معلوم أن النظام الرأسمالي هو نظام استعماري فاسد بكلياته وجزئياته كونه يفصل الدين عن الحياة ابتداء، وكونه يهتم فقط بالحفاظ على حريات الأفراد ويهمل حقوق الجماعة، فيركز على الفرد ويخصه بنظرته، ويُسخر الدولة بحكامها و بجيشها ودركها وقوانينها للسهر على خدمته، وحراسة ممتلكاته، علماً بأن هذا الفرد لا يشكل في أحسن الأحوال أكثر من نسبة عشرة في المائة من مجموع سكان الدولة.
لكن هذا النظام الرأسمالي الظالم لم يكتف بتقديس الفرد وتسخير الجماعة لخدمته بطريقة تعسفية بحيث أصبحت حفنة من الأثرياء الذين لا يتجاوز تعدادهم المائة نفر يمتلكون من الثروة بما يزيد عن ما يمتلكه نصف شعوب الأرض التي يتجاوز تعدادها ثلاثة المليارات نسمة.
نعم لم يكتف هذا النظام بذلك، بل إنه طوّر من أساليبه الشيطانية، ومنح المزيد من الامتيازات والحريات للأفراد على حساب الجماعة، فقام بخصخصة المرافق العامة وبيعها للأفراد المحظوظين بأبخس الأثمان، كما مكّن الأفراد الأثرياء من الاستيلاء على ثروات الشعوب الفقيرة من خلال لعبة العولمة وأسواق المال المفتوحة. ثمّ طوّر أخيرا ً تلك الأسواق فمنح المزيد من الحرية للأفراد الأثرياء في تلك الأسواق بحيث جعلهم يتلاعبون فيها بالمضاربة على كل السلع والمنتجات، ابتداءً من النفط والعملات وانتهاءً بالغذاء والدواء.
وتعتمد هذه المضاربات في واقعها على عنصر التخمين في بيع وشراء الأوراق المالية، فلا يوجد لها أي هدف سوى جني الأرباح الطائلة بدون كد أو تعب أو إنتاج. وكلمة المضاربات المصطلحة على هذا الواقع هي ترجمة خاطئة للكلمة الانجليزية ) Speculation )، وتعني التنبؤ أو التخمين، ولا علاقة لها بمفهوم المضاربة في الشرع الإسلامي الذي يعتمد على معنى عقد الشراكة بين البدن والمال.
فالمضاربات في البورصات هي عبارة عن شراء المضاربين للأوراق المالية من أسهم وسندات وعملات ثم بيعها عند ارتفاع سعرها لجني الأرباح السريعة بالاعتماد على تغير أسعارها في المستقبل. ويُراهن المضارب في بيعه للأوراق المالية على خبرته في الأسعار، وتغيرها. ويلجأ الكثير من المضاربين، أو وكلائهم، إلى نشر الأكاذيب والإشاعات والأساليب الملتوية للتأثير على حركة التداول داخل الأسواق المالية لصالح أسهم شركات معينة، كما يتآمر آخرون منهم للنصب على صغار المساهمين وابتلاع مدّخراتهم.
والفرق بين المضاربة والاستثمار العادي في الأسواق المالية هو أن المضاربين يعتمدون على عمليات البيع والشراء للأوراق المالية للاستفادة من فروق الأسعار بالاعتماد على التنبؤ بتغيير قيمها لجني أعلى العوائد في أقصر مدة زمنية، بينما المستثمر العادي يلجأ عادة إلى شراء الأسهم وحيازتها أملا ً في الاستفادة من عوائدها المتوقعة في الأجل الطويل.
إن الأسواق المالية بحد ذاتها وبقدر ما هي مصدر كبير للإثراء الفاحش لقلة من الأغنياء، بقدر ما هي مصدر كبير للإفقار المدقع للكثرة الكاثرة من الفقراء، فهي أسواق تقتات على أقوات الجائعين والمحرومين، وهي أسواق وهمية طفيلية لا تفيد المجتمع ولا ينتفع منها عامة الناس، ولا تعكس الحالة الحقيقية لإنتاج البلد، مع أن حجم الأموال المتداولة فيها تفوق بعشرات الأضعاف حجم الأموال الموجودة على الأرض.
