إنهم أئمة الهدى تجسدت فيهم معالمه و إشراقاته ووسائله وغاياته ، فقد مثلوا لنا بخُلقهم الفاضل وسلوكهم النبيل ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير تمثيل عندما تحرّوا أفعاله وأقواله وسكناته كلها فاقتدوا به على قدر طاقاتهم البشرية التي أمدهم الله بها ليكونوا هم المثُلُ العليا لمن طلب معالي الأمور بعلو همتهم لمن أراد أن يتذكر أو يخشى.
إن هؤلاء الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكثرت ملازمتهم له وتعلموا منه فأدّبهم بأدب الإسلام ورباهم على شُعب الإيمان وأعدهم لتحمل أعباء حمل الدعوة ودعا لهم بالخير وتُوفي وهو راضٍ عنهم وأوصى بهم مَن بعدهم بل وحذرهم من إيذائهم ومخالفتهم ورغب في حبهم وطاعتهم ما أطاعوا الله عز وجل فقد روى ابن عبد البر في جامع الحكم في وصفهم ( أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم ) ، وروى احمد في مسنده و الترميذي في جامعه عن عبد الله بن مغفّل قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ( ليبلّغ الحاضر الغائب ، الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً – هدفاً – بعدى ، فمن احبهم فبحبّي أحبهم ، ومن ابغضهم فببغضي ابغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه ، ومن يأخذه فيوشك أن لا يُفلته ) .
إن هؤلاء الصحبة الأخيار أمنةٌ لمن بعدهم فإنهم الرجال الذين لا يستطيع اللسان أن يعبر عن مآثرهم ولا عن جوانب العظمة فيهم إلا على استحياء يصحبه شعور بالقصور والتقصير إذ أن علو الهمة عند الرجال تتفاوت مراتبها ودرجاتها كتفاوت الكواكب والنجوم في عليائها .
إن مظاهر العظمة وعلو الهمة تعرف ولا توصف ، مثلها في ذلك كمثل الجمال فإنه وصف مركب من جملة خصائص وسمات عقلية وجسدية متشابكة يدل كل منها على الآخر ثم يدل الجميع على أن هذا الكائن جميل ، وهكذا عندما تتكلم عن علو همة صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإننا إن عرفنا فيها جانباً فاتتنا جوانب أخرى لم نلق لها بالاً لجهلنا بكيفية البحث أو لعدم توفر الوسائل التي تعيننا على ذلك ، فنكتفي بمعرفتهم حين وصفهم الرسول الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي موسى الاشعري قال:"صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قلنا : لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء.... قال فجلسنا فخرج علينا فقال ما زلتم هاهنا ؟؟؟ قلنا يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء قال : أحسنتم أو أصبتم قال فرفع رأسه إلى السماء – وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء – فقال النجوم أمنةَ السماء ، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد ، وأنا أمنةٌ لأصحابي فإذا ذهبت أتُى أصحابي ما يوعدون ، وأصحابي أمنة لامتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون” .
وروى البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، ثم يجيئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ، ويمينه شهادته ) يعني يجمع بين الشهادة واليمين دون أن يطلب منه ذلك .
انهم الذين مدحهم الله عز وجل فقال (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً{29}) الفتح ، وأثنى عليهم ووعدهم وعداً كريما في جنات النعيم فقال (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{100} التوبة .
انهم خلاصة الخلاصة من الكرام البررة وإننا عندما نتكلم عن مفهوم علو الهمة لا نرى مثالاً أوضح منهم في شموخهم وهم يحملون الإسلام أعزاء وأقوياء لا يفت بعضدهم كثرة عدوهم أو منعته فلا يوجد في قاموسهم الخوف أو الجبن أو التردد فألسنتم لسان واحد يقول :
ولست أبالي حين اقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي
إننا في بحثنا هذا نريد أن نسلط الضوء على مواقف معينه لنحاول ان نظهر الصورة الحقيقة لعلو همتهم وهم يحملون الإسلام .. فهذا ابو بكر الصديق الذي يقول عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه البيهقي في شعب الإيمان ( لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجحها ) ها هو اليوم في المدينة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والعرب قد ارتد منها ما ارتد ومنع الزكاة منهم من منع يقول ( والله لأقاتلنَّ من فرق بين الصلاة والزكاة ، فان الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عقالً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها ) رواه البخاري عن أبي هريرة . وهو الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه الديلمي عن ابن مسعود ( ما عرضتُ الإسلام على أحد إلّا كانت له كبوة ، إلا أبو بكر فإنه لم يتلعثم في قوله ) . وقد سئل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : ( يا رسول الله من احب الناس إليك قال عائشة قالوا يا رسول الله إنما نعني من الرجال قال أبوها ) رواه الترمذي وابن ماجه. ولو أردنا أن نوجز وصف أبي بكر فنكتفي بما قاله علي بن أبي طالب في تأبينه ( كنت كالجبل الذي لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف كنت كما قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ضعيفاً في بدنك قوياً في أمر الله ، متواضعاً في نفسك عظيماً عند الله ، جليلاً في الأرض كبيراً عند المسلمين ، ولم يكن لأحد عندك مطمع ، ولا لاحدٍ عندك هواده ، فالقوي عندك ضعيف حتى تأخذ الحق منه والضعيف عندك قوي حتى تأخذ الحق له ، فلا حرمنا الله من أجرك ولا اضلنا بعدك ) رواه الطبراني.
ويحدثنا الإمام البخاري في صحيحه : انه كان لأبي بكر غلام جاءه يوماً بشيء فأكل منه ، ولما فرغ أكله قال له الغلام ، أتدري ما هذا يا خليفة رسول الله ...؟؟ قال أبو بكر ما هو....؟؟ قال الغلام إني كنت قد تكهنت لرجل في الجاهلية ، وما احسن الكهانة إلا أني خدعته....وقد لقيتني اليوم فأعطاني ، فهذا الذي أكلت منه.... فأدخل أبو بكر يده في فمه حتى قاءَ كل شيء في جوفه ) ويضيف صاحب الصفوةِ أنه قيل لأبي بكر (يرحمك الله كلُّ هذا من اجل لقمة واحدة...؟؟ ) فأجاب قائلاً ( والله لو لم تخرج مع نفسي لا خرجتها .. سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به ، فخشيتُ أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة ) .
وحين أدركته المنية دعا إليه ابنته عائشة رضي الله عنها وقال لها : ( انظري ما زاد في مال أبيك منذ ولي هذا الأمر فرديه إلى المسلمين ) وهذا ما كان يشغل باله .... وحملت عائشة تركة أبيها فور وفاته وبعد مبايعة عمر وما كاد عمر رضي الله عنه يسمع ويرى حتى انفجر باكيا وقال : ( يرحم الله أبا بكر .. لقد اتعب كل الذين يجيؤن بعده ) .
لقد سن بورعه وسلوكه نهجاً تناهى في العظمة وعلو الهمة بطلب الآخره ولنيل رضوان الله ، وهذا ما جعل عمر ينفجر باكيا حين نثرت أمامه ثروة أبي بكر وها هو الميراث بعير كان يستقي عليه الماء ، ومحلب كان يحلب فيه اللبن ، وعباءة كان يستقبل فيها الوفود.
لقد اسلم وهو في أوج ثراءه فلم يدَّخر لاهله ولا لنفسه درهماً بل بذل في سبيل الله كل ثروته ، وبلغ من اعزاز الرسول صلى الله عليه وآله وسلم له أن أمر بإيصاد جميع الأبواب التي كانت تفتح على المسجد إلا باباً واحداً أمر أن يبقى وهو باب أبي بكر .... وبايعه المسلمون بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولقد تحدّته فتنة الردة تحدياً رهيبا فنصره الله عليها نصراً مؤزرا .
ولقد رأى أبراج الفرس والروم تتداعى تحت سنابك خيله وأقدام جنده....بل رأى العالم القديم كله يبدأ رحلة فناءه تحت خفق راياته الظافرة ، وكل هذا وغيره ولم تتسلل إلى نفسه همسة بأنه خير من أحد بل كان دوماً يمسك قلبه بيمينه ويجأر بدعاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) انه هو صاحب الإيمان الذي يكفي أهل الأرض جميعاً يخاف على قلبه أن يزيغ فيبكي ويقول ( يا ليتني كنت شجرةً تعضد ) فإذا ذكرّه أحد بمقامه عند الله أجاب ( والله لا أمن لمكر الله ، ولو كانت إحدى قدميَّ في الجنة) .
