الآن وقد انجلت حرب الأيام الثلاثة في فلسطين وسيناء التي كان المحرك لها مظاهرة القوات المصرية في سيناء وشرم الشيخ بقصد رد الاعتبار لعميل أمريكا عبد الناصر في المنطقة لتعييره بها دائما فاستغلت بريطانيا هذه المظاهرات ونفذت مخططها الذي استمر يتعثر أكثر من سنة وذلك بمساعدة الملك الخائن حسين وبالاتفاق مع إسرائيل بدأت تتكشف المؤامرة الانجليزية على المسلمين تكشفا يضع الإصبع على الانجليز بأنهم هم وعميلهم الخائن حسين الذي قاموا بتمكين اليهود من ذبح المسلمين وتدمير البلاد ورفع راية صهيون فوق المسجد الأقصى. ذلك أن الانجليز بعد أن رأوا أن فتحهم خليج العقبة بالقوة غير ممكن بدأوا يعملون بأسلوب آخر وإيجاد حرب واسعة أي رجعوا لمخططهم الأول إيجاد حرب واسعة فاتصلوا فورا برجالهم في إسرائيل وبعميلهم الخائن الملك حسين. أما اتصالهم برجالهم في إسرائيل فقد حصل ما بين 22 و 26 /5 حيث بدأ الضغط على اشكول ليتنحى عن الوزارة ويؤلفها بن غوريون ثم وصلوا للحل الوسط فتولى موشى ديان وزارة الدفاع وعين حاييم بارليف نائبا لرئيس الأركان فاستلم رجال الانجليز الجيش لقيادة الحرب ضد الدولة العربية وكان ذلك في 1/6 ويبدو من مقارنه الحوادث ودراسة التحركات أن الانجليز قد استعدوا للدخول مع اليهود في الحرب ولكن ليس بالأسلوب المكشوف كما حصل سنة 1956 بل بالأسلوب الخفي فيظهر أن الانجليز أرسلوا لإسرائيل أعدادا كبيرة من الطائرات والطيارين وأرسلوا هيئة أركان حرب ـ لتخطيط المعركة فتولى الانجليز قيادة المعركة وتخطيطها ببضعة ضباط من أركانهم وتولت الطائرات الانجليزية والطيارون الانجليز قيادة الهجوم الجوى بالفعل ولهذا فان ما تقوله مصر من أن الانجليز تآمروا واشتركوا بالهجوم الجوى صحيح ولكن لا كما تقول القاهرة بتخميناتها من أن الطائرات جاءت من ـ حاملات الطائرات من البحر بل إن الانجليز احضروا طائراتهم وطياريهم وضباط أركانهم قبل المعركة وهيئوا الأمور وتولوا التخطيط للمعركة وقيادة الهجوم الجوى قيادة فعلية ثم بدؤها وقادوا إسرائيل , فالاشتراك من قبل انجلترا كان اشتراكا مركزا بالتهيئة للمعركة بشكل مضمون وجعلها مبنية على السلاح الجوى فهم قد ارتبطوا مع جماعة بن غوريون بالفعل في الأسبوع الأخير من أيار الفائت وتولية جماعة بن غوريون وزارة الحرب وقيادة الجيش في أول يوم من حزيران فضمنوا تهيئة إسرائيل للحرب . أما اتصالهم بعميلهم الخائن الملك حسين فيبدو انه قد بدأ في نفس الوقت أي بين 22 و 26/5 فان الملك حسين اجتمع بتاريخ 26/5 بالسفير المصري في عمان وبحضور محافظ القدس أنور الخطيب وطلب من السفير المصري أن يعلم القاهرة أن الأردن مستعدة أن توقع على بياض مع الجمهورية العربية المتحدة بخصوص العمل وكذلك مستعدة أن تغير الوزارة وكل شخص تراه القاهرة غير مناسب وبعد هذا الاجتماع سافر السفير إلى القاهرة ويظهر أن عبد الناصر لم يقبل هذا العرض من الملك حسين فانه في خطابه الذي ألقاه بعد ذلك قال إن الرجعية طلبت منا التعاون وقد رفضنا ولا نريد أن نتعاون مع التل الجاسوس الانجليزي الأمريكي ويظهر أن الملك حسين عاود الاتصال بعبد الناصر بأسلوب آخر فانه في يوم الثلاثاء 30/5 فوجئ الناس بوصول حسين للقاهرة وعقده معاهدة الدفاع المشترك وعندما رجع لعمان هيئ له استقبال شعبي هائل في شوارع عمان لدرجة أن استمرت سيارته أكثر من ساعة ونصف الساعة حتى وصلت القصر حتى كان بعض الناس يجبرون رأسه على الانحناء لتقبيله فادى بذلك مهمته في جعل عبد الناصر يشركه معه في العمل بمعاهدة دفاع مشترك وان يأخذ شعبيه هائلة عليها. فمعاهدة الدفاع المشترك هي التي مكنت الانجليز من أن يشركوا الضفة الغربية في القتال لتسليمها ومما يدل على أن الملك حسين كان يهيئ الأمور للانجليز لضرب عبد الناصر أنه بتاريخ 23/5 اجتمع الملك حسين بكبار الضباط وقال لهم إن تحركات الجيش المصري هذه ليست إسرائيل المقصودة بها بل المقصود بها نحن لان عبد الناصر عميل أمريكا يريد تدويل القدس وإقامة حكومة فلسطينية للصلح مع إسرائيل فيجب عليكم أن تكونوا يقظين وعلى مستوى الأحداث ثم بتاريخ 29 /5 اجتمع الملك حسين بضباط الجيش وتحدث معهم بخصوص الأزمة وكانت المشاورات والمفاوضات مع السفير المصري مستمرة فقال لهم في معرض حديثه مقسما ثلاثة مرات سأحرق عبد الناصر عميل أمريكا في هذه المعركة واستمر بالمفاوضات حتى سافر في 30 /5 وعقد معاهدة الدفاع المشترك.
