الفائزون الكبار في الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في دولة يهود الثلاثاء الماضي غالبيتهم من غلاة اليمين الذين لا يريدون أية تسوية سياسية حتى مع السلطة الفلسطينية التي يرأسها محمود عباس أحد صنائعهم وصنائع الأمريكان.
فحزب الليكود وزعيمه نتنياهو لا يفكر إلا بما وصفه بـِ(السلام الاقتصادي) مع الفلسطينيين، وهذا يعني استمرار خضوع مناطق السلطة خضوعاً تاماً للاحتلال حتى في توفير قوتها اليومي.
وأما زعيم حزب (إسرائيل بيتنا) أفيغدور ليبرمان فهو لا يعترف أصلاً بشيء للفلسطينيين ويريد ترحيل من تبقى منهم من عرب 48 من الجليل والمثلث، كما يريد القضاء نهائياً على المقاومة بكل أشكالها وألوانها.
وأما حزب شاس الديني فيحرم حاخاماته التخلي عن أي جزء مما يُسمى بأرض إسرائيل لصالح العرب، وكذلك باقي الأحزاب الصغيرة، فلا يريد أي منها المضي في أية تسوية مع السلطة الفلسطينية.
لقد تحول حزب كاديما بزعامة تسيبي ليفني التي تُصر على اعتبار القدس عاصمة إسرائيل الأبدية مع أنها من أتباع نظرية شارون التي تقوم على ذبح الفلسطينيين بشكل دوري كلما تقوم لهم قائمة، وهكذا فلا يطرح قادة اليهود على العرب والفلسطينيين إلا الحل الأمني وفقاً لمعادلة الأمن مقابل الأمن أو السلام مقابل السلام أما الأرض فيجب أن تظل مع اليهود. إن نتيجة هذه الانتخابات تؤكد حقيقة أن التعامل مع كيان يهود لا ينبغي أن تكون إلا من خلال القوة التي لا يفهم هذا الكيان لغة سواها.
أما أدعياء التفاوض والتسوية السلمية مع حكومات هذا الكيان فقد تلقوا لطمة قاسية على وجوههم بعدما وصلت مفاوضاتهم العقيمة التي استمرت عشرات السنين إلى طريق مسدود.
فمنذ اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بالقرارات الدولية وقبلوا بالسيادة اليهودية على الأراضي المغتصبة عام 48 وحتى الآن لم يجن الفلسطينيون من سلوك زعمائهم لهذا الطريق سوى الكوارث والمذابح والمزيد من المعاناة.
فمسيرة عشرين عاماً من الانبطاح والاستسلام لرغبات العدو لم تحرر شبراً واحداً من الأرض ولم ترفع حاجزاً واحداً ولم توقف الاستيطان ولم تعيد أي حق من حقوق أهل فلسطين. بل على العكس من ذلك تماماً فبعد كل عرس من أعراس الخيانة أو محطة من محطاتها يقوم العدو اليهودي بالتوسع في الاستيطان وتهويد القدس وابتلاع الأرض وقتل الناس ومصادرة حقوقهم. فقد حصل هذا بعد مدريد وأوسلو وواي بلانتيشن وطابا والقاهرة وشرم الشيخ وأنا بوليس.
فهؤلاء الذين رهنوا قضية شعبهم بإستراتيجية (الاستسلام) لليهود يُفترض أنهم بعد هذه التجربة الطويلة من خيبات الأمل مع دولة يهود أن يكونوا قد استفاقوا من الوهم الذي سوَّقوه لشعبهم طيلة الأعوام المضنية التي ألقت بظلالها الكئيبة على الناس.
لكن يبدو أن هؤلاء الأشقياء الذين نسوا الله فنسيهم، يُصرون على الاستمرار في هذا النهج أو النفق المظلم الذي لا أمل في الخروج منه، فهم قد ألفوا العتمة، وأي شعاع من النور يعمي أبصارهم.