ومن هنا كان قوله ( قد وليت عليكم ولست بخيركم ) تعبيراً أميناً عن فهمه وفقهه ونأيه الشديد عن كل مظاهر العلو والزهو والاستعلاء في الوقت الذي كانت جيوش المسلمين تكتسح الشام والعراق ، وقد فتح الله عليهم من الرزق والخير ما يسمح له بأن يعيش في رغد وسعه.... انه يقود أمة جديدة بكل معاني الكلمة فإنها تقرع أبواب العالم لتلج إليه حاملة له الهداية والنور فإما أن يفتح لها الباب أو تكسره ، والنصر يعانق راياتها في كل مكان . إننا ونحن نعالج هذا البحث نتساءل – تُرى لو قُدّرَ لأبي بكر بشمائله تلك أن يكون في عصرنا هذا أكان منهجه يتغير.... كلا وألف كلا فهم الرجال الذين صقلتهم العقيدة صقلاً وجعلت همتهم تتوجه نحو الآخرة فهاهو يقرع باب إحدى الدور فتسارع إلى الباب فتاة لتفتحه فتسارع بالصياح انه حالب الشاةِ يا أماه
فتقبل الام فإذا وجهها بوجه أبي بكر فتقول لابنتها حياء :ويحك ألا تقولين خليفة رسول الله...؟؟
صحيح انه لم يكن ليحلب الشياه ولا يطهو بيده الطعام بيد أن شمائله تلك كانت ستعبر عن نفسها في مشاهد كهذه تناسب العصر وتدفع عن كل المسلمين الآمهم ، فهو الذي قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عنه (ارحم أمتي بأمتي أبو بكر) .. عن خلفاء الرسول بتصرف .
وقد كان لابد لحكام أمة هذا شأنها ، أن يستحوذ عليهم قدر من الزهو ومن الاستمتاع بالحياة مهما كان زهدهم وورعهم ..... ولكن شيئاً من هذا لم يحدث أبداً بل حدث النقيض وكانت العبارة المأثورة تتردد على لسانه (يا ليتني كنت شجرة تعضَدْ ) .
وهاهو عمر بن الخطاب بعد أبي بكر يبكي ويردد عبارته ( يا ليت أم عمر لم تلد عمر ) قالها وهو ينثر أسلاب كسرى وقيصر وهو يلبس ثوباً قد ازدحمت فيه الرِّقاع يدعوا المسلمين للاجتماع ويصعد المنبر ثم يقول ( أيها الناس : لقد رأيتني وأنا أرعى غنم خالاتٍ لي من بني مخزوم نظير قبضةٍ من تمر أو زبيب ) ثم ينزل عن المنبر..... فيتقدم منه عبد الرحمن بن عوف ويقول له : ( ما أردت إلى هذا يا أمير المؤمنين ) فيجيبه عمر : ( ويحك يا ابن عوف خلوت بنفسي فقالت لي : أنت أمير المؤمنين وليس بينك وبين الله أحد . فمن ذا افضل منك...؟؟ فأردت أن اعرفها قدرها ).
إن هذه الطبيعة المستقيمة والفطرة القويمة التي ليس بداخلها عِوَج هي التي تصاحب كل رجل صادق عاليَ الهمة فلا شيء يميز الطبائع السوية مثل نأيها عن الغرور..... ولو ثمة رجل لابد للغرور أن يتسور حصونه المنيعة لفرط مزاياه وروعة أمجاده وانتصاراته لكان عمر فقد اتسعت في عهده الفتوح وفتحت على المسلمين الدنيا بخيراتها وذهبها ، وواجه المسلمون حضارات وأوضاعاً لم يعهدوها من قبل ، فواجه عمر هذه الحضارات والتطورات الجديدة بأن ادخل كثيراً من الإنجازات في الحياة الاقتصادية والمالية والاجتماعية بشكل جعل هذه الدولة الفتية تستوعب الأحداث .
