الخطبة الأولى
الحمد لله.. من راهن على أمر عدوه في حاضره ومستقبله فقد خسر خسرانا مبينا..
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. بين وأنذر موجبات الإضلال بعد الهداية..والنكوص على الأعقاب بعد الإقدام..
( وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115)(التوبة).
وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله.. غضب صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم.. من عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. لما جاءه بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب.. فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم.. فغضب وقال: (أمتهوكون فيها يا بن الخطاب..) والتهوك: الوقوع في الأمر بغير روية.. وهو التحير أيضاً: (أمتهوكون فيها يا بن الخطاب، والذي نفسي بيده! لقد جئتكم بها بيضاء نقية.. لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده! لو أن موسى -صلى الله عليه وسلم- كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني). رواه الإمام أحمد وحسنه الألباني.
أما بعد أيها الناس:
أوصيكم ونفسي بما وصى الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.. تقوى الله.. فقال له { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (1)(الأحزاب).
أيها الناس:
ما من عمل يقوم به المرء إلا ويسبقه قرار.. فهو يؤمن بقرار ويكفر بقرار.. ويحارب بقرار ويسالم بقرار.. ويتجه يميناً أو يساراً بقرار.. ويصلي بقرار ويصوم بقرار.. ويأكل ويشرب ويسافر ويقرأ ويخلد للنوم ويمشي ويجلس وخلاف ذلك من أعمال.. لا تحصى ولا تعد.. تتم كلها بقرارات تتخذ – ولو بالحد الأدنى من التفكير والتدبير -,.. وهكذا تسير أمور الحياة عند بني البشر..مسلمين وغير مسلمين.
إلا أن الاختلاف بين المسلمين وغيرهم.. أن المسلمين يقومون بأعمالهم.. ويتخذون قراراتهم وفق شريعة غراء.. نزلت من فوق سبع سماوات.. ارتضاها الله للبشرية ديناً ونظام حياة.. وتلك قرارات الهدى.
وأما غير المسلمين فيسيرون وفق آراء وأفكار وأحكام من إنتاج عقولهم.. أو تبعاً لأهوائهم وشهواتهم.. وتلك قرارات الضلال.
وقد بين القرآن الكريم هذا الفرق بوضوح وصراحة في قوله تعالى {أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمّن يمشي سوياً على صراط مستقيم}. قال القرطبي: قيل يا رسول الله كيف يمشون في النار على وجوههم؟ قال: الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم… وقال النسفي: ثم ضرب مثلاً للكافرين والمؤمنين فقال: أفمن يمشي مكباً على وجهه.. أي ساقطاً على وجهه يعثر كل ساعة.. ويمشي معتسفاً.. خيرٌ وأهدى وأرشد من الذي يمشي سوياً مستوياً منتصباً سالماً من العثور والخرور؟ وعن الكلبي: عنى بالمُكب أبا جهل، وبالسوي النبيَّ عليه السلام.
أيها الناس:
إن الذي يسير على شريعة الإسلام يمشي سوياً على صراط مستقيم.. والذي يتبع غيرها من الرأسمالية والاشتراكية والوطنية والقومية والنفعية فإنه يمشي مكباً على وجهه.. والمفاصلة بين المسارين بدأت منذ البعثة المحمدية بالشريعة الإسلامية الغراء.. فمن آمن واتبع النبي الأمي فقد اهتدى… ومن كفر واتبع أبا جهل وزمرته فقد ضل وغوى… وقد ترسخت تلك المفاصلة عندما بدأ الصراع بين الفريقين في مكة وما حولها.. وتجلى المكر من الملأ الذين استكبروا من طواغيت مكة حتى بلغ الحال بهم أن قرروا اعتقالَ أو قتل أو إخراج النبي صلى الله عليه وسلم، {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}… ولما اشتد الصراع وبلغ ذروته.. جاء الأمر من الله بنصر المؤمنين.. فعُقدت بيعة العقبة الثانية.. فكانت بيعة الخير.. بيعة الحرب والقتال.. رضي الله عن رجالها ونسائها.. وصدر قرار الهجرة إلى المدينة المنورة.. على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.. وقامت الدولة الإسلامية الأولى.. نبتةُ الخير وزهرة الدنيا.. وحاملة مشعل النور والهداية إلى البشرية جمعاء..وقد ثبتها الله جلت قدرته.. وحقق للقائمين عليها النصرَ يتلوه النصر.. والغنيمةَ تتلوها الغنيمة.. والتمكينَ يتلوه التمكين.. والفتحَ يتبعه الفتح.. والأمنَ الذي لا ينبغي لدولة غير دولة الإسلام التي يسير فيها الراكب من صنعاء إلى حضرموت.. لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه… بل إن الإمعان في تحقق الأمن قد أفرز صوراً عجيبةً حقاً، فقد جاء في تاريخ الخلفاء للسيوطي ما نصه: “وقال حسن القصاب: رأيت الذئاب ترعى مع الغنم بالبادية في خلافة عمر بن عبد العزيز… فقلت: سبحان الله..! ذئب في غنم لا يضرها.. فقال الراعي: إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس”. وقال مالك بن دينار: “لما ولي عمر بن عبد العزيز قالت رعاء الشاء: من هذا الصالح الذي قام على الناس خليفة؟ عدلُه كفَّ الذئاب عن شائنا”.. وقال موسى بن أعين: “كنا نرعى الشاء بكرمان في خلافة عمر بن عبد العزيز، فكانت الشاة والذئب ترعى في مكان واحد..فبينا نحن ذات ليلة إذ عرض الذئب للشاة فقلت: ما نرى الرجل الصالح إلا قد هلك، فحسبوه فوجدوه مات تلك الليلة”.
