الرباط ـ من رضا الأعرجي: بعد مضي ثلاثة اعوام على صدور كتابه «آخر الملوك» الذي أثار ضجة واسعة لتعرضه الى الحياة الخاصّة للملك محمد السادس والى مستقبل الأسرة العلوية الحاكمة في المغرب، يعود الصحافي الفرنسي جان بيير توكوا بكتاب آخر بعنوان «جلالة الملك، أنا مدين لوالدك بالكثير»، يتوقع أن يضاعف من تلك الضجة، لما يكشف عنه من تفاصيل تدور في كواليس العلاقات المغربية ــ الفرنسية، وعن علاقات الرئيس الفرنسي جاك شيراك مع العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني، مستندا الى الكثير من الوثائق التي حصل عليها من قصر «الاليزية».
ويعد توكوا (مواليد العام 1952) الكاتب في صحيفة «لوموند» الفرنسية من المتخصصين بشؤون أفريقيا والمغرب العربي، لكنه يصنف ضمن الصحافيين المشاغبين أو الذين لا يجيدون المديح، فهو ممنوع من زيارة الجزائر لتركيزه على الأحداث فيها، خصوصا بعد انتخابات عام 1999 ووصول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الى الحكم, وبسبب كتابه «صديقنا بن علي» (بالاشتراك مع الصحافي الفرنسي نيكولا بو)، وهجومه القاسي على ادارة الرئيس التونسي الذي اتهمه بانتهاكات حقوق الانسان والفساد المنظّم ادى الى منعه من دخول تونس، كما سبق وأن أبعد من المغرب في أعقاب صدور كتابه المذكور، رغم انه اعترف أن عنوانه كان فظا بعض الشيء، لكن أراده رسالة يجب أن تصل الى النظام المغربي وهي أنه اذا بقي كما هو، وبقيت حاشية الملك تتلاعب بالديموقراطية، فان الملكية سوف تسقط.
علاقات استثنائية
يصف توكوا العلاقات المغربية ــ الفرنسية بأنها «قضية عائلية»، وهذا هو التحدي الذي تواجهه في الوقت الحاضر، لذلك يدعو الى عدم استمرارها بطابعها العائلي، أي أن تتم من خلال رئيسي البلدين، أو عبر بعض الدوائر الفرنسية التي ظلت في الغالب الى جانب العائلة الملكية المغربية، أو من خلال ما يعرف بـ «أصدقاء الملك»، أو عبر المصالح الاقتصادية الغامضة, ويقول: «اذا كانت فرنسا ترغب حقا، كما يصرح بذلك مسؤولوها، مساعدة المغرب، فعليها أن تعيد النظر في علاقاتها به، في الاتجاه الذي ينقلها الى علاقات موضوعية وأكثر شفافية».
ويحرص توكوا على ابراز المظاهر التي تمنح هذه العلاقات طابعا استثنائيا واضحا، طالما أثار استغراب الدول الأوروبية، فمنذ المارشال هوبيرل ليوتي أشهر مقيم فرنسي ابان عهد الحماية الفرنسية التي فرضت على المغرب (1912 ـ 1956)، ظل هذا البلد يسيل لعاب الفرنسيين، وبالمثل، ظل بلد الأنوار مغريا للمغاربة, فبالنسبة للفرنسيين، يمثل المغرب الشمس والطبيعة والطاجين (الطبق الشعبي)، وما عدا ذلك، فهو سوق مهمة للاستثمار، أما فرنسا بالنسبة للمغاربة فتعني الملاهي والبحث عن المتعة وبعض الأعمال، وهي ظاهرة ستتعمق وتتوطد أكثر بعد انتخاب جاك شيراك رئيسا للجمهورية الفرنسية، «فمن زيارة رسمية الى اقامة خاصة، ومن يوم دراسي الى توقيع اتفاق تجاري الى افتتاح ملتقى أو تدشين بناية رسمية، ازداد التقارب بين الرباط وباريس تعمقا الى حد أصبح يضرب به المثل في باقي عواصم الدول الأوروبية».