وتلعب المضاربات الدور الأبرز في تضخيم حجم الأموال المتداولة في الأسواق المالية، فلقد توسعت المضاربات في السنوات العشر الأخيرة بحيث طغت على كل ما سواها، وتسببت في جميع موجات الغلاء الفاحشة التي شهدتها الأسواق العالمية، كارتفاع أسعر النفط والمعادن والقمح وسائر أسعار المواد الغذائية الأخرى، وكما كانت المضاربات وراء ارتفاع تلك الأسعار، كانت هي أيضا ً وراء انخفاض سعر النفط في هذه الأيام، فقد أصبحت تؤثر في أسعار جميع السلع بأكثر مما تؤثر فيها عوامل العرض والطلب، وهي بذلك أصبحت تشكّل أخطارا ً جديدة لم تكن موجودة من قبل، وقد تعصف بواقع التجارة العالمية بكليته، وربما تُطيح بالقوى الاقتصادية الحقيقية برمتها.
ولا نُبالغ إن قلنا إن ما يجري في هذه الأيام من انهيارات كارثية للمصارف، كانت المضاربات من أهم أسبابها، لذلك لم يكن غريبا ً أن السياسيين من غير الأميركيين قد انتقدوها بمرارة شديدة، وطالبوا بفرض قيود صارمة على المضاربين، ونعتوهم بأقذع الأوصاف، وطالبوا بمحاسبتهم، ووضع حدود لمضارباتهم.
وقد تنبه الكثيرون منهم لخطورتها مبكرا ً، كمهاتير محمد رئيس وزراء اندونيسيا السابق، وكالرئيس البرازيلي لويس لولا سيلفا الذي قال : “ إن الأسواق الناشئة التي قامت بكل ما يلزم لتبقى اقتصادياتها مستقرة، لا يمكن اليوم أن تكون ضحية للكازينو الذي أداره الأميركيون بأنفسهم” . وأما الرئيس الفرنسي فتنبه متأخرا ً إلى خطورة المضاربات فقال : “ لقد حان الوقت لجعل الرأسمالية أخلاقية بتوجيهها إلى وظيفتها الصحيحة، وهي خدمة التنمية الاقتصادية وقوى الإنتاج، والابتعاد تماما ًعن قوى المضاربة “ وطالب ساركوزي بوضع “ أساس لرأسمالية التجارة بدلا ً من رأسمالية المضاربات “ على حد تعبيره.
وخلاصة القول في خطورة المضاربات التي تأذّى منها ، وانتقدها الرأسماليون أنفسهم، أنها طريقة جمعت في طياتها كل مساوئ ومضار ومهالك النظام الرأسمالي، أي أنها عصارة ما تفتقت عنه ذهنية الإنسان المرابي الجشع الذي لا همّ له إلا ّ استغلال الناس وسرقة أموالهم بكل أوتي من أساليب ملتوية ابتدعها قراصنة المال. وبالإجمال يمكن القول في المضاربات أنها تحتوي على خمس قواصم مهلكة :
الأولى : الفوائد الربوية.
الثانية : العملات الإلزامية غير المغطاة.
الثالثة : البيع والشراء بغير تقابض.
الرابعة : المجازفة بالاعتماد على العامل الغيبي في البيع والشراء كالتنبؤ والتخمين والحظ.
الخامسة : اعتماد أساليب الكذب والغش والاحتيال والتمويه والتآمر في رفع الأسعار وتخفيضها.
ولتقريب الصورة أكثر علينا أن نستذكر قصة الملياردير الأميركي اليهودي الشهير جورج سوروس وكيف ضارب ذات مرة في الأسواق المالية الناشئة لاندونيسيا وتايلاند، فدمّر اقتصادهما، ونهب أموالهما، وأعادهما عشرين عاما ً إلى الوراء في ضربة واحدة.
هذه هي خلاصة المضاربات، وهذا هو السلاح الجديد للرأسمالية الليبرالية الأميركية الجديدة، وهذه هي نتائجها المدمرة على دول العالم وشعوبه.