(الخطبة الأولى)
أيها الناس: لقد خلق الله سبحانه وتعالى لكل إنسان أذنين فيهما خاصية الاحساس بالأصوات من حوله، وخلق له عينين فيهما خاصية استقبال الاحساس بالأشياء من حوله، وخلق له دماغاً يستقبل ما يأتيه من أذنية وعينيه وبعض الحواس الأخرى، فيميز ما استقبله ويتعامل معه طبقاً لما لديه من أفكار ومفاهيم عن الحياة، وهكذا تتشكل المواقف وردات الأفعال، وهكذا تسير الحياة، وتدار الصراعات، وتتم الاتفاقيات، وتتغير المواقف وتتبدل. ومن فقد هاتين الحاستين السمع والبصر يكون عبئاً على المجتمع، لا ترجى منه فائدة، كما قال الله تعالى {وهو كل على مولاه، أينما توجهه لا يأت بخير}. وقد جعل الله السمع مقدماً على البصر في آي الذكر الحكيم، وأفرد السمع أحياناً دون البصر لأهميته، ولا يخفى أن الأعمى السميعَ خيرٌ من البصير الأصم. ولم يرد النعي في القرآن الكريم على الصُّم الذين فقدوا حاسة السمع، أو العمي الذين فقدوا قدرتهم على الإبصار، فهذا قضاء من الله عز وجل عليهم، لا يملكون رده ولا قبل لهم به، ولكن اللوم والتبكيت والتشنيع قد انصب على الذين يسمعون ويبصرون ولكنهم لا يعقلون، وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون}. فبرغم سماعهم للأصوات وإبصارهم للأشياء من حولهم، فإنهم لا يعقلونها، ولا يتفكرون فيها ولا يتدبرون، فكانوا أشرَّ من الدواب وأسوأَ من البهائم.
أيها الناس: إن الأنبياء عليهم السلام، وعلى رأسهم سيد الأنام محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لما خاطبوا أقوامهم مبشرين ومنذرين، أسمعوهم الكلام، وأروهم الآيات، فآمن من آمن فنجا، وكفر من كفر فهلك. وكلا الفريقين رآى وسمع، ولكن الفرق بينهما أن المؤمنين استجابوا والكفار أعرضوا، فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً، وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً. وتلك سنة عاملة في أتباع الأنبياء والرسل كذلك، ومنهم حملة الدعوة المخلصون في زماننا، والذين ما فتئوا يدعون أمتهم، ويقولون لهم، ويُسمعونهم، ويبصرونهم، وينبهونهم، ويحذرونهم، ويقدمون البراهين القاطعة، والحجج الدامغة، والأدلة الساطعة على ما يقولون، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لعلها تلامس آذاناً واعية، فيثوب المخاطبون إلى رشدهم، وينزعوا عما هم فيه من جهل وغي وضلال. وسنرصد في هذا اليوم العصيب درجة الاستجابة عند الناس المخاطبين حكاماً ومحكومين، وهل هي بالمستوى اللائق بالخطاب والأحداث بعد خمسين عاماً ونيف؟ أم أنها لا زالت دونه؟
أيها الناس: قد يسأل سائل: ولماذا اليوم؟ وهل هو يوم عصيب حقاً؟ فنقول له: سؤالك في مكانه، واستفسارك في محله، وإليك البيان: غزة!!! تغرق بالدماء، وتغص بالأشلاء، تنام وتصحو على القتل والدمار، والقوم يتشاورون مع الأصدقاء اللدودين، أيشرعون في الحوار الوطني أم يتريثون؟! وعدوهم المفترض يفكر في قبول التهدئة، أو شن هجوم واسع على القطاع! كم من النداءات وجهت لهم بألا يثقوا بوعود السنغال أو الرياض ومكة أو صنعاء أو دمشق أو عمان أو القاهرة، ولكنهم ولوا على أدبارهم نفوراً! ويلكم من الله، إن دماء الناس التي تُهراق بكرة وعشياً في أعناقكم، يا من لا تسمعون ولا تبصرون. وهذا جزاء إعراضكم عن سماع النصح كما أعرض الذين من قبلكم لما أنشأوا منظمتهم الخائبة عام 64، نُصحوا فأعرضوا فهلكوا، ولما اقتتلوا مع الجيش الأردني عام 70 نُصحوا ورب الكعبة فأعرضوا فهلكوا، ولما زُرعوا في لبنان بعد ذلك وأنبتوا وحان قطافهم نُصحوا فأعرضوا فهلكوا، ولما طردوا من هنالك وهاموا على وجوههم وهانوا وهادنوا وتخلوا عن ثوابتهم -بعد أن عفى عليها الزمن- نُصحوا فأعرضوا فهلكوا، ولما عادوا إلى فلسطين دون أن يستعيدوا شبراً واحداً منها نُصحوا فأعرضوا فهلكوا، ولما شاركتموهم عرسهم الأثيم، ودخلتم سلطة الزقوم نُصحتم فأعرضتم، فماذا فُعل بكم؟ أُقصيتم وحوصرتم، بعد أن بلعتم الطُّعم الذي بلعه شركاؤكم، فأنتم فيه سواء. وصدق فيكم وفيهم وفي أمثالكم وأمثالهم المثلُ القائل: (أذن من طين وأذن من عجين)، فمن جعل في إذن طيناً، وفي الأذن الأخرى عجيناً يكون قد أصم نفسه بنفسه، وكفى به إثماً مبيناً. {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.