فقد مصّر الأمصار ووجه القضاة ونظم مالية الدولة ودوّن الدواوين وأقام صرح بناء اقتصادي .
ومع ذلك بقي عمر هو عمر فلا نكاد نعرف نفساً قد امتنعت عن الغرور وتكسرت أمام حصونها المنيعة كلُ محاولاته مثل نفس عمر فقد كان دوماً يقول لإخوانه ( لقد كنا ..... ولسنا شيئاً مذكوراً حتى أعزنا الله بالإسلام فإذا ذهبنا نلتمس العز في غيره أذلنا ) فهذه هي علاقة عمر بربه وهو أمير للمؤمنين يرزح تحت ثقل هذه المسؤولية ، يلقاه علي بن أبي طالب وهو يهرول وراء بعير فلت من معطنه فيسأله إلى أين يا أمير المؤمنين..؟؟ فيجيبه : بعير ندَّ من ابل الصدقة اطلبه… فيقول له علي : لقد أتعبت الذين يجيؤن بعدك . فيجبه...... والذي بعث محمداً بالحق لو أن عنزاً ذهبت بشاطئ الفرات لاُخذ بها عمر يوم القيامة ) ونشيده دوماً ( كنت وضيعاً فرفعك الله وكنت ضالاً فهداك الله ، وكنت ذليلاً فأعزك الله ، فما نقول لربك غداً إذا أتيته ...؟؟؟ )
وهاهو يقول ذات يوم لأبى موسى الاشعري : يا أبا موسى هل يَسُّرك أن اسلامنا مع رسول الله وهجرتنا معه وشهادتنا وعملنا كله يرُّد علينا ، لقاء أن ننجو كفافا لا لنا ولا علينا فيجبه أبو موسى ( لا والله يا عمر فلقد جاهدنا وصلينا وصمنا وعملنا خيراً كثيرا ، وأسلم على أيدينا خلق كثير وأننا لنرجو ثواب ذلك ).
فيجبه عمر ( أما أنا فو الذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك يُردّ لي ، ثم أنجو كفافا رأساً برأس )
هذا قوله وهو مبشر بالجنة وأنه لأقوى من كل شهوه وزلة يقف دائماً من الله موقف الخشية والحذر والحياء ولم لا يكون ليله كله متهجداً متعبدا ، ونهاره صائماً ومجاهدا فإذا قيل له يا رسول الله لم تتعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر يجيب قائلاً أفلا أكون عبداً شكورا .
وروى سعيد بن المسيب قال حجّ عمر بن الخطاب فلما كان ( بضجنان ) قال لا اله إلا الله العظيم العلي المعطي ما شاء من شاء كنت أرعى ابل الخطاب بهذا الوادي في (مِدْرَعةِ ) صوف وكان فظاً يتعبني إذا عملت ، ويضربني إذا قصَّرت ، وقد أمسيت وليس بيني وبين الله أحد ثم تمثل :
لا شيء فيما ترى تبقـى بشاشته
يبقى الاله ويـودى المـال والولد
لم تُغن عن هـرمزٍ يوماً خـزائنه
والخُلْدَ قد حاولت عاد فما خلدو
ولا سليمان إذ تجري الرياح لـه
والإنسُ والجنُّ فيما بينها تــردُ
أين الملوك التي كانت نــوافلها
من كل أوبٍ إليها راكـب يَفِدُ
حوضاً هنالك موروداً بلا كذبٍ
لا بد من ورده يوماً كما وَرَدوا
وهاهو عتبة بن غزوان عامل عمر على البصرةِ يقول : ( وقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعززت به بعد الذلة ، وقويت به بعد الضعف ، حتى صرت أميراً مسلطا وملكاً مطاعا ، تقول فيسمع منك ، وتأمر فيطاع أمرك، فيا لها من نعمة ، إن لم ترفعك فوق قدرك وتبطرك على من دونك تحوَّط من النعمة تحوّطك من المعصية ، فلهي أخوفهما عندي عليك أن تستدرجك وتخدعك فتسقط سقطة تصير بها إلى جهنم أعيذك بالله وأعيذ نفسي من ذلك).
إن هذا الجيل الذي تربى في مدرسة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأعدوا أنفسهم إعداداً ليكونوا أوعية نقيه تستوعب هذا الإسلام وتحمله للدنيا قد وقروا الله اكثر ما يكون التوقير وشكروه اكثر ما يكون الشكر، مدرسة لو لم يخف أهلها الله ، ما فكروا في عصيانه ، ولو لم يكن للاثم عقوبة ، ما فكروا في أن يأثموا ولو قال الله لهم :اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ، ما خطر ببالهم قط أن يعملوا إلا ما يُرضي ربهم ويجب ، فعلاقتهم بالله لم تكن بواعثها الفزع ، بل كانت حبَّ الله وتوقيره والحياء منه في السر والعلن . انك حين تذكر واحداً منهم كأنك تذكرهم كلهم فهم طراز فريد من البشر فتحتار فيهم وأيهم تريد أن تقدمه مثالاً لعلو الهمة فكلهم قمم عاليه فها هو عمر بن الخطاب يقول عن البراء بن مالك ( لا تولوّ البراء جيشاً من جيوش المسلمين مخافة أن يُهلِكَ جنده بإقدامه ) فانه رضي الله عنه قد قتل مئة من المشركين مبارزةً وهو بطل من أبطال المسلمين في معركة الحديقة.
وها هو عبد الله بن مسعود يقول ( أن للإيمان بيوتاً وللنفاق بيوتاً وان بيت بني مقرن من بيوت الإيمان ) فقد اهتزت يثرب من أقصاها إلى أقصاها فرحاً بالنعمان بن مقرن وصحبه إذ لم يسبق لبيت من بيوت العرب ان اسلم منه أحد عشر أخاً من أبٍ واحد ومعهم اربعماية فارس .
وها هو عبد الرحمن بن عوف يدعو له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقول ( بارك الله لك فيما أعطيت ، بارك الله لك فيما أمسكت ) فإنه أحد الثمانية السابقين إلى الإسلام ، وأحد العشرة المبشرين بالجنة ، وأحد الستة أصحاب الشورى يوم اختيار الخليفة بعد الفاروق (يقول فأقبلت علي الدنيا حتى رأيتني لورفعت حجراً لتوقعت أن أجد تحته ذهباً أو فضة ) ها هو في غزوة العسرة – تبوك يتصدق بمئتي أوقية من الذهب.... يقول عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : إني لا أرى عبد الرحمن إلا مرتكباً إثما ، فما ترك لاهله شيئاً .
يقول الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( هل تركت لاهلك شيئاً يا عبد الرحمن؟؟؟ ) يجيبه نعم تركت لهم اكثر مما أنفقت وأطيب قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : كم ؟
قال : ما وعد الله ورسوله من الرزق والخير والأجر.
وقد بلغ من بره بأمهات المؤمنين والمسلمين أن باع أرضاً له بأربعين ألف دينار يعني ( 170 ) كغم ذهب فقسمها كلها في بني زهره وهو قوم آمنه بنت وهب أم رسول صلى الله عليه وآله وسلم فلما بعث إلى عائشة أم المؤمنين ما خصَّها من ذلك المال قالت : من بعث هذا المال..؟؟ فقيل عبد الرحمن بن عوف ، فقالت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لا يحنو عليكنَّ بعدي إلا الصابرون ) .
وها هو نراه وقد جاءت عير إلى المدينة وكانت مؤلفة من سبعماية راحلة.... تحمل على ظهورها الميرةَ والمتاع ..... فلما دخلت المدينة حتى رُجَّت الأرضُ بها رجاً فقالت عائشة رضي الله عنها ما هذه الرجَّة ؟؟؟ فقيل لها عير لعبد الرحمن بن عوف سبعماية ناقة تحمل البُّر والدقيق والطعام ، فقالت عائشة رضي الله عنها بارك الله له فيما أعطاه في الدنيا ، ولثواب الآخرةِ اعظم ، فلقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( يدخل عبد الرحمن بن عوف الجنّة حبوا )
وقبل أن تبرك النوق كان البشير ينقل لعبد الرحمن مقالة عائشة رضي الله عنها ، فما إن لامست هذه البشرى سمعه حتى طار إلى عائشة يسألها ( يا أمّه ، أأنت سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...؟؟ ) قالت ( نعم) فاستