(الخطبة الأولى)
أيها الناس: روى ابن جرير الطبري في تفسيره قال: لما نزل قوله تعالى {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون}، شق ذلك على الصحابة وقالوا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ فقال: (ليس الذي تذهبون إليه، الظلم: الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح - يقصد لقمان - {لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم}؟ قال الشيخ صالح آلـ الشيخ: فهذه الآية فيها وعد من الله جل وعلا - ووعده حق - أن المحققين للتوحيد المبتعدين عن الشرك بأنواعه، أن لهم الأمن في الدنيا والآخرة، ولهم الهداية في الدنيا والآخرة.
أيها الناس: لقد استفاضت الأبحاث عند علماء اليوم في شرك العقيدة الأكبر والأصغر، ولكنهم لم يتطرقوا إلا يسيراً لشرك الأعمال، وجُماعه إشراك غير الله في الحاكمية، وذلك بعد أن أطلق الناس العنان لأنفسهم اليوم في تحكيم غير شرع الله، وقبولهم العيش في ظل أنظمة تحكم بالطاغوت والقوانين الوضعية. وقد نتج عن هذا الموقف – موقف العلماء – أن ارتبط مفهوم الأمن بالشرك الأكبر فقط، وظن عامة الناس أنهم إن قالوا لا إله إلا الله، ولم يشركوا به شيئاً من آلهة أخرى كالأصنام التي كانت تعبد في الجاهلية، ظنوا أنهم قد دخلوا في دائرة الأمن، وأن عيشهم مأمون، ومستقبلهم مضمون، ومقعدهم في الجنة مصون. وهذا لعمري هو التضليل بعينه، لما ذكره الطبري في تفسيره: وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولم يخلطوا إيمانهم بشيء من معاني الظلم، وذلك: فعلُ ما نهى الله عن فعله، أو ترك ما أمر الله بفعله، وقالوا: الآية على العموم، لأن الله لم يخصَّ بها معنى من معاني الظلم. وأما قوله تعالى {وهم مهتدون}، يقول: وهم المصيبون سبيل الرشاد، والسالكون طريق النجاة.
أيها الناس: لقد رأينا كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خائفاً هو وأصحابه في مكة، وعرفنا أنهم في خوفهم هذا كانوا يعملون لإقامة دولة أولى للمسلمين يتحقق فيها معنى العبودية لله، ويتحقق فيها الالتزام بأوامر الله ونواهيه على مستوى الفرد والدولة، ويتحقق فيها البعد عن الظلم قدر الاستطاعة، وبالتالي فإن النتيجة تكون تحقق الأمن والهداية في الدنيا والآخرة. وهذا بالفعل هو الذي حصل معهم، حيث نصرهم الله بإخلاصهم في حمل دعوته، ومكن لهم في الأرض بإقامة دولتهم الإسلامية الأولى في المدينة، ولم يلبثوا إلا يسيراً حتى أمنوا أمناً منقطع النظير، وسار الراكب من صنعاء إلى حضرموت لم يكن يخشى إلا الله والذئب على غنمه، بل إنه قد أتى زمان أمن فيه الراعي على غنمه من الذئب! قال الحسن القصاب: رأيت الذئاب ترعى مع الغنم البادية في خلافة عمر بن عبد العزيز فقلت: سبحان الله، ذئب مع غنم لا يضرها؟ فقال الراعي: إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس. وقال مالك بن دينار: لما ولي عمر بن عبد العزيز قالت رعاء الشاء: من هذا الصالح الذي قام على الناس خليفة؟ عدله كف الذئاب عن شائنا. وقد تعمق الأمن في طرقات المسلمين لما صارت الظعينة (المرأة) تخرج من الحيرة تطوف بالبيت ليست في جوار أحد، وتحقق الأمن الاقتصادي لما فتحت كنوز كسرى بن هرمز وأخرجت الزكاة والصدقات، وتحقق الأمن الاجتماعي لما شاعت مفاهيم العفة والطهارة وغض البصر وفصل الرجال عن النساء، وتحقق مفهوم الأمن العسكري لما رفع لواء الجهاد في سبيل الله، وتحقق مفهوم الأمن الجغرافي لما صار خير الجهاد هو الرباط على الثغور، وتحقق مفهوم الأمن السياسي لما تولى أمر الناس خيارُهم، وتحقق مفهوم الأمن الصحي لما التزم الناس بقلة الطعام وابتعدوا عن التخمة، وتحقق مفهوم الأمن التجاري لما مُنع الاحتكار وقُطعت أيدي السارقين، وتحقق مفهوم الأمن وتجذر عند المسلمين ليشمل كافة جوانب الحياة لما طبقوا أحكام الشريعة الإسلامية كاملة من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين، فاستقام التوحيد وبرئت العقائد من كل شرك، واستقامت العبادات وسلمت من كل بدعة، واستقامت العادات وصلحت الأعراف، واستقامت المعاملات وطبق نظام العقوبات.