أيها الناس:
أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم؟ سؤال رباني.. وقانون إلهي.. يعمل في كل الناس وفي جميع الأزمنة.. قديماً وحديثاً.. فكما أن طاغية الأمس أبا جهل وأضرابَه كانوا هم الذين يمشون مكبين على وجوههم.. فإن طاغية اليوم بوش وأضرابَه وجميعَ حكام المسلمين وزبانيتهم يمشون مكبين على وجوههم… وكما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابَه الذين عملوا لظهور الإسلام بالأمس كانوا هم الذين يمشون سوياً على صراط مستقيم.. فإن العاملين المخلصين لإعزاز دين الإسلام اليوم هم الذين يمشون سوياً على صراط مستقيم… وعليه فإن كل المسلمين الذين يسيرون في ركاب أمريكا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي والشرعية الدولية والرباعية وروسيا وإسرائيل وغيرهم من طواغيت هذا الزمان.. فإنهم لا يمشون سوياً على صراط مستقيم.. ولست أبالغ إن قلت إن المسلمين اليوم قد انقسموا إلى فريقين.. فريق ناصبوا نحورهم في سبيل الله.. وفريق عمالٌ لغير الله.. فقد دخل الصراع مع الكفار منعطفَ المفاصلة… بهذا الوضوح ينبغي لنا أن نفهم الموقف اليوم.. أنه مفاصلة..
فما الذي يُقعدك أيها المسلم عن السير مع السائرين لرفعة الإسلام والمسلمين.. وأنت ترى كيف أن الكفر قد رمانا عن قوس واحدة؟ وبأي عذر ستعتذر عند الله عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ فإن كنت لا تعلم فواجبك التعلم.. وإن كنت لا تعرف فعليك أن تعرف.. وإن كنت تخافُ غيرَ الله فعليك ألا تخافَ إلا الله.. وإن كنت لا تسمع أخبار المسلمين فاسمعها يرحمك الله! أخرج ابن عساكر في تاريخه عن رجل من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ليت شعري، كيف أمتي بعدي حين تتبختر رجالهم، وتمرح نسائهم، وليت شعري كيف يكون حالهم حين يصيرون صنفين، صنفاً ناصبي نحورهم في سبيل الله، وصنفاً عمالاً لغير الله”.
أيها الناس:
من منكم يرضى أن يكون عاملاً لغير الله؟ من منكم يرضى أن يمشيَ مكباً على وجهه؟ من منكم يرضى أن يسير في ركاب الطواغيت بعد هذا البيان؟ إعلموا رحمكم الله، أن هذه الأوصاف المشينة تنطبق على الكثير من أبناء المسلمين في فلسطين.. والذين يسيرون في ركاب الحلول السلمية تحت شعارات الهدنة مع الأعداء.. أو الحوار الداخلي أو الخارجي.. أو خارطة الطريق.. أو المبادرة العربية..أو الرباعية الدولية أو العربية.. أو غير ذلك من المتاهات السياسية.. وتنطبق هذه الأوصاف المشينة على المسلمين خارج فلسطين الذين يسيرون في ركاب مفرقة الدول العربية وليست جامعة العربية.. أو منظمة التآمر على الإسلام.. أو مجالس التهاون الخليجية ...أو غيرها من منظمات الكفر ..كمنظمة الأمم المتحدة الكافرة ومجلس همها اللعين.. فكل أولئك يمشون مكبين على وجوههم صماً وعمياناً… وتنطبق هذه الأوصاف المشينة على معظم المسلمين الذين يقفون كشواهد القبور.. لا في العير ولا في النفير.. مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.. يتبعون كل ناعق.. إمّعات يقولون إن أحسن الناس أحسنّا.. وإن أساؤوا أسأنا…
كلا… بل كونوا عباد الله كما أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم.. إن أحسن الناس أحسنوا وإن أساؤوا فاجتنبوا إساءتهم.... روى الترمذي عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا فلا تظلموا”. قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، ءآلله خير أما يشركون؟ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده المرتجى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المجتبى، وبعد أيها الناس:
إن موقف الإمعة يجعل صاحبه ألعوبة في أيدي المراهنين والمزايدين… وإن موقف الإمعة يُفقد الإنسان الاستقلالية في اتخاذ قراراته… ويجعله مطية سهلة للمخططات والمؤامرات… وجسراً يعبر منه صناع السياسة إلى تحقيق مآربهم… وحصان طروادة الذي يوصلهم إلى غاياتهم بأقل خسارة ممكنة… أيها المسلمون:
يتقحم أصحاب النار جهنم أفواجا أفواجا..وكل أمير فوج يخاطب أتباعه..( هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (59) قَالُوا بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60)(ص).. وتشتد الملاسنة وكيل الاتهامات بينهم.. وكل منهم يتهم الآخر بأنه كان سببا في هذا المصير..وأخيرا يحتكمون إلى الله.. (قَالُوا رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (61) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64) (ص)
فيا جمع المسلمين: أيها الموحدون:
لا نريد لأحد ممن نحبه في الله.. أن يكون مع فوج من هذه الأفواج..ولا أن تسفعه جهنم بلهيبها وشررها..ولكن المتبصر في أحوال المسلمين المحيط بواقعهم.. يرى هذه الأفواج من الحكومات...أفواجا تتبعها أفواج.. وكلها تقتحم سرادقات الكافر..ودهاليز المنافقين.. وميادين الفجرة..لتستقر فيها.. أما ما ينتظرنا..أيها الموحدون.. فليس بشرى؟!..إنما هو مأساة مروعة..ما ينتظرنا وما يراد لنا.. أن ننضويَ تحت مظلة الشرعية الدولية..مظلة الكفار..وتصوروا معي..رب العزة في عليائه.. ينظر إلى مسلمين في الأرض..وقد توحدوا وتجمعوا والتموا.. تحت سقف الكافر… يمن عليهم بعطائه.. ويهددهم بحرمانه..
ويسوسهم بإرادته..هؤلاء قد فارقوا هذه الأمة..وعصوا الله ورسوله واتبعوا أمر المسرفين..
أيها المسلمون:
إن حكامنا… ظالمين وفاسقين ومجرمين.. وهم بلا استثناء قاعدة رصد متقدمة للكافر في بيوت المسلمين وشوارعهم..وهم وكلاء أمريكا ودولا الكفر في قتلنا وتصفيتنا وبيع خيراتنا وقضايانا.. وتسليم بلادنا ومقدساتنا..فهل بعد ذلك نطمئن لهؤلاء المجرمين الخائنين.. ونجتمع عندهم ومعهم.. وننسق معهم.. ونطلب منهم الدعم والتأييد والمساعدات..
وهل الدول الأوروبية والآسيوية الكبرى يختلفون عن يهود.. حتى نجتمع معهم.. ونطلب دعمهم وتأييدهم ومساعدتهم.. ونستجديهم ونرجوهم الإعتراف بحكومتنا الفلسطينية الجديدة.. وهل يختلف هؤلاء الكفار عن يهود.. فالروس هم من دمر وقتل وشرد الأهل في الشيشان..والصينيون ليسوا بأفضل حالا.. وهم من دمر وقتل وشرد المسلمون في تركستان الشرقية.. أما الهند وما أدركم ما الهند وما فعلته بكشمير؟؟!..وهل النرويج أفضل من غيرها وهي التي أساءت للنبي صلى الله عليه وسلم.. فهل بعد هذا كله.. نقول بشراك يا شعب فلسطين.. لقد استطعنا كسر وفك الحصار عن الحكومة.. وأخذت بعض الدول الأوروبية والآسيوية تعترف بحكومتنا العتيدة.. سبحان الله وسبحان الله وسبحان الله.. ما لكم كيف تحكمون.
أيها الناس:
هكذا تبدو صورة الوضع اليوم..قاتمة باهتة خافتة.. تلعن حكام وساسة العصر المجرمين.. وتحنُّ شوقاً إلى الساسة الحقيقيين الذين ليسوا بالخب ولا الخب يخدعهم… فقد صوّر الكفار صراعُهم معنا على أنه تمويل مالي يمنح أو يقطع.. ودويلة هزيلة تقام أو تمنع.. وهدنة على دخن… ورجال على كراسي! هكذا فعلوا في كوسوفا.. وهكذا فعلوا في البوسنة.. وهكذا فعلوا في أفغانستان، وهكذا فعلوا في العراق ويفعلون .. وهكذا فعلوا في فلسطين من قبل ويفعلون.... فماذا أنتم فاعلون؟
أيها الناس:
يجب علينا أن ننبذ هذه المسالك المهينة والمشينة.. التي يُكبُّ سالكُها على وجهه.. وأن نعرف طريق المشي السوي على صراط مستقيم… إنها طريق الحق تبارك وتعالى التي ارتضاها لرسوله الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.. ولأتباعه إلى يوم الدين.. إنها طريق العمل مع العاملين المخلصين لإقامة دولة خلافة المسلمين الراشدة الثانية على منهاج النبوة.. فهي الجهة الوحيدة المخولة لعقد الهدن والمعاهدات.. وهي الجهة الوحيدة المؤهلة لخوض الغمرات دفاعاً عن قضايا المسلمين.. وهي الجهة الوحيدة القادرة على تحرير الأوطان والمقدسات.. ودحر الكفار وغزوهم في عقر دارهم.. وهي الجهة الوحيدة التي تحمل الإسلام إلى العالم أجمع رسالة هدى ونور عن طريق الجهاد في سبيل الله. فاللهم عجل بإقامتها… واجعلنا من جنودها وشهودها.. وسيعلمِ الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.