أيها السائلُ (لماذا اليوم؟ وهل هو يوم عصيب؟): نزيدك من الشعر بيتاً، وفوق الهم الفلسطيني هماً لا يقل عنه ثقلاً، العراق، وما أدراك ماذا يُفعل بالعراق؟ شقاق ونفاق، وخلاف واختلاف، ولا يلوح في الأفق القريب أي وفاق. وإن شئت زدناك أيها السائل الكريم فوق العراق باكستان، شلال من الدماء لا يتوقف، الجيش يقتل إخوانه المجاهدين وغير المجاهدين، والأميركيون يقتلون الطرفين، وقضية القوم الكبرى إعادة قاض معزول، ذي شارب مفتول! وإن لم يكفك العراق وباكستان، أنبأناك عن أفغانستان، وإن أردت المزيد فجيبوتي وأريتريا، وإثيوبيا والصومال، وشمالُ السودان وجنوبه ودارفورُه، ولبنان بميشال وتركيا بأردوغان! وكذا باقي دويلات الضرار، منها قائم وحصيد، نُصحوا فأعرضوا فهلكوا.
أيها الناس: يقول تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون}، قال الشيخ محمد راتب النابلسي في تعليقه على هذه الآية: (لا تديروا ظهوركم لهذه الدعوة، ولا تنصرفوا عنها، وكتاب الله يتلى عليكم صباحاً ومساءاً...فحينما يخاطَب المؤمن خطاباً معيناً ولا يتحرك، ولا يأخذ موقفاً عملياً إيجابياً، فإنه لم يفهم من الخطاب شيئًا.) ويقول الإمام القرطبي في تفسيره لقول الله عز وجل: {لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون}: (والمعنى وهم فيها لا يسمعون شيئاً، لأنهم يحشرون صماً، كما قال الله تعالى: {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً}. وفي سماع الأشياء روح وأنس، فمنع الله الكفار ذلك في النار. وقيل: لا يسمعون ما يسرهم، بل يسمعون صوت من يتولى تعذيبَهم من الزبانية. وقيل: إذا قيل لهم {اخسؤوا فيها ولا تكلمون}، يصيرون حينئذ صماً بكماً، كما قال ابن مسعود: إذا بقي من يخلد في النار في جهنم، جُعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت التوابيت في توابيتَ أخرى فيها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئا، ولا يرى أحد منهم أن في النار من يعذب غيره! نعوذ بالله من ذلك المشهد.)
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: قال أبو جعفر في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ}: يا أيها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه أطيعوا الله ورسوله فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، ولا تُدبروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخالفين أمره ونهيه، ولا تكونوا كالمشركين الذين إذا سمعوا كتاب الله يتلى عليهم قالوا: “قد سمعنا"، بآذاننا “وهم لا يسمعون"، يقول: وهم لا يعتبرون ما يسمعون بآذانهم ولا ينتفعون به، لإعراضهم عنه، وتركهم أن يُوعُوه قلوبَهم ويتدبروه. فجعلهم الله، إذ لم ينتفعوا بمواعظ القرآن وإن كانوا قد سمعوها بآذانهم، بمنـزلة من لم يسمعها.
أيها الناس: إن المخرج من هذه الأزمة الخانقة -أزمة تعطيل السمع والبصر- تكمن في نفس الآيات التي تحدثت عنها، فما أنزل الله من داء إلا وأنزل معه الدواء. إقرأوا إن شئتم قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}. ومعناه ببساطة، أزيلوا الطين الذي جعلتموه في آذانكم والعجين، واشكروا الله على نعمتي السمع والبصر، ومعهما نعمة الإدراك والفهم، كما قال تعالى: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}، ثم استجيبوا للنصيحة المخلصة، واتركوا غروركم، فليس غريباً أن يكون في القوم من هو أفقه منكم وأوعى، وأقدر على فهم الأمور، وأوسع أفقاً منكم، وغالباً ما يكون المراقب أوعى من اللاعب، فلا تأخذكم العزة بالإثم، ولا يغرنكم بالله الغرور، فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
أيها المسلمون في فلسطين وخارج فلسطين: إن الحكام وأشباه الحكام لم يتخلوا عن دورانهم في فلك أعدائنا وخدمتهم، ولم يستجيبوا لهذه الدعوة المخلصة لإنقاذهم وإنقاذنا، بل جعلوا في آذانهم الطين والعجين، واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً، فليس لهم والله إلا النبذُ كما تنبذ النجاسات، والرميُ كما ترمى النوى. ولنعقد العزم جميعاً على العمل مع العاملين المخلصين الجادين والهادفين لإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة. فنكون بذلك قد استجبنا ولم نعرض، وسمعنا ولم نتولَّ، وأطعنا ولم نعص، وسلمنا بالحق فلم نجادل به بعدما تبين. ومن صار هذا حاله فقد اهتدى، وحقٌ على الله أن ينصرَه، وأن يحققَ مُرادَه. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.