(الخطبة الأولى)
أيها الناس: مخطيء من يظن أن قتل مجاهد أو مواطن في فلسطين أو غير فلسطين يقتل القضية التي من أجلها قتل المجاهد أو المواطن. فالمجاهدون كثر والمواطنون أكثر، والقضايا أكبر من الأشخاص، والأرض أكثر بقاءً وأطول عمراً من ساكنيها، ولكن الذي يقتل القضية هو تآمر أهلها عليها. فالخلافة الإسلامية دامت اثني عشر قرناً من الزمان عصية على الكفار، تعز على من يرومها، وما ضروها إلا أذىً، ولما قاتلوها ذاقوا الويلات في وقعاتها، وخارت قواهم أمام قوتها، وانهارت عزائمهم في وجه عزيمتها. ولكن عندما تآمر عليها أهلها من العرب والعجم ترنحت ثم وقعت مغشياً عليها، ولا زالت في غيبوبتها منذ تسعين عاماً، تبدو وكأنها جثة هامدة لا حراك فيها، يعيث الكفر في جنباتها فساداً. وكذا هو الحال في كل القضايا، تبدأ ساخنة عادلة، عصية على المعتدين، تعز على من يروم احتلال الأرض، وتدنيس المقدسات، ونهب الثروة، وإخضاع المجاهدين والمقاومين، ثم ما يلبث أن يتآمر عليها بعض أهلها، فتبرد سخونة القضية، ويصغر حجمها، وتبدو سهلة على المعتدين، ثم ما تلبث أن تصبح لقمة سائغة يتجرعها القوم بلا عناء، ويصبح المقاوم معتدياً، والمجاهد إرهابياً، والرافض للحلول الاستسلامية شاقاً للصف الوطني، وتتبدل المفردات، وتنقلب الموازين، وينقعد لسان الإعلام، وتحار العقول في فهم ما يجري. ولقد نجحت تجارب الكفار في كثير من قضايا المسلمين على هذا النحو نجاحاً كبيراً، ولعل ما جرى ويجري في أفغانستان وكشمير والشيشان والسودان والعراق وغيره من بلاد المسلمين ينطق بما نقول ويصدقه ويؤكده.
أيها الناس: ليس ما يجري في فلسطين شذوذاً عن هذه القاعدة، أو خروجاً عن مألوف القوم في سياساتهم تجاه قضايا المسلمين. فما أن سقطت فلسطين في قبضة الاحتلال البريطاني إثر انهيار دولة الخلافة العثمانية، حتى قام قوم ليدافعوا عنها، ثم ما لبثوا أن فاوضوا الإنجليز المحتلين وأصبحوا لهم خدماً وعملاء. ولما انسحب الانجليز وسلموها للأردن، رفض المقاومون ذلك وأنشأوا ما يعرف بمنظمة التحرير لإظهار الشخصية الفلسطينية، وزعم الطرفان –الأردنيون والفلسطينيون- أنهم يريدون تحرير فلسطين المحتلة عام 48، ولا زالت كلمات ملك الأردن في ذلك الزمان ترن في أذني وهو يخاطب الجيش الأردني: كلوهم بأظافركم وبأسنانكم! وكانت كلمات رئيس المنظمة تتهدر على لسانه كالزلزال: إن لنا جيشاً في غزة، وجيشاً في سوريا وجيشاً في الأردن...ولما انقشع غبار مسرحية حرب الأيام الستة عام 67 ، وإذا بكامل الضفة الغربية في قبضة اليهود، وذابت الخطابات وتلاشت الجيوش، وأما الجولان وسيناء فزيادة على البيع! وما لبثت النعرة الفلسطينية الأردنية أن استفحلت فتقاتلوا وسالت دماؤهم، ثم إذا بهم جميعاً يرتمون في أحضان اليهود يفاوضونهم ويهادنونهم ويبتغون إليهم الوسيلة أيهم أكثر ضبطاً للنفس وتهدئة، فسبحان مغير الأحوال، ومبدل مواقف الرجال!
أيها الناس: ما كان الذي حصل للخلافة أن يحصل لولا تآمر أبنائها عليها، وما كان لقضية كشمير أن تموت لولا تآمر أبنائها عليها، وما كان لقضية الشيشان أن تخبو فلا تكاد تذكر لولا تآمر أبنائها عليها، وما كانت أميركا بقضها وقضيضها أن تسيطر على العراق لولا تآمر أبناء العراق عليه وتعاونهم مع أميركا، وما كان لأميركا ومن معها من قوات التحالف أن تهلك نظام الطالبان الأفغاني لولا خيانة أبناء الأفغان الذين عرفوا بتحالف الشمال وقتئذ وتواطؤ الباكستان، وما كان للسودان الواحد أن يتفتت لولا تآمر أبنائه وخيانتهم، وما كان لمصر والسودان من قبل أن يصبحا كيانين اثنين بعد أن كانا كياناً واحداً لولا خيانة أبنائهما، وهذا ما أثبتته الوقائع والوثائق، وصار في خانة الحقائق.