أيها الناس: لقد تهاوى الأمن في زماننا في أودية الظلم السحيقة، وطافت بنا طيور الظلم تخطف أمننا ثم هوت به الريح في مكان سحيق، وأصبحنا غير آمنين في سربنا، وأحاط بنا العدو من كل جانب، صرنا والله مثلاً في الخوف والهلع، وتحدثت الركبان بأخبار قتلانا وجرحانا وأسرانا، وما أن يُذكر المسلمون حتى يتبادر إلى الذهن حصار وإغلاق وقصف وقتل وجرح وجوع وفقر ومنع سفر وسحب هوية وهدم بيت واحتلال أرض وتدنيس مقدسات وتطاول على مقام حضرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك مما يصعب حصره أو ذكره في عجالة! وأسألكم سؤالاً واحداً: أيكم أصبح آمناً في سربه؟ فيأتيني الجواب دون عناء: لا أحد! بل إنك لا تنتظر كثيراً من المسلمين حتى يجيبوا على هذا السؤال، فحالهم يغنيك عن إجاباتهم. فما من المسلمين أحد قد أصبح آمناً في سربه، وليس لهم والله سرب أصلاً، فالكل يغرد خارج السرب. جاء في الحديث أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا) رواه البخاري في “الأدب المفرد” والترمذي في “السنن” وقال: حسن غريب. يقول المباركفوري رحمه الله في شرح هذا الحديث: “قوله: (من أصبح منكم) أي: أيها المؤمنون. (آمناً) أي: غير خائف من عدو. (في سِربه) أي: في نفسه، وقيل: السرب: الجماعة، فالمعنى: في أهله وعياله.
أيها الناس: إن سرب المسلمين هو جماعتهم، وجماعتهم هي أمتهم على إمام دار العدل، أي دولة خلافتهم، والمسلمون اليوم لا سرب لهم ولا جماعة ولا إمام، فماذا يصنعون حتى يأمنوا؟ لا بد لهم من سرب وجماعة وإمام حتى يأمنوا، فإن لم يكن لهم سرب ولا جماعة ولا إمام فالأمن بعيد عنهم بُعد المشرقين، فهم برغم إيمانهم إلا أنهم قد ألبسوا إيمانهم بظلم كبير وهو عدم الحكم بما انزل الله، وألبسوا إيمانهم بظلم خلو أعناقهم من بيعة لإمام، وألبسوا إيمانهم بظلم موالاتهم للكفار أعداء الله ورسوله والمؤمنين، وألبسوا إيمانهم بظلم تجزئة بلاد المسلمين إلى دويلات ضرار مسخ يرأسها حكام عملاء يجاهرون بعداوة الإسلام والمسلمين، ويضربون وجوه الناس بسياط الغدر والخيانة والسفه والتسلط والجبروت، وألبسوا إيمانهم بظلم السير في الحلول الخيانية الاستسلامية التي تجعل للكافرين سبيلاً على المؤمنين، وألبسوا إيمانهم بظلم الركون إلى الذين ظلموا، والقائمة طويلة! عافانا الله وإياكم من الظلم، وأكرمنا وأياكم بالعمل لرفعه.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إن أمامنا طريقاً واحدة لا ثاني لها، ولا خيار فيها للمؤمنين، إنها الإيمان الذي لا ظلم فيه، كما قال الله عز وجل: {آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم}. ونحن لا نشك في إيماننا، فإنا والله قوم نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وإنا والله نؤمن بالملائكة والكتب السماوية والرسل كافة، ونؤمن باليوم الآخر، ونؤمن أن الجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. فلا تقلقوا على إيمانكم، ولكن اقلقوا كل القلق على ألوان الظلم التي ألبستموها هذا الإيمان، فانزعوا عن الظلم تأمنوا، واعملوا لتحكيم شرع الله في أرضه وبين عباده يؤتكم الله أجوركم ولا يلتكم من أعمالكم شيئاً. وإن هذا الأمر لا يتم إلا بالتوبة إلى الله والاستغفار من الذنوب كافة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل مع العاملين المخلصين الجادين والهادفين لإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة، ففيها يتحقق الإيمان الذي لا يخالطه ظلم، وفيها يعيش الناس آمنين في سربهم، لا يخافون عدوهم، بل ينصرهم الله عليه ويرعبه قبل شهر من وصول المسلمين إليه. فثقوا بوعد الله ونصره لعباده المؤمنين العاملين للصالحات، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا، ولا تقنطوا من رحمة الله ومغفرته. جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله جل وعلا: عبدي إنك لو أتيتني بقِراب الأرض خطايا - يعني بملء الأرض خطايا - ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً أتيتك بقرابها مغفرة).