَّذِي يَغْتَالُ الرَّجُلَ فَيَخْدَعَهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ بَيْتًا فَيَقْتُلَهُ وَيَأْخُذَ مَا مَعَهُ: إِنَّ هَذِهِ مُحَارَبَة، وَدَمه إِلَى السُّلْطَان لَا إِلَى وَلِيّ الْمَقْتُول وَلَا اِعْتِبَار بِعَفْوِهِ عَنْهُ فِي إِسْقَاط الْقَتْل!
أيها الناس: إن المحكمة الدولية واحدة من مؤسسات منظمة الأمم المتحدة الكافرة، وهي مسؤولة عن الجرائم التي ترتكب بحق المسلمين في كل آونة وحين، ونحن لا نقر لها بأي صلاحية أو اختصاص للنظر في قضايانا، بل إننا نتطلع إلى اليوم الذي نحاكم فيه محكمة العدل الدولية وكافة الجهات التي تقف خلفها عندما تقوم دولة الخلافة الإسلامية قريباً بإذن الله. ولن نسامحهم على جرائمهم التي ارتكبوها بحق الإسلام والمسلمين، وسنوصي أميرَ المؤمنين وقتئذ بتشديد العقوبة عليهم وتغليظِها بشكل زائد بسبب ازدواجية معاييرهم والكيل بمكيالين. فإذا كان الكيل لهم استوفوا ووزنوا وأرجحوا، وإن كان الكيل لنا أجحفوا وطففوا وأخسروا الميزان. فكم من قرار أصدروا ضد إسرائيل؟ فهل نُفذ منها شيء؟ وكم من قرار أصدروه ضد أميركا وروسيا والصين وفرنسا وغيرها من دول الكفر بقيت حبراً على ورق؟!
أيها الناس: ثوبوا إلى رشدكم ولا تتبعوا كل ناعق، وأجمعوا أمركم على إقامة دولتكم دولة الخلافة الاسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، فذلكم والله هو جُماع الخير سداد الرأي. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.