(الخطبة الأولى)
أيها الناس: يزخر تاريخنا الإسلامي بأحداث ومواقف بارزة تشهد على قوة الدولة الإسلامية، ونظرتها العالمية في الهداية والرعاية. فمن هذه المواقف في المشرق، موقف قتيبة بن مسلم رحمة الله عليه، وكان من القادة الذين فتحوا بلاد ما وراء النهر، وتشمل الآن مناطق كثيرة من بلاد أفغانستان وجزءاً من روسيا، فسأل جنوده: أي بلد أمامي الآن؟ قالوا: بلاد الصين، قال: والله لا أرجع إلى بلدي حتى أطأ بأقدامي هذه أرض الصين، وأضع وسم المسلمين على الصينيين، وآخذ الجزية! (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)، فبلغ الخبر إلى ملك الصين، فأرسل تراباً وصحافاً من ذهب وأموالاً طائلة إلى قتيبة، وقال: هذه صحاف من الذهب فيها تربة يطؤها قتيبة وهو في مكانه، وهؤلاء أولادي الأربعة يضع عليهم الوسم، وهذه هي الجزية كل سنة تصل إلى قتيبة، ولا يأتي إلى بلادنا. ومن هذه المواقف في المغرب، هذا عقبة بن نافع يسابق الشمس على مطالعها، ويفتح بلاد الله وينشر فيها الإسلام، يقول المؤرخون: لما وصل إلى القيروان، كانت غابة موحشة، وكان كل الفاتحين يرجعون دونها في تونس، فأراد أن يبني مدينة القيروان لتكون مركزاً للعالم الإسلامي في شمال إفريقيا، قيل له: أيها القائد يرحمك الله! هذه أرض يعجز عنها كل الفاتحين، فهي غابات موحشة مأسدة مخيفة، فوقف على حافة الغابة بإيمانه يخاطب الوحوش قائلاً: أيتها الوحوش! نحن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم جئنا لننشر الإسلام هنا، يقول شاهد عيان: والله لقد رأينا الوحوش تحمل أولادها وتخلي الغابة لـعقبة بن نافع! وبعد أن بنى مدينة القيروان واصل سيره ليقف بقدمي فرسه على المحيط الأطلسي ويقول: والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أن وراء هذا الماء أحداً من البشر لخضته إليه بفرسي هذه! ولم يكن يعلم أن وراءه أميركا بشمالها وجنوبها ووسطها، وإلا لما تركها لبوش وزمرته!
أيها الناس: إن الداعي لاستذكار هذه المواقف المشرفة التي تزخر بالعظمة وقوة العقيدة وشدة الالتزام بالأحكام الشرعية، أني قرأت خبراً مفاده أن غواصتين روسيتين تمكنتا من وضع علم روسي معدني على عمق 4261 متراً بواسطة الغواصة “مير-1"، في قاع القطب المتجمد الشمالي، في محاولة لتثبيت ملكية موسكو لما يقرب من مليون كيلومتر مربع من منطقة مترامية الأطراف غنية بالنفط والغاز. وأصبح العلم الذي نصبه هؤلاء العلماء بقاع القطب الشمالي يقابل علماً أميركياً لا يزال يرفرف على القطب الجنوبي في قاعدة لهم تقع على ارتفاع ألفي متر.
أيها الناس: بعيداً عن مهاترات السياسة اليوم، وبعيداً عن أشباه السياسيين الذين يتكلمون في شؤون المسلمين من المرتشين أصحاب الأيدي السفلى، والأفكار الدنيا، والمواقف المخزية، وبعيداً عن حالة الاستنفار التي حصلت في مطار القاهرة عندما هبطت عليهم امرأة لبنانية ساقطة، وقد انتهت صلاحية تأشيرتها لدخول أرض الكنانة، وطبقاً لقوانينهم يجب أن تبقى في المطار حتى ترجعها أول طائرة مغادرة إلى حيث ألقت! ولكن نخوة ضباط المطار وحرصهم على رفاهية الشعب الذي ينتظر التمتع بقوامها الممشوق قد ذلل كافة الصعاب، ودخلت (الفنانة) معززة مكرمة تشيعها القلوب قبل الأكف والعيون إلى مستقرها ومستودعها ومواخيرها. وأما العالقون على معبر رفح منذ أكثر من شهرين فلا بواكي لهم، وقد نفد مخزون النخوة والشهامة عند رفح، فكيف نقول: لبيك يا أقصى! فلا نامت أعين الجبناء. أقول، بعيداً عن كل ذلك وأشباهه وما أكثر أشباهه!! أذكركم بأننا على أبواب الذكرى السابعة والثمانين لهدم دولة الخلافة الإسلامية التي أنتجت قادة أمثال قتيبة بن مسلم وعقبة بن نافع، الذين غرزوا علم الدولة الإسلامية وراية العقاب في أرض المشرق وبحر المغرب. وبعد هدمها وجد فينا أشباه الرجال من القادة والحكام يغرزون رايات الكفر والعهر في أستاه الغواني والساقطات. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: في هذه الذكرى، ورغم الآلام والجراح، فإننا نعمل جاهدين لإقامة خلافتنا مهما كلف الأمر وعظم الثمن، وإننا على ثقة بوعد الله عز وجل، وبشرى رسوله صلى الله عليه وسلم لنا بالاستخلاف والتمكين والأمن، لتعود الأمة الإسلامية إلى سابق عهدها، تحمل مشاعل الخير إلى العالم أجمع، وتشدخ نافوخ الكفر حيثما وجد. ولن يكون لأحد من قادة المسلمين الفاتحين يومئذ عذر إن جهل شيئاً من جغرافية العالم، فالأسرار الجغرافية التي كانت خافية على عقبة قد كشفت، ومخاطر ركوب البحر التي منعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه من خوضه قد زالت، بل إن بلاد العالم كله اليوم براً وبحراً وجواً قد أصبحت سالكة طرقها، وميسوراً وصولها، ومهيأة شعوبها لاستقبال الفاتحين الجدد، دعاة الخير المسلمين، ليحلوا محل المحافظين الجدد، دعاة الشر المجرمين. قال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون}. وروى مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه وأحمد عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها..."، وروى ابن حبان في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ليبلغن هذا الأمر - يعني الإسلام - ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل دليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر”. وروى أحمد والبزار - الطبراني ببعضه - عن النعمان بن بشير عن حذيفة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا (الملك العاض أو العضوض: هو الذي يصيب الرعية فيه عسف وتجاوز، كأنما له أسنان تعضهم عضًا)، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكًا جبرية (ملك الجبرية: هو الذي يقوم على التجبر والطغيان)، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة"، ويومئذ يفرح المؤمنون، بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم.
أيها الناس: لقد آن لكم والله أن تعملوا مع العاملين لإقامة خلافتكم، وكفانا ذلاً وهواناً، فالأيام تمضي سراعاً، تخلف وراءها في كل يوم مصيبة هي أعظم من أختها، فالله الله في دينكم، والله الله في أمتكم، هبوا لنصرتها، وثقوا بوعد الله، وانتفضوا انتفاضة إسلامية حقيقية، لا شرقية ولا غربية، لا وطنية ولا قومية، لا مصلحية ولا نفعية، لا غزية ولا ضفاوية، لا عراقية ولا سورية ولا لبنانية، فكلها رايات عمية، ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الإسلام حيث دار.
فاللهم اجعلنا من جنود الإسلام وحملة دعوته، ومن العاملين المخلصين لإقامة دولته، اللهم أقر عيوننا بقيامها، واقبضنا إليك بعدها غير مفتونين يا أرحم الراحمين.