أيها الناس: وعلى نفس النسق الخياني توشك قضية فلسطين أن تموت، وأن يقتلها أبناؤها من رجال التنظيمات قبل أعدائها. سجل أيها التاريخ: إن حكام فلسطين وإعلامهم ومواقف التنظيمات الرسمية قد قرروا جميعاً قتل فلسطين وإنهاء قضيتها، بعد قبولهم بإملاءات المخابرات المصرية المتآمرة! سجل أيها التاريخ، إن القوم قد باعوا الأقصى وما حوله من أرض مباركة، بعد أن قبلوا بدويلة مسخ في بعض أجزائها مقابل تهدئة تتلوها هدنة، وتتبعها مفاوضات مريبة توصل إلى الاعتراف والاستسلام، ونسيان الجزء الأكبر من فلسطين، ثم تصبح القضية الكبرى أخذ اعتراف الأمم المتحدة بهذا الكيان المسخ، وحصول مندوب دولة فلسطين على مقعد في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقمة انتصارهم إذا صارت فلسطين رئيساً لمجلس الأمن في دورته التي ستنقعد بعد عشرين عاماً! سجل أيها التاريخ: إن التنظيمات التي كانت تزعم أنها وجدت لتحرير فلسطين قد أصبحت أداة لتسليمها! سجل أيها التاريخ: إن الحركات التي كانت تتبجح بتقديم قوافل الشهداء قد أصبحت تعبث بدماء الشهداء، وتوظفها للوصول إلى منصب حقير وسلطة موهومة، لا سيادة فيها ولا كرامة. سجل أيها التاريخ: إن أصحاب الأساسيات الوطنية والثوابت قد سحقوا أساسيات حركاتهم وثوابت أوطانهم! سجل أيها التاريخ: إن دعاة الدين وأصحاب اللحى قد قفزوا فوق الأحكام الشرعية، وأصموا أذانهم عن سماع النصائح المخلصة، واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً! سجل أيها التاريخ: إنه في سبيل تحقيق ذلك الهدف الرخيص الآثم الذي يسمى دويلة في عشر معشار أرض فلسطين قد توقفت حملات الردح من المنابر الإعلامية، وتبرأ كل من تلفزيون الأقصى وقناة فلسطين من كشف الحقائق عن الطرف الآخر، وتابوا عن قول الحق الذي كانوا يزعمون، واجتازوا الخنادق الواسعة بينهما في قفزة نوعية ما شهدت لها أولمبيادات العالم مثيلاً، وصار الشيخ الأسطل يتزلف للرئيس الأسطل! سجل أيها التاريخ: إن كلا السلطتين تقوم بملاحقة واعتقال شباب الدعوة الإسلامية الذين يصرون على كشف الحقائق للناس، وبيان الحق وقول كلمة الفصل فيهم وفي قضية فلسطين. سجل أيها التاريخ: إن كلا السلطتين تمنع الخطباء الأحرار الأتقياء من اعتلاء المنابر، وتجهض الترتيبات لإلقاء المحاضرات، وتمنع نشر المقالات التي تقول الحق وتنطق بالحق ولا تخشى في الله لومة لائم. سجل أيها التاريخ: إعتقالات في الكويت وتونس وأوزبكستان والدنمرك والمغرب وألمانيا واليمن والسعودية والإمارات وباكستان وقرغيزستان وروسيا والصين وغيرها لشباب كل ذنبهم أنهم يقولون ربنا الله! سجل أيها التاريخ: إعتقالات في غزة والضفة، كان آخرَها سبعةٌ من دعاة الخلافة مساء أمس، أثناء قيامهم بوضع ملصقات تدعو لحضور ندوة في قلقيلية بشأن قضية فلسطين والخلافة والجهاد، حتى تُكشف الخيانة، وتظهر أبعاد المؤامرة. فمن يعتقلهم بهذه التهمة يكون هو المتهم بأنه يريد تضليل الناس وخداعهم، وحجب الحقائق عنهم. وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، لماذا يمكرون؟ لأنهم لا يريدون للحقائق أن تنكشف، ولا يحبون للمؤامرات على الأوطان والمقدسات أن تفشل! ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: نُذكر جلاوزة السلطات والتنظيمات في فلسطين وخارجها بقول الله عز وجل: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون}، ونذكر المسلمين في هذا الوقت العصيب بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إلا لا يمنعن أحدَكم رهبةُ الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو يُذَكَّر بعظيم”. ونقول للتنظيمات الفلسطينية التي امتثلت لتعليمات القاهرة: كفوا عن هذا العبث، حتى لا يسجل التاريخ عليكم عار الخيانة التي لا تمحى، وتلعنكم الأجيال تترى، ويدخلكم ربكم الأعلى نار اللظى، نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى. واعلموا أن قضية فلسطين مختلفة عن قضايا الدنيا كافة، وهي أكبر منكم ومن الحكام الذين يسوقونكم إلى مسالخ الذبح والخيانة كالخراف، ولا عجب أن تكون فلسطين كذلك، فهي الأرض التي بارك الله فيها وحولها، وهي البلاد التي فتحها عمر بن الخطاب وضمها لكيان دولة الخلافة الإسلامية الراشدة الأولى، وهي البلاد التي حررها صلاح الدين من الصليبيين، وهي الأرض التي قضى فيها قطز على المغول، وهي الأرض التي حافظ عليها عبد الحميد والخلافة الإسلامية العثمانية تلفظ آخر أنفاسها، وهي الأرض التي ستنزل فيها الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة لتحكم العالم بإسره منها. فما أنتم أيتها التنظيمات فيها إلا أرقام مهملة، وعابثون جدد، سرعان ما ستأكلكم نارُها، وتخرجكم كما يُخرج الكير خبث الحديد. كفوا عن العبث فيها من قبل أن يطمس الله وجوهاً فيردها على أدبارها، أو يلعنكم كما لعن أصحاب السبت، وأنتم تتقربون إلى أصحاب السبت، وكان وعد الله مفعولاً، واعملوا مع العاملين لإقامة الخلافة الراشدة الثانية التي تحرر فلسطين، وتتخذ بيت المقدس مقراً لعاصمتها. إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً.