(الخطبة الأولى)
أيها الناس: أربعة أعوام مضت على سقوط بغداد في يد الأميركيين وحلفائهم من الكفار الغزاة الطامعين في بلاد المسلمين وثرواتهم، أربعة أعوام مضت وهم يتشدقون بالإطاحة بنظام البعث الطاغوتي ورموزه، ويمنون على الناس أنهم أنقذوهم من دكتاتوريته، تلبيساً على الناس وإخفاءً للأهداف الحقيقية التي جاءوا من أجل تحقيقها. فماذا جنى العراقيون من هذا الغزو غير أن حلت بهم قاصمة جديدة حصدت مليوناً من نفوسهم، ومليارات من ثروتهم، وخلفت ولا زالت تحدث دماراً في حياتهم وممتلكاتهم لا تصلحه عقود من الأزمنة قادمة، هذا إذا توقف اليوم. فالجرح لا زال ينزف، والشدائد في أجوائهم تعصف. فقاصمة الإحتلال أعظم من قاصمة البعث وأشد تنكيلاً.
أيها الناس: لقد عمقت أميركا وحلفاؤها في العراق نزعات الجاهلية الوطنية والقومية، وأذكت نار الفتنة الطائفية والمذهبية بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ، ولا أدل على ذلك من جرائم القتل اليومية البشعة التي عز نظيرها منذ أن هبط آدم عليه السلام على الأرض، تلك الجرائم التي يبسط فيها القتلة أيديهم لقتل إخوانهم وفق فتاوى باطلة وأفكار فاسدة ومعطيات خاطئة كاذبة. ولعل قائلاً يقول إنها أزمة مؤقتة، وقاصمة محدودة سرعان ما يتعافى منها الجسد العراقي، ثم يعود إلى سابق عهده وأفضل! نقول لهؤلاء الساذجين المضلَّلين، كنا سننظر في زعمكم هذا لو لم نسمع أخبار الشمال العراقي والتوترات الدموية الجديدة القديمة بين الأكراد والأتراك، وكنا سنتفاءل معكم لو لم نسمع عن تصريحات رئيس وزراء تركيا الذي هدد بسحق أكراد شمالكم إذا تمرد أكراد جنوبه، وها هو الجيش التركي بالفعل يشن حالياً هجوماً عسكرياً في جنوب شرق تركيا، أوقع قتلى وجرحى. وكنا سنطمئن إلى قولكم هذا وننتظر بشوق بالغ لتحقق أحلامكم لو لم نسمع شيئاً عما يدور في الصومال وتناثر الجثث في الشوارع وتهجير مئات الآلاف من منازلهم، وكنا سنصبر على أقوالكم التي لا تستند إلى أي أساس لو لم تأتينا الأخبار تترى عن الحرب الطاحنة التي تدور رحاها على الحدود بين السودان وتشاد، وكنا والله سنسكت لو أننا لا نعلم ما يدور في أفغانستان ووزيرستان ولا نرى أكوام الجثث التي فقد أصحابها الحياة برصاص الغزو أو الغدر أو كليهما. وكنا أيها السادة سنضرب الذكر صفحاً عن المسار السياسي الحالي في بغداد تحت حراب الأميركيين لو أننا لم نلحظ بعض نتائج المسار السياسي الفلسطيني تحت حراب مماثلة! وكنا سنشيح بوجوهنا عن تفجيراتكم ومآسيكم، ونقول سحابة صيف عما قليل تقشع، لو أننا لم نفجع بتفجيرات المغرب والجزائر. فما هي القصة أحبتي؟ أهي مجرد مصادفات كونية وقواصم قدرية حلت بنا من غيب لا نعلم عنه شيئاً، ولا نملك رده، ولا قبل لنا به؟ أم أنها تدبيرات شيطانية إنسية مفزعة تمت بأيدي حاقدة على هذه الأمة الكريمة لقصم ظهرها، ومنع نهضتها، وإدخالها في دوامة تغرقها، وقارعة دائمية تحل بدارها؟ ألا نسأل أنفسنا أسئلة تعيننا في فهم طبيعة تلك القواصم ومصادرها، ثم نبحث في العواصم من تلك القواصم؟
أيها الناس: تتركز تلك الأسئلة على أمور ظاهرة للعيان، ولا تحتاج إلى مزيد من التدقيق والتمحيص، وبذل مجهود ذهني فائق، فالأمر ببساطة متناهية يكمن في أشكال أنظمة الحكم القائمة والمتصارعة. والسؤال الأول: ما الفرق بين نظام البعث العراقي البائد ونظام سوريا أو مصر أو تركيا أو السودان أو غيرها من الأنظمة؟ فهم جميعاً أنظمة طاغوتية استبدادية لا تحكم بما أنزل الله. والسؤال الثاني: ما الفرق بين أميركا وبريطانيا وفرنسا وروسيا وباقي دول الاستعمار والاستكبار العالمي؟ أليسوا جميعاً دولاً طامعة في ثروات الشعوب المستضعفة وبلادهم، متعطشة لشرب دماء أبنائهم وتدمير إنجازاتهم؟ والسؤال الثالث: هل إذا استبدلنا الأنظمة الطاغوتية بأنظمة طاغوتية مثلها نكون قد حققنا عاصمة من قاصمة أم أننا أضفنا قاصمة جديدة؟ والسؤال الرابع: هل إذا أحللنا استعماراً جديداً مكان استعمار قديم نكون قد وفقنا لعاصمة من قاصمة أم أننا جلبنا علينا مزيداً من القواصم؟ والسؤال الخامس والأخير: هل إلى خروج من سبيل؟ وما هي العاصمة المناسبة من كل هذه القواصم؟
أيها الناس: يأتنا الجواب على هذا السؤال سريعاً ينساب كالماء الزلال، يقنع العقول العليمة، ويناسب الفطر السليمة، وينطق به المنادي بلسان عربي مبين، وبصوت عذب وقوة جذب: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير}، وينادي ذلك المنادي الحنون الحريص الرؤوف الرحيم قائلاً: “كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي ولا أعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى”. رواه أحمد
أيها الناس: إن ترجمة هذا الجواب بألفاظ اليوم تعني فساد معايير الوطنية والنفعية والرأسمالية وغيرها في أن تكون حكَماً على علاقات الناس، بل إنها القواصم التي قصمت ظهر الناس من أولهم إلى آخرهم. فالأكراد غلبت عليهم كرديتهم، وغلبت على أهل فلسطين فلسطينيتهم، وصار الأردن أولاً، ومصر فوق الجميع، “وانا الخليجي واعرف طِريجي”!!! وما إلى ذلك من الهرطقات والمفاهيم الشاذة. أما الأصل فأن تكون التقوى وتحكيم شريعة الله موجهاً لسلوك المسلمين، والميزان الصحيح الذي توزن به الأمور كلها، والعاصمةَ الوحيدة من كل تلك الآفات والقواصم، وما عداه رد.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: لم تكن الوطنية تمثل يوماً للمسلمين هاجساً أو تصوراً أو حتى شعوراً يحرك الواحد منهم تجاه الأشياء والحوادث والأشخاص تحريكاً متميزاً. بل إن العرب أنفسهم وقبل ظهور الإسلام لم يكن للوطنية مفهوم عندهم ولم تكن تتجاذبهم من العنصريات إلا الرابطة العرقية أو القبلية وما ينتج عنها من التفاخر والتناصر فيما بينهم، أما الوطن والأرض والتراب فلم يكن يمثل لهم إلا السكنى والمال المرتبط بالأرض والأهل والولد، ولا غضاضة لدى الواحد فيهم أن يرحل من أرضه طالباً الرعي والزرع وغير ذلك من بسائط مقومات الحياة عندهم تاركاً أرضه بكل سهولة ويسر، ولولا الترحال والتنقل بين الشعوب قاطبة لما وجدت الحضارات والدول القديمة. كما أنه لم يرد في الإسلام لا في نصوص القرآن الكريم ولا في نصوص السنة الشريفة ولا حتى في آثار الصحابة والصالحين ما يدل على مفهوم الوطنية والوطن. فحديث “حب الوطن من الإيمان” ليس بحديث ولم يرد في كتب الحديث، والفقهاء عندما بحثوا الأرض وارتباط الإنسان بها قالوا عنها الدار والدار ليست الوطن بل هي الأرض بما عليها من بشر وأحكام واستندوا في ذلك لحديث سليمان بن بريدة الذي بين فيه الرسول الكريم عليه السلام أن من يدخل من الأعراب في الإسلام عليه أن يتحول إلى دار المهاجرين ليكون له ما لهم من الإنصاف وعليه ما عليهم من الإنتصاف، والدار عندما بحثها الفقهاء اشترطوا لكونها دار إسلام أن تحكم بالإسلام وأن يكون أمانها بأمان المسلمين ومن رضي أن يسكن هذه الدار ويصبح من رعاياها يكون من أهلها بغض النظر عن دينه أو عرقه أو موطنه الأصلي، فتجد غير المسلم في دار الإسلام يتمتع بما لا يتمتع به المسلم خارج دار الإسلام. وعندما تقوم الخلافة بإذن الله فستحدث تغيراً عميقاً في مفهوم الوطنية، كي ينسى الناس وساوسه، ولربما تؤمرون في فلسطين بالارتحال إلى أوزبكستان، وسيأتي قوم غيركم ليعمر هذه الديار. أما اليوم فقد حرص الغرب الكافر وعملاؤه من الحكام على زرع الناحية الوطنية وحب الوطن والتضحية في سبيله وجعلها رابطة بين أبناء الوطن الواحد تميزهم عن غيرهم من المسلمين، لا لمنفعة يرجونها للمسلمين، بل لزيادة تفرقهم، ووضع العراقيل والمصاعب في وجه وحدتهم، وعودتهم أمة واحدة في دولة واحدة تحت راية واحدة وإمام واحد.
أيها الناس: لقد جاء الإسلام للبشر عامة لينقذهم من براثن العبودية لغير الله وذلة البشر والجور والجهل إلى عزة العبودية لله تعالى والعيش وفق طريقة الإسلام، فنظم حياتهم مسلمين وغير مسلمين دون النظر إلى أصولهم وألوانهم وأوطانهم وجعل الأفضلية بينهم التقوى، وحذرهم من التفاخر بالعنعنات الجاهلية، قال عليه والسلام: «لينتهين أقوام يفتخرون بآباءهم، هم حصب جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجُعَل يدهده الخرء بأنفه، ألا كلكم لآدم وآدم من تراب» صحيح رواه أبو داود. فلندع عنا التفاخر بالأوطان والأنساب ولنتفاخر بعبوديتنا لله تعالى وحده ولنعمل سوياً لإقامة دولة الإسلام التي توحد الناس تحت رايتها فترعى شؤونهم بالإسلام وتنقذهم من الدنيا إلى الآخرة بسلام، فتلك لعمري عاصمتنا من قواصمهم.