وبعد أن تم للانجليز هذه التهيئة بالفعل فعقد الملك حسين معاهدة الدفاع المشترك في 30/5 وتولى موشى ديان وزارة الدفاع في 1/6 أكمل ولسن كل وسائل المعركة وذهب لكندا وللولايات المتحدة من اجل أن يضمن سكوت أمريكا ووقوفها على الحياد فتاريخ 2/6 سافر لأمريكا واجتمع برئيس وزراء كندا وبرئيس الولايات المتحدة جونسون خلال يومين اثنين وبتاريخ 4/6 رجع لانجلترا مطمئنا إلى حياد أمريكا وبتاريخ 5/6 بدأت إسرائيل في الهجوم على سيناء ثم ثنت على الضفة الغربية .
هذا من حيث تهيئة انجلترا للمعركة عسكريا في إسرائيل ومن السلاح الجوى الانجليزي وفي الأردن بتسليم الجيش الأردني لإسرائيل لتذبحه أما بالنسبة لسير المعركة في الأردن بالذات وكيفية التسليم فان الأردن لم يحصل فيها حرب إلا في الراديو ونعني الحرب حرب جيوش أما صمود بعض الأفراد والضباط فقد حصل وابلوا بلاءا حسنا من عند أنفسهم ودخلوا حي موشيرم اليهودي في القدس في اليوم الأول ثم طلب منهم الانسحاب لالتفاف الإسرائيليين عليه من جهة قرية شعفاط العربية, أما الجيوش فلم تحارب على الإطلاق .
إن الجيش الأردني ذهب من الضفة الشرقية لدخول المعركة وقد مر في طريقه من وسط شوارع عمان بدباباته الثقيلة والخفيفة لدرجة بهر الناس بها وقد قاربت الثلاثمائة دبابة وقد كان يعدها الكبار والصغار وقد قال بعضهم أنها فاقت هذا الرقم ولكن هذه الدبابات لم تحارب بل ذهبت للضفة الغربية وأخذت تنتظر دورها وتنتظر الأوامر ولكن هاجمها العدو وهي تنتظر فقضى على هذه الآليات جميعها ولكن ليس في المعركة ولا في حرب بل وهي واقفة تنتظر أو وهي منسحبة إلى الضفة الشرقية التي سموها خط الدفاع الثاني وقد أبيدت هذه الآليات جميعها وكذلك أبيدت الآليات والسيارات المتجمعة في الغور والموجودة للاحتياط عن بكرة أبيها بدون استثناء وأبيدت معظم آليات القوى العراقية التي وصلت أي الدفعة الأولى منها وهي لواء كامل. إن اليهود هم الذين قرروا مكان المعركة في الأردن فلم تشترك الأردن إلا بعد أن أطلقت عليها النار في القدس فاشتبكت في القدس فقط وكانت باقي الحدود هادئة ثم تحركت قوى إسرائيل نحو جنين فاشتبكوا معهم في جنين وسكتت باقي الحدود وقد تبين من ذلك أن اليهود أرادوا فصل الخليل وقضائها وبيت لحم وقضائها حال استلام القدس وأرادوا كذلك فصل نابلس وطولكرم وقراهما الأخرى حال الوصول إلى طوباس والباذان من جنين وبذلك تسقط الضفة الغربية بكاملها ولا حاجة لهم بخوض معارك القتال في الأماكن الأخرى فصدرت الأوامر بالانسحاب من جنين وصدرت الأوامر بالانسحاب من القدس إلى خط الدفاع الثاني أي إلى الضفة الشرقية وبذلك تم لإسرائيل استلام الضفة الغربية كلها خلال 48 ساعة فقط. وكان المشرف على المعركة في الضفة الغربية الملك بنفسه حتى يضمن عدم التردد وكان قد اتصل بهم قبل المعركة بأيام وحذرهم من مغبة مخالفة الأوامر وكرر عليهم ضرورة الانضباط التام والتقيد بالأوامر ومع هذا فقد تمردت بعض الوحدات وقاتلت فأبيدت عن آخرها. أما في الخليل وقضائها فلم تطلق ولا طلقة واحدة واللواء الموجود في كفار عصيون أصدروا إليه الأوامر بالانسحاب وترك الأسلحة مكانها ولم يقرر القائد خطة الانسحاب وكان ذلك يوم الأربعاء 7/6 فانسحب كل حسب ما يرتأى فكشفتهم الطائرات وأبادت آلياتهم