ويروي المؤلف كيف أصبحت فرنسا، في اطار علاقاتها بالمغرب، تمثل المرتبة الأولى في كل شيء، فهي المصدر الاول للسياح (مليون سائح فرنسي سنويا)، والشريك التجاري الاول، والمستثمر الأجنبي الاول، والمقترض الاول، والمانح الاول، ويتوقف المؤلف عند الجانب الاقتصادي طويلا، ليؤكد أن كبريات البنوك الفرنسية والشركات حاضرة في شوارع أهم المدن المغربية، مثل شركة «فيفاندي» التي وضعت يدها على «اتصالات المغرب»، ومجموعة «أكور» الفندقية التي أضحت بمثابة امبراطورية داخل المملكة، وكذلك شركة «بوينغ» التي غدت الآن «ملك البناء»، فبعد أن حازت على صفقة تشييد مسجد الحسن الثاني، استحوذت على صفقة أخرى لا تقل أهمية هي بناء ميناء طنجة المتوسطي، ومن المحتمل أن تحصل غدا على صفقة ميترو الدار البيضاء، اذ كان قد أعد العقد الخاص بها، الا أن وفاة الحسن الثاني أجلت المشروع.
ويمضي قائلا: «شركتا «سييس» و«فيوليا» تقتسمان سوق المواد الغذائية والمياه المعالجة، وكذلك تدبير نفايات المعامل الكبرى، أما شركة «دانون» فهي تغرق المغرب بمنتوجاتها، في وقت تهيمن «رينو» على سوق السيارات, وباختصار، فقد اشترى الفرنسيون كل شيء، وليس هناك من فلت من قبضتهم».
ورغم الواقعة التي يرويها الكاتب عن رفض الملك الحسن الثاني الاستجابة لطلب صديقه شيراك بتنويع علاقاته في مجال الطيران والاقتراب من شركة «ايرباص» الفرنسية، بدلا من أن يستمر وفيا لزبونه التقليدي «بوينغ» الاميركية، معللا رفضه بـ «دواع ديبلوماسية»، فان ذلك لم يمنع الفرنسيين، مع تولي الملك محمد السادس العرش، من النجاح في وضع حد للاحتكار الذي ظلت تمارسه شركة الطيران الاميركية في هذا المجال، حين عرضت شركة الخطوط الجوية الملكية المغربية عام 2005 على «ايرباص» صفقة تحديث جزء من معدات الطيران المغربي، قبل أن تحصل «داسو» الشركة الفرنسية المعروفة، عليها.
حفاوة اعلامية
يرى الكاتب أن وسائل الاعلام في فرنسا، أو على الأقل البعض منها، تولي العلاقات المغربية الفرنسية الاهتمام الواضح، على العكس من الصحافة الأسبانية التي تتصرف في كثير من الأحيان كمناهضة للملكية في المغرب، فالصحف الفرنسية تظهر في الغالب نوعا من الاحتفالية الاستثنائية عندما يتعلق الأمر بمعالجة قضايا المغرب، وقضايا الملكية فيه، بل ان واحدة منها وهي «باري ماتش» التي تتحكم فيها شركة «هاشيت» أصبحت تتصرف وكأنها أسبوعية رسمية للملكية في المغرب.
ويضيف: «كثيرة هي الأعداد التي خصصتها المجلة المذكورة لتمجيد الملك وعائلته، وهي تبقى في أكشاك البلاد أسابيع وأحيانا شهورا، من دون أن تخشى المنع، وتكون القاعدة فيها المحاباة، ويبدو أنها حصلت على حق احتكار صور العائلة الملكية وكل ما يتعلق بالقصر، وذروة ذلك كان من دون أدنى شك حصولها في نوفمبر 2005 على صورة جماعية للعائلة الملكية، (غابت فيها أم الملك وابن عمه الأمير مولاي هشام) لم يسبق لها أن التقطت في تاريخ المغرب.
ويؤكد توكوا، أن «هذه العلاقات الوطيدة المتبادلة كما اخترقت عالم الأعمال اخترقت أيضا عالم السياسة والسياسيين», ويوضح: «ليس هناك وزير فرنسي ليس له ارتباط بالمغرب، من رئيس الوزراء الحالي دومنيك دوفيليبان الى وزير المالية السابق دومنيك ستراوش كان، ومن وزير الخارجية السابق هيوبير فيدرين الى اليزابيث غيغو أو مارتن أوبري، بالمقابل، فان الكثير من السياسيين المغاربة، من مواقع مختلفة، يجدون في فرنسا بلدهم الثاني، بل ان الكثير منهم يحملون جنسيتها، فالمعارضون السابقون كانت فرنسا مستقرهم الرئيسي، وكذلك الأمر بالنسبة للمسؤولين الحكوميين من رئيس الوزراء السابق الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي الى ادريس البصري وزير الداخلية القوي على عهد الملك الراحل الحسن الثاني».
