جميع التصريحات التي تصدر عن كبار المسؤولين الإيرانيين يلاحظ فيها أن رابطة القومية الفارسية هي الزاوية التي تستند إليها تلك التصريحات، بينما لا يُشكل الإسلام سوى الغطاء الشكلي للدولة.
وعلى سبيل المثال فالرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في آخر تصريحاته صرَّح بأنه لن يمنع الفلسطينيين من الاعتراف بالكيان اليهودي إذا هم قرَّروا ذلك فقال: “مهما كان القرار الذي يتخذونه، لا مشكلة لنا، لن نحول دونه، مهما كان القرار الذي سيتخذونه فإننا سندعمه ... بالنسبة لنا، المسألة تتعلق بحق الشعب الفلسطيني، ونأمل أن تكون وجهة نظر الدول الأخرى على هذا النحو"، ويؤكد هذا الرأي كلام المرشد الأعلى (للجمهورية الإسلامية) في إيران آية الله علي خامنئي الذي اعتبر أن “مصير فلسطين ينبغي أن يُحدده استفتاء يشمل جميع الفلسطينيين واللاجئين ...”.
إن مثل هذه التصريحات تعني أن قضية فلسطين بالنسبة لحكام إيران ليست قضية إسلامية تهم المسلمين جميعاً بل هي قضية أهل فلسطين وحدهم، وبالتالي فإن ممثلي الفلسطينيين هم الذين يقررون ويبتون في الشأن الفلسطيني، فإذا أرادوا الاعتراف بدولة يهود وإقامة دويلة فلسطينية هزيلة إلى جانبها فلهم ذلك، وإذا أرادوا التنازل عن نصف المسجد الأقصى مثلاً فلهم ذلك، فإيران مهمتها فقط هي دعم الفلسطينيين في اختيارهم ولو كان ذلك الاختيار غير شرعي. إن هذه النظرة القومية الفارسية للقضية الفلسطينية لا تختلف عن النظرة القومية العربية لها، فالفرس وفقاً لهذه النظرة أصبحوا كالعرب الذين نفضوا أيديهم عن القضية الفلسطينية وتركوها للفلسطينيين الذين لا طاقة لهم بمواجهة دولة يهود المدعومة من قبل أمريكا وأوروبا والعالم.
ولو كانت الدولة في إيران جادة في إزالة كيان يهود كما يقول أحمدي نجاد لما أوكل قادتها مصير فلسطين -أرض الإسراء والمعراج- لمجموعة من التنظيمات الفلسطينية الضعيفة التي لا حول لها ولا قوة، ولاعتبروا أن القضية الفلسطينية هي قضيتهم وقضية كل الشعوب الإسلامية، ولأكدوا على أن حلها لا يكون إلا بالجهاد المفضي إلى القضاء التام على كيان يهود، أما الحديث عن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وفي حل القضية الفلسطينية كما يتراءى لهم ففيه تهرب واضح من الحل الشرعي للقضية، وفيه تنصل كامل من المسؤولية المتعلقة بأهم وأخطر قضايا الأمة.
إن هذه المواقف الإيرانية السياسية تؤكد أن كلام أحمدي نجاد عن إزالة (إسرائيل) من الخارطة ما هو سوى مزايدات إعلامية للاستهلاك المحلي.
وما يؤكد هذه النظرة الفارسية للشأن الفلسطيني الاحتجاج الشديد الذي تبديه الدولة الإيرانية فيما يتعلق بإطلاق الدول العربية لفظ (الخليج العربي) على الخليج الفاصل بين إيران والدول العربية الخليجية وعدم استخدام (الخليج الفارسي) عليه، وقد قال أحد المسؤولين الإيرانيين أن استخدام تعبير (الخليج العربي) هو مؤامرة كبرى يجب التصدي لها لأن الخليج هو فارسي وبريطانيا هي التي غيَّرت اسمه إلى (الخليج العربي)!!.
إن هذه النظرة الساذجة للاسم، وهذا التعصب الأعمى لإضافة كلمة الفارسي على الخليج يؤكد وجود البعد القومي الفارسي للدولة في إيران ويدلل على اعتباره المنطلق أو الأساس الذي تستند إليه كل السياسات الرسمية للدولة الإيرانية. على أن استخدام المسلمين الأوائل لأسماء البحار والخلجان بأسماء غير عربية لا يدل على تمليك تلك البحار والخلجان الشعوب غير العربية أو غير الإسلامية وإنما يدل على الدلالة الجغرافية فقط، فخليج فارس مثلاً كان يعني بالنسبة للدولة الإسلامية هو ذلك الخليج الذي يوصل إلى بلاد الفرس تماماً، وكذلك كان يعني إطلاق بحر الروم على البحر المتوسط فهو كان يعني أن هذا البحر هو الذي يوصل إلى بلاد الروم وليس أن هذا البحر هو ملك للشعوب الرومانية.
فإطلاق اسم الخليج الفارسي من جانب العرب يعني أنه هو الخليج الذي يتصل ببلاد الفرس، وإطلاق اسم الخليج العربي من جهة إيران يعني أنه هو الخليج الذي يتصل ببلاد العرب ولا دخل للقومية العربية أو الفارسية في إطلاق الاسم.
وقد يكون من الأفضل أن نطلق على الخليج اسم الخليج الإسلامي لاستبعاد وجود أي شبهة للنعرة القومية في تسميته.
إن الارتباط القومي الفارسي الجاهلي بالنظام الحاكم في إيران يطغى حتى على الارتباط المذهبي البغيض لديه، وهو أمر مذموم من شأنه أن يكرس ويثبت عوامل الفرقة والانقسام والتشرذم بين الشعوب الإسلامية.
إن المطلوب من الشعوب الإسلامية سواء أكانت في غيران أم في البلاد العربية أم في تركيا أم في غيرها من ديار المسلمين إسقاط الروابط القومية النتنة من تفكيرها، وأن تركز فقط على رابطة المبدأ الإسلامي التي تنص على أن المؤمنين إخوة مهما اختلفت أعراقهم وجنسياتهم وأن التقوى معيار التفاضل الوحيد المعترف به في الإسلام.