إن لنا في رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الأسوة الحسنةُ في علو الهمة في حمله للإسلام ودعوته له فقد وقف وحيداً في مكة يدعو ولم يثنه إعراض القريب ولا لؤم البعيد وقال في اشد المراحل صعوبة ( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن اترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو اهلك دونه) وعندما هاجر إلى المدينة قاد صلى الله عليه وآله وسلم في عشر سنين سبعاً وعشرين غزوة . وقد روى مسلم والبخاري عن أبي هريرةَ قال:قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (والذي نفسي بيده لو أن رجالاً من المسلمينَ لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني،ولا أجد ما احملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله،والذي نفسي بيده لوددت أن اقتل في سبيل الله ثم أحيى ثم اقتل ثم أحيى ثم اقتل ثم أحيى ثم اقتل)....و روي عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ( من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه،كلما سمع هيعةً أو نزعة طار إليها،يبتغي القتل أو الموت مظانّةً) والهيعة : الصيحة يفزع منها والفزعة هي نداء المستغيث .
وقد علم أصحابه خلق علو الهمة والتطلع الدائم للكمال،والسعي إليه والنفور من النقص وكراهيته،والترفع عن الخوف والجبن والاستخذاء ومن الظهور بمظاهره وفي الحديث (إن الله يحب معالي الأمور و يبغض سفاسفها) وفي حديث آخر (أن الله رضي لكم مكارم الأخلاق وكره لكم سفاسفها) وفي المغني جـ7 ص219 أنه قال : لا تحل النهبى والمثله رواه البخاري وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه واله وسلم نهى عن النهبى و المثله ولان فيه نهياً وتزاحماً وقتالاً،وربما أخذه من يكره صاحب النـثار لحرصه وشرهه ودناءةِ نفسه وعرضه والغالب هذا،فإن أهل المروءات يصونونَ أنفسهم عن مزاحمة سفلة الناس على شيء من الطعام أو غيره ولان في هذه دناءة والله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها.
وفي شرح سنن ابن ماجه جـ1 ص292 في قوله صلى الله عليه واله وسلم سيأتي على الناس سنوات خداعات:أي يكثر فيها الأمطار ويقل الريع فذلك خداعها،لأنها تطمعهم في الخصب بالمطر ثم تخلف وقيل الخداعه قليلة المطر من خدع الريق إذا جف،وقوله وينطق فيها الرويبضة وتفسيره ما مَرّ من حديث انس قلنا يا رسول الله ما يظهر في الأمم قبلنا قال: الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالتكم والرجل التافه الرذيل والحقير والرويبضةُ تصغير رابضة وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور وقعد عن طلبها والتاء للمبالغة والسفساف هو الأمر الحقير والرديئ من كل شيء وهو ضد المعالي والمكارم ، وأصل السفساف ما يطير من غبار الدقيق حين نخله، وهذا ما وجه له الرسول أصحابه إذ حضهم على ابتغاء الكمال والتطلع إليه،ومن ذلك ما روى مسلم عن ابي هريرةَ قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (المؤمن القوي خير وأحب الى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير،احرص على ما ينفعك،واستعن بالله ولا تعجز، وان أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا ، ولكن قل قدر الله وما شاء الله فعل فإن (لو)تفتح عمل الشيطان) .
وهذا الحديث هو حث للمسلم للارتقاء لمراتب الكمال وتوجيه لطرد الشعور بالعجز الذي قد يصيب نفس الإنسان وذلك بتوجيهها لدوام الاستعانة بالله عز وجل القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء ،حتى يبقى المؤمن ضمن دائرة ارتباطه بالله فيمنحه هذا الشعور بهذا الارتباط قوةٍ معنوية تعينه وتشحنه حين يدرك حقاً انه في معية الله وأنه في كنفه وأنه عز وجل يمده بالعون فيقدم على العمل الجاد بإطمئنان نفس وثقةٍ غامرةٍ بأن مطلوبه متحقق بعون الله فلا قلق ولا اضطراب ولا تردد أو تذمر فهو دوماً في طاعة الله تحرك أم سكن.
إن القوي في الحديث هو صاحب الهمة العالية الذي يواجه الصعوبات وهو يسير في مراقي الكمال حاملاً الإسلام بقوةٍ وعزيمة مستعيناً بالله غير متخاذل ولا خائف،فكيف يعجز وعون الله يصاحبه فقد اعد العدة وأخذ بالأسباب وشحن نفسه بما يلزمها لتحقيق مراده حين مواجهة المستقبل وليس هذا وحسب بل يأمره بإغلاق باب الماضي حين يواجه حاضرة ومستقبله في قوله صلى الله عليه و سلم ( وان أصابك شيء فلا تقل لو أنى فعلت كذا كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فان لو تفتح عمل الشيطان).
إن الاشتغال بالتحسر والحزن على ما فات يفسد على الإنسان حاضره ويضيّع عليه كل زمن آتٍ يشغله باجترار الحزن والتحسر ،ثم يأتي زمن آخر يتحسر فيه على الزمن الذي ضيعه في الحزن والتحسر....وهكذا تتسلسل الأغنيةُ الشيطانية التي يقول فيها الإنسان (لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا).... وتأتي المنية وقد ضاع العمر وفني الشباب في حزن وتحسر على فوات الأماني وتضييع الفرص.
إن تحقيق الأهداف لا يكون بالندم على ما فات ولا باجترار الأحزان على الماضي، وإنما يكون بالعمل واستغلال كل وقت يمر به الإنسان لتحقيق هدفه وهذا من علو الهمة وأما إضاعة الحاضر حزناً على الماضي فإنه من نزول الهمة وهو انسياق وراء أوهامٍ ووساوس الشيطان وكلمة (لو) التي يتحسر فيها الإنسان فهي من عمل الشيطان وهو تبديد عمر الإنسان فيما لا خير فيه،فأبعد الأمور من الإنسان ما فاته في ماضي زمانه،فكل ماض فهو في حكم العقل بعيد لأنه غير ممكن الاسترجاع ولو كان قبل دقيقه، وكل مستقبل قريب ولو بعد سنة، ويمكنك إصلاح ما فات فيما أنت مقبل عليه فقد روى أبو داود عن عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى بين رجلين،فقال المقضُّى عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل،فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم ( إن الله تعالى يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس،فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل) والكيسُ هو التوقد والنشاط والعقل في التصرف والرفق في الأمور، وهذا هو شحن النفس العالية التي تطلب معالي الأمور وجليلها.
إن علو الهمة قد يكون بشدةٍ البأس حيناً، ويكون باللين والكفّ والترفع والتعفف حيناً،وربما يكون الترفع مع القدرةِ أدلّ على علو الهمة مع دلالة شدة البأس.
ومثال ذلك صورة أبي دجانة سمّاك بن خرشة في أُحد فقد كان ذا بأس شديد وهمة عالية،ومن علو همته رضي الله عنه،ما حدّث به عن نفسه.....قال رأيت إنساناً يخمش الناس خمشاً شديداً،فصمدت له فلما حملت عليه بالسيف وَلْوَلْ.....فإذا هو امرأة....قال فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن اضرب به امرأة .
إن لسان حال المسلم يقول دوما كما قال الشاعر:
كذا أنا يا دنيا إذا شئت فاذهبي
ويا نفسُ زيدي في كرائهها قدما
فلا عبرت بي ساعة لا تعزني
ولا صحبتني مهجة تقبل الظلما