ويكشف الكاتب أن للمستشار الملكي في الشؤون الاقتصادية أندريه أزولاي والأمراء والأميرات، وحتى الملك، ممتلكات في فرنسا، والشخص الوحيد الذي فضل الاستقرار في ألمانيا بدلا منها هو عبد الفتاح فرج (توفي نهاية 2005) السكرتير الخاص السابق للملك لأن زوجته ألمانية.
محامي المغرب
يؤكد الكاتب أن «الرئيس شيراك نفسه، يوجد في قلب هذه الظاهرة، اذ طالما شدد على أن علاقته بملك المغرب وبعائلته، كما أن واقع الممارسة كشف الى أي حد ظل هذا البلد حاضرا في «أجندة الرئيس» وفي اهتماماته المختلفة الى الدرجة التي جعلت صحيفة «الباييس» الأسبانية تطلق عليه اسم «شيراك العلوي» نسبة الى الأسرة العلوية التي تتعاقب على حكم المغرب منذ قرون، فالى جانب حرصه الشديد على أن يجعل من المغرب مستقره الثاني ومكانه المفضل لقضاء عطله الخاصة (من قبل في مراكش وفي ما بعد في تارودانت) ظل بمثابة «محامي» المملكة والمدافع عنها وعن قضاياها».
ويضرب الكاتب المثل على ذلك بموقفين أولهما معارضة شيراك أي اختيار من شأنه أن يمس بمصالح المغرب في قضية الصحراء، حتى عندما كان المجتمع الدولي يتجه نحو اعتماد مخطط بيكر (جيمس بيكر وزير الخارجية الاميركي الأسبق والممثل الأسبق للأمين العام للأمم المتحدة في الصحراء الغربية) بشأن تقسيم المنطقة بين المغرب وجبهة البوليساريو، اذ تدخل «صديق المغرب» لوضع تعديلات على صيغة هذا المخطط تصب في صالح المغرب، والموقف الثاني تجلى في قضية «جزيرة ليلى» التي تسببت بأزمة ديبلوماسية غير مسبوقة في تاريخ العلاقات المغربية الأسبانية، وكان شيراك حاضرا بقوة الى جانب المغرب، للحيلولة دون أن تقوم الأجهزة الأوروبية باتخاذ موقف متطرف ضد المغرب، ومن أجل لجم أسبانيا حتى لا تقوم بردود فعل عنيفة تجاه جارها الجنوبي,
وهذا الموقف الفرنسي أقلق كثيرا أسبانيا، كما كشف ذلك رئيس حكومتها في ذلك الوقت خوسيه ماريا أزنار، بعد أربعة اعوام من الحادث، حين صرح بأنه: «لم يكن المغرب وحده وراء المبادرة (الدخول الى جزيرة ليلى)، بل كانت هناك دولة أخرى, لقد كان مؤكدا أن شيراك ساند المغرب عندما غزا الجزيرة».
ومما يكشفه الكاتب هو أن دور «المحامي» هذا أخذ يلعبه شيراك حتى في بعض القضايا العائلية المحضة، ويقول: «كثيرا ما تدخل في قضايا من هذا النوع حتى أن الأميرة للامريم، كبرى بنات الملك الراحل الحسن الثاني، ظلت بالنسبة اليه الملجأ عندما يريد أن يوجه رسالة ما الى أخيها الملك».
ويواصل الكاتب: «اذا كانت البدايات الأولى لحكم الملك محمد السادس قد جعلت من مهمة الرئيس شيراك في الدفاع عن الملكية في المغرب سهلة نسبيا، اذ ظهرت الرغبة في طي صفحة اعوام حكم الحسن الثاني ومحيطه، وأصبح المغاربة يهتفون للملك لأنه يقود بنفسه سيارة رياضية أو يمارس «الجيتسكي»، أو يتوقف عند الضوء الأحمر ويؤدي الحساب في المطاعم (,,,) فان بداية تسرب الشك عن اختيارات «العهد الجديد» وخصوصا عندما لم يترك الملك الديموقراطي للحكومة سوى فتات من السلطة، وعندما لم يتدخل المدافع عن حقوق الانسان للحيلولة دون منع جرائد مستقلة، أو عندما أصبح ملك الفقراء أكثر المستثمرين في البلد، لم تمنع بداية الشك هذه الرئيس الفرنسي جاك شيراك من الاستمرار في الدفاع عن الملك محمد السادس، بل انه لم يتردد حتى في لحظات محرجة من أن يلعب دور المحامي، فحين طلب منه أحد الصحافيين الكاميرونيين في يناير عام 2001 التعليق على رفض الملك، خلال القمة الافريقية الفرنسية التي انعقدت وقتئذ بياوندي، الاقامة في الفندق نفسه الذي احتضن باقي الوفود المشاركة، أجاب بالقول: «سأستمر في الاقتناع به كما كان الشأن في اليوم الأول», وفي مناسبة أخرى، وعن موضوع عن الرئيس الجزائري رد بالجواب نفسه مع تغيير الحجة، اذ قال: «ليس سيئا، محيطه هو الذي يطرح مشاكل».