وسياراتهم أما أهل الخليل أنفسهم فكانوا يترددون على المحافظة يطلبون السلاح ويعدهم المحافظ ويمنيهم بقوة الجيش ولا حاجة لتوزيع الأسلحة وأخيرا اشتد الضغط على المحافظ من الناس يوم الأربعاء 7/6 بحضور رئيس بلدية الخليل فأخبرهم رئيس البلدية أن الخليل مدينة مفتوحة وأنه قد سلمها هو والمحافظ إلى القائد الإسرائيلي قبل ذلك بيوم أي يوم الثلاثاء وفي مساء الخميس 8/6 دخل اليهود الخليل دون أي قتال وذلك بعد وقف القتال فعلا في جميع جبهة الأردن. هذه بعض وقائع سير المعركة في الضفة الغربية أي هذه بعض وقائع تسليم الملك حسين للضفة الغربية لإسرائيل وإشرافه بنفسه على هذا التسليم خشية التمرد, فهل بعد هذه الوقائع الدامغة يبقى إنسان لا يدرك أن الانجليز هم الذين تآمروا على إبادة السلاح الجوى المصري وتقتيل الجيش المصري وأنهم هم وعميلهم الخائن حسين قد سلموا الضفة الغربية وسلموا المسجد الأقصى لإسرائيل لترفع فوقه علم صهيون, نعم إن الانجليز هم الذين قادوا إسرائيل لهذه المعركة وان الخائن الملك حسين هو الذي تولى وباشر تسليم الضفة الغربية والمسجد الأقصى .
هذا هو واقع المأساة المخزية التي حصلت وهذا هو سيرها. أما ما هو الذي سيترتب على ذلك في قضية فلسطين فان انجلترا في مخططها إيجاد حرب واسعة في المنطقة تريد ضرب عبد الناصر عميل أمريكا وتصفية قضية فلسطين, وإيجاد الهلال الخصيب. وهي قد حاولت ذلك منذ شباط 1966 وتستطيع حتى الآن رغم جميع المحاولات أن تنجح. ولكنها الآن في هذه الحرب الواسعة في فلسطين وسيناء نجحت في ضرب عبد الناصر ضربة بليغة جدا إن لم تكن شبه مميتة. ووضعت لنفسها ركائز قوية لتصفية قضية فلسطين ولكن لا يوجد ما يدل على أنها ستنجح في مشروعها مشروع بورقيبة بهذه الحرب الواسعة وبذلك نقول أنها أوجدت ركائز فقط ولم تنجح في السير بالقضية للتصفية. أما نجاحها في الركائز فان الاحتلالات التي حصلت من إسرائيل هي الركائز وهي موضع المساومات وأما عدم نجاحها في إيجاد مشروعها فان موضوع ألازمة ليس قضية فلسطين بل البوليس الدولي وخليج العقبة ليس غير. ولهذا فان ما قامت به إسرائيل من احتلالات في الضفة الغربية وفي سيناء لن يكون احتلالا دائميا وإنما سيكون احتلالا مؤقتا كاحتلال سيناء وغزة سنة 1956 وستقوم إسرائيل بالمفاوضة على الخروج من الأمكنة التي احتلتها مقابل تنازلات ولذلك لن يكون هو سبيل التصفية بل هو ركائز لحلول التصفية وعليه فان أمريكا الآن ستقوم بنشاط سياسي خارج الأمم المتحدة وداخلها هي وروسيا لإخراج إسرائيل من الأمكنة التي احتلتها وللدخول في مفاوضات في قضية اللاجئين للسير في مشروعها لحل قضية فلسطين. وبذلك تكون نتيجة هذه العملية هي السير الفعلي نحو تصفية قضية فلسطين سواء حسب المشروع الأمريكي أو حسب المشروع الانجليزي ومهما يكن من أمر فان القضية الآن بعد هذه الاحتلالات من إسرائيل قد صار من الإجرام أن يسير مسلم واحد فيها في أي طريق سياسي, لأنهلم يبق لها إلا طريق واحد ليس غير هو الطريق العسكري, طريق الحرب غير المحدودة, الحرب المدمرة, ولا طريق غيرها على الإطلاق. لذلك فإننا ندعو المسلمين في جميع أقطار الدنيا لإنقاذ المسجد الأقصى وإنقاذ فلسطين ونهيب بهم أن يهبوا للجهاد فاليوم قد طاب الضراب.
4 ربيع أول سنة 1387
12/6/1967