الديمقراطية كنظام حكم ما زالت تُثبت زيفها وفسادها مع خوض كل تجربة ديمقراطية جديدة، والتجربتان الديمقراطيتان في لبنان وأفغانستان تنطقان بهذه الحقيقة، ففي لبنان أُجريت الانتخابات الديمقراطية قبل عدة شهور، ولم تُفلح حتى الآن من إفراز حكومة تمثل الأغلبية. فما زالت المناورات والمداولات والمزايدات والمساومات تستحوذ على السياسيين، وعلى الأحزاب والقوى الطائفية والجبهوية على حد سواء، والحديث عن الحقائب الوزارية والتوزير والاستيزار، وحسابات المصالح الشخصية والحزبية، و مقاييس النفوذ الداخلي والوجاهة والزعامة، كل ذلك أصبح يطغى على السياسة وعلى السياسيين، ولا ننسى الحديث عن تدخلات القوى الإقليمية والعالمية التي باتت تلقي ظلالاً كثيفة وثقيلة من التعقيدات والاشتراطات السياسية اللا متناهية.
وهذا كله الذي وجد بسبب الانتخابات الديمقراطية في لبنان أوجد حالة الإرباك والتخبط والتنطع بين الفرقاء المتشاكسين ألقت بدورها ذيولاً من الشك والريبة في قرب الاستيلاد العسير للحكومة المستعصية.
فالدولة بأسرها باتت في حالة شلل سياسي شامل تنتظر تأليف حكومة التوافق بين المتناحرين والمتشاكسين، والسياسيون أصبحوا يتحدثون بلغة المطابخ والطَّباخين، فعلى سبيل المثال يلخص نواف الموسوي أحد نواب البرلمان المشهد السياسي اللبناني بمثل تلك المفردات فيقول: “إن مواد الطبخة أصبحت جاهزة ومؤمنة وعلى الطَّباخ أن يُحسن طبخها”.
هذه هي ديمقراطية لبنان التي تعتبر عند الكثيرين أفضل ديمقراطية عربية، وهذا هو واقعها المزري.
أما في أفغانستان فالتجربة الثانية للديمقراطية فيها تدخل في حالة الموت السريري، بحيث أن ما يُسمى بالمجتمع الدولي الذي يرعاها وعلى رأسه أمريكا وعلى لسان مبعوثها ريتشارد هولبروك بات يشكك في نتائجها. فهذه الانتخابات الديمقراطية التي أُجريت قبل أكثر من شهر في أفغانستان أصبحت نتائجها جزءاً من المشكلة وليست جزءاً من الحل، وعملاء أمريكا في أفغانستان من الحكام والسياسيين المعارضين لم يعودوا يمثلون أي شيء في البلد لدرجة أن الإدارة الأمريكية نفسها لم تعد تثق بهم، وتحولت ديمقراطيتهم الواعدة كما كانوا يصفونها في أفغانستان إلى ديمقراطية مع وقف التنفيذ!!.
لقد أثبتت الانتخابات الديمقراطية في أفغانستان بالفعل أنها أكبر مهزلة ديمقراطية يُجريها الغرب بقيادة أمريكا في التاريخ، وغدت ألعوبة أمريكية غير صالحة للعبث فيها. فهذا هو زيف الديمقراطية بدا واضحاً للعيان في بلاد المسلمين وبالذات في لبنان وأفغانستان.
على أن فساد الديمقراطية ليس مقتصراً على تجاربها في البلدان الإسلامية وحسب، بل إن فسادها صار ينخر في كل بلد تبناها وطبقها كنظام حكم. فقد أثبتت الديمقراطية أنها مصدر رئيس للانقسام الأهلي في كثير من البلدان غير الاسلامية التي طُبِّقت فيها مثل أوكرانيا وجورجيا في أوروبا، وكينيا وتنزانيا في أفريقيا، وتايلاند وميانمار في آسيا، وفنزويلا وبوليفيا في أمريكا اللاتينية، وأخيراً هندوراس في أمريكا الوسطى.
ففساد الديمقراطية كامن في نفس فكرتها، وكامن أيضاً في آلية تطبيقها، وفي نتائجها، والتي غالباً ما تحرم الخاسرين في الانتخابات من حقوقهم السياسية، والذين قد يصل تعدادهم إلى ما يقارب نصف السكان، يُحرمون من المشاركة في الحكم بحجة أنهم لم يفوزوا في الانتخابات.
أما ما يشيعونه عن نجاح الديمقراطية في أمريكا وأوروبا فهو زعم زائف لا أساس له؛ لأن حكمهم على نجاح تلك الديمقراطيات ليس مرده إلى صلاحية فكرة الديمقراطية نفسها كنظام حكم، بل مرده إلى تقدم تلك الدول وتطورها قياساً بالدول المتخلفة، فهو حكم على نجاح الدول في ازدهارها وغناها وليس حكماً على نجاح الديمقراطية فيها. لذلك كان من الطبيعي أن يكون الحكم بالنجاح في هذه الحالة لصالح تلك الدول؛ لأن مقارنة السيء بالأسوأ يظهر دائماً عند العامة أن السيء أفضل من الأسوأ في كل الأحوال. ولو أن الناس عاشوا في ظل نظام الحكم الإسلامي، وعرفوه عن قرب، وعايشوه من ناحية واقعية لاستطاعوا وبكل سهولة الحكم على الديمقراطية بالزيف والفساد وبشكل تلقائي، وذلك بعد أن يقارنوا بين الواقعين. ولكن في غياب دولة الاسلام الحقيقية، وغياب نظام الحكم الاسلامي لا يجدون أمامهم سوى القبول بما هو موجود من ديمقراطية فاسدة ظالمة
ومن هنا فالمدقق في فكرة الديمقراطية والمتعمق فيها يجدها فكرة فاسدة عفنة، ويجد نظام الحكم المطبق لها هشاً ومضعضعاً، ويجد أن ما يُبقي الديمقراطية على قيد الحياة هو غياب البديل الاسلامي الذي يتجسد في نظام حكم إسلامي حقيقي.