الوصية
يرى توكوا أن شيراك أصبح يدعم المغرب ونظامه بتحيز مضاعف منذ رحيل الحسن الثاني، والدليل على ذلك هو قضية علي المرابط، الصحافي المغربي الذي حكم عليه عام 2003 بالسجن النافذ أربعة اعوام بتهمة «المس بشخص الملك»، ما دفع منظمات «مراسلون بلا حدود» و«العفو الدولية» (أمنستي) و«الفيديرالية الدولية لحقوق الانسان» وأحزاب اليسار الأوروبي الى التعبير عن احتجاجهم على المس بحرية الصحافة، وتم عرض القضية على البرلمان الأوروبي، ولكن حين وجه سؤال لشيراك عن المرابط، خلال ندوة صحافية عقدت بالمغرب، لم يكن بامكانه أن يخفي كونه معنيا بهذه القضية، لأن الصحافي السجين يحمل أيضا الجنسية الفرنسية، لذلك، كان ينتظر من شيراك أن يدلي بموقفه من هذا الأمر، وأن يعمل على اثارة هذا الموضوع مع الملك محمد السادس، أو على الأقل التعبير عن تعاطفه من جانبه, لكن هذا الاعتقاد كان ينم عن الجهل بالرئيس، فقد رد قائلا: «لقد أدين المرابط من قبل قضاء يتمتع بالسيادة، ان الأمر يتعلق بقضية مغربية محضة، ولا يمكننا التدخل فيها».
ولكن، هل تخفي هذه العلاقة الجيدة بل المثيرة، أسرارا ما؟
لا يخفي كتاب توكوا غرضه، وهو ازاحة الستار عن الوجه الخفي عن هذه العلاقة التفضيلية التي يحظى بها المغرب من قبل فرنسا، وتحديدا من طرف الرئيس شيراك والتي لا يفسرها بالضرورة الدفاع عن المصالح الصناعية والاقتصادية الفرنسية، ولا حتى وصية الملك الحسن الثاني لصديقه شيراك، حين كان الأول ضيفا على الثاني قبل احد عشر يوما بالضبط من وفاته، حين طلب اليه خلال حديث قصير غلبت عليه العاطفة «أن يرعى بناته وأبناءه، وأن يكون لهم بمثابة الأب، وأن يساعد الملك المقبل محمد السادس في مهمته حينما يغادر هو الى دار البقاء».
وكلمة السر التي يملكها المؤلف هي تلك التي يحملها عنوان الكتاب «جلالة الملك، أنا مدين لوالدكم بالكثير»، تلك التي قالها شيراك للملك محمد السادس في البدايات الأولى لحكمه، قبل أن يضيف «اذا ما رغبتم فان كل ما منحني اياه سأبذل كل جهدي لكي أرده لك», وهذه العبارة، لم تكن مفاجئة للملك الشاب، بل جاءت لتؤكد ذلك الوعد السري، بل بما جرى قبله بأشهر، فحين ترددت الأخبار عن تردي الحالة الصحية للحسن الثاني، بعث الرئيس شيراك برسالة عن طريق أحد المقربين من ولي العهد، يطمئنه فيها بأن فرنسا ستكون، بعد اعتلائه العرش، شريكه الدائم، وأنه، أي الرئيس، سيكون حليفه في السراء والضراء».
ويقول الكاتب: «كان شيراك قبل وصوله الى رئاسة الجمهورية يدرك جيدا انه سيربح كثيرا من تطوير التقارب مع المغرب، فقد كان رؤساء وملوك دول عربية يرون في مجرد القرب من رئيس عربي مثل الحسن الثاني يعني انك شخص مؤهل للتعامل معه، وبالتالي الاعتماد عليه اذا اقتضى الأمر».
وينقل توكوا عن أحد الديبلوماسيين المغاربة قوله «لم تكن الحال بعيدا عن هذا التقدير، فقد تردد كثيرا أن العاهل المغربي كان أحد الذين أغدقوا الأموال بسخاء على جاك شيراك (الى جانب الرئيس الغابوني عمر بونغو)، وأن حقائب مكدسة بالأوراق المالية سافرت من الرباط في اتجاه باريس مع اقتراب موعد الانتخابات لفائدة «جاك الكبير»، ورغم كثرة ما تردد، فان الأدلة لم تكن موجودة، وأن الشكوك ظلت في حاجة الى من يؤكدها، فقد سبق لهشام المنداري (قتل في أسبانيا العام الماضي في ظروف غامضة)، المطلع على خبايا القصر، أن أقسم بأن الحسن الثاني كان يكلفه ببعض المهام الخاصة في الخارج، وأنه انتقل بين العاصمتين، لكن من دون أن يقدم أي دليل يثبت ذلك».
كما ينقل عن عارف آخر بما يجري خلف أسوار القصر يدعى رايموند ساسيا بأنه «مقتنع جدا بأن ادريس البصري قام، بتعليمات من الحسن الثاني، بنقل حقائب» لتمويل جاك شيراك», ويقول هذا الشاهد الذي بلغ عقده السابع ومازال على قيد الحياة «كان الملك يطلب من البصري أن يسلم قدرا ماليا معينا، وكان البصري، من تلقاء نفسه، يضاعف المبلغ مرتين أو ثلاث»، ولكن من غير أن يقدم الدليل على ذلك، في ما ظل البصري، المقيم حاليا في فرنسا، ينفي كونه اشترك في أي عملية لتمويل صديقه شيراك.
وفي قضايا من هذا النوع، يتم كل شيء من دون أن يترك أي أثر، وهذا ما يؤكده أحد المساعدين السابقين للحسن الثاني الذي فضل عدم ذكر اسمه، اذ ذكر للمؤلف أن «أحدهم كان يتحدث عبر الهاتف من باريس ويخبرنا بأن صديقا مشتركا سيزور المغرب، وكنا نفهم قصده, حينما يصل الوسيط، نرسل اليه أحد رجالنا ومعه ما جاء من أجله، وكان كل شيء تتم تسويته في بضع ساعات, لم يكن الأمر يحتاج الى وثائق أو توقيع أو وصل استلام كان الجميع يعرف دوره ويحترمه».
ويقول توكوا: «رجل واحد كان بامكانه توضيح هذا اللغز هو عبد الفتاح فرج الذي اختار الاقامة في ألمانيا، وأصبح يعيش في مأمن من الحاجة، فالرجل عمل طويلا كرئيس المكتب الخاص للحسن الثاني، ولم يكن يتوقف عن اجترار حنقه تجاه محمد السادس الذي أعفاه من مهامه في ظروف مهينة, لم يكن فرج خبيرا ماليا، بل المسؤول عن الصندوق والمالية، ويلعب دور المحاور للبنوك الفرنسية والبريطانية والسويسرية أو الاسبانية، حيث فتح الحسن الثاني حسابات مصرفية، وكان على علم بكل شيء، لكنه لا يريد الحديث, كان يقول لزواره القلائل: «لم يحن الوقت بعد» لكنه توفي في ديسمبر عام 2005 حاملا معه أسرار القصر.
وأخيرا يتساءل الكاتب: «من قام بالتأثير أكثر في الآخر، هل الحسن الثاني، الملك الذي يحسب حليف الغرب ويوسم رغم ذلك بالثقافة العربية، أم الديغولي المتحمس الذي يحلم بالوصول الى قصر الاليزية؟ لقد جاء الجواب من قبل شيراك، فخلال ندوة نظمت بهدف احياء ذكرى مرشده، أي بعد وفاة الملك بقليل، مرر الرئيس رسالة اعتراف من خلال ممثله ميشال بونيكورس السفير السابق قائلا: «أدين للحسن الثاني بنوع من الالمام بتعقد العالم العربي والاسلامي وقيمه، كما أدين له بتحليلاته الثاقبة للمآسي وكذلك لحظوظ السلام في الشرق الأوسط، كما أدين له بالادراك الواضح للرهانات الدولية، ولدور أوروبا في حوض المتوسط، وكذلك بما ينتظره العالم من فرنسا», بالمقابل، لم يسبق للحسن الثاني أن تحدث لشخص آخر عما يدين به للرئيس الفرنسي، لم يكن من الممكن أن يضع أمير المؤمنين نفسه في موقع من يتقدم بطلب ما».