في زمن العولمة الذي ساد في العشرين سنة الماضية تغلبت فكرة رفع الدولة ليدها عن الاقتصاد، وأصبحت مفاهيم “ السوق الحرة “ و “ اقتصاد السوق “ و” آليات السوق “ هي المفاهيم الرائجة لدى الدول والمؤسسات الدولية على حد سواء، وقادت أميركا العالم نحو فكرة امتناع الدولة عن التدخل في قوى السوق وترك الأمر للآليات الذاتية للقيام بدورها طبيعياً. إلا ّ أنّ ما جرى مؤخرا ً من تدخل سافر من قبل أميركا والدول الأوروبية في عمليات إنقاذ المؤسسات المالية المنهارة يُعتبر خروجاً صريحا ًعن سياسات السوق التي طالما تبجحت بها تلك الدول، وعودة صاغرة إلى السياسات الموجهة التي كانوا يعتبرونها من مخلفات العهد الاشتراكي البالي. والإجراءات التي اتخذتها الحكومات الغربية في تأميم وشراء ودعم البنوك والمؤسسات المالية المنهارة لا تمت بصلة لاقتصاد السوق بل إنها تعتبر من صلب النظام الاشتراكي البائد.
فقيام الحكومة الأميركية بإنقاذ شركتي الرهن العقاري “فاني ماي” و “فريدي ماك” ،وتوسط مجلس الاحتياطي الفدرالي في صفقة بيع بنك الاستثمار المنهار” بير ستيرنز “ لمؤسسة جي بي مورغان تشيس “، ووضع خطة إنقاذ حكومية بكلفة 700 مليار دولار لشراء الديون المتعثرة العائدة للقطاع الخاص، كل ذلك يعتبر تدخلا ً حكوميا ً مخالفا ً لليبيرالية الرأسمالية التي تتبناها إدارة بوش بشكل خاص.
وتجاهل الحكومة البريطانية لقيود منع الاحتكار لدمج بنك “لويدز تي اس بي “ مع بنك “ اتش بي أو اس “ وما سيؤدي ذلك إلى ظهور بنك مهيمن على الرهون العقارية والمدخرات، وتدخل الحكومة البريطانية رسميا ً في تأميم قسم الإقراض العقاري التابع لبنك “ برادفورد “ و “ بينجلي” ، فهذا كله يعتبر تدخلا ً سافرا ً للدولة في إدارة الاقتصاد وهو يخالف بل يناقض تماما سياسات السوق التي تتبناها بريطانيا في الصميم.
وقيام دول البيلونكس ( هولندا وبلجيكا واللوكسمبرغ ) بتأميم بنك “ فورتيس “ بتوجيه من البنك المركزي الأوروبي وضخ الحكومات الأوروبية لمليارات الدولارات في الأسواق يعتبر مناقضا ً لسياسات السوق تمام المناقضة.
وهكذا فإنّ هذه التراجعات الواضحة للأميركيين والأوروبيين في عدم تدخل الدولة في الاقتصاد تُعتبر في مقاييس الفكر الرأسمالي الأصلي ردة حقيقية عن النظام، وانقلابا ً جذريا ً ضد الرأسمالية، وإنكفاءا ً حادا ً إلى الوراء.
وبينما دافعت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس بعنجهية عن النظام الرأسمالي الليبرالي وزعمت في مقابلة مع ألـ (بي بي سي) أن: “الرأسمالية نظام اقتصادي مسؤول عن معظم التقدم الحاصل في المجالات في العالم لأنه يتيح للناس تحسين ظروف حياتهم” معتبرة أنه “لا يوجد أي بديل عن الرأسمالية” بينما زعمت رايس ذلك قال الرئيس الفرنسي: “إن حالة الاضطراب الاقتصادي التي أثارتها أزمات أسواق المال الأمريكية وضعت نهاية لاقتصاد السوق الحر، وأن العولمة تقترب من نهايتها مع أفول رأسمالية مالية فرضت منطقها على الاقتصاد بأسره وساهمت في انحراف مساره"، وأضاف: “إن فكرة القوة المطلقة للأسواق ووجوب عدم تقييدها بأي قواعد أو بأي تدخل سياسي كانت فكرة مجنونة” واقترح ساركوزي عقد قمة عالمية بعد الانتخابات الأمريكية تضم الدول السبع الصناعية إلى جانب البرازيل وروسيا والهند والصين لدراسة إمكانية وضع نظم قانونية جديدة للرأسمالية، معتبراً أن العالم في القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن يُدار بمؤسسات القرن العشرين.
وتحت عنوان “نهاية الحلم الأمريكي” كتب جاكوب هايلبرون مراسل صحيفة دير تاجسشبيجيل الألمانية الصادرة يوم الجمعة الفائت يقول: “إن السقوط المالي والأخلاقي الأمريكي الراهن لم يحدث بين عشية وضحاها، فالإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاهلت لعقود الاستثمار في البنية التحتية واستمرأت العيش من القروض الخارجية، وتوعدت الدول الأخرى إن لم تقتد بنموذجها الاقتصادي” واعتبر الكاتب أن “مشاهدة الأمريكيين انهيار أسهمهم في البورصة ومواصلة حكومتهم سياسة الاقتراض ولَّدَ لديهم إحساساً بما يمكن تسميته اغتصاباً اقتصادياً وشعوراً بأنهم يعيشون في دولة من العالم الثالث”.
وأما العالم الأمريكي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد جوزيف شتيجليس فقال: “إن الإجراءات الأمريكية المالية تشبه ما جرى في المكسيك بعد انهيارها الاقتصادي، وستؤدي إلى تكديس الأغنياء لثرواتهم، واستماتة الطبقة الوسطى والفقراء للبقاء على قيد الحياة، وخطر حدوث وضع سياسي متطرف مماثل لما جرى في ثلاثينيات القرن الماضي”.
وأما وليام سميث رئيس سميث لإدارة الأصول في نيويورك فقال: “ما سنراه هو أن القوي سيزداد قوة وأن الضعيف سيقضي نحبه”.
إنّ هذه الآراء الغربية التي عبّر أصحابها عن شكوكهم في سلامة النظام الرأسمالي وعن تشاؤمهم بإمكانية إصلاح النظام، وعن ضرورة التفكير بوضع نظام اقتصادي جديد إنما تُعبر عن حقيقة فساد هذا النظام وعقم عمليات إصلاحه وترقيعه.
لقد وصلت عمليات ترقيع النظام الرأسمالي وترميمه نهاية مداها، وقد حان الأوان للبحث عن نظام جديد، فيكفي خمسمائة عام مرت على هذا النظام الوضعي البائس، ويكفي ما عانت البشرية بسببه من ويلات ومآسي، وإطالة عمر هذا النظام يعد اليوم لم يعد يجدي لأنه استنفذ واستهلك ولم يعد قادرا ً على الحياة.
والإسلام هو البديل الوحيد الجاهز و القادر على تقديم العلاج الناجع للاقتصاد العالمي الذي أنهكته الأنظمة الرأسمالية والاشتراكية على مدى القرون الماضية لأنه نظام رباني من لدن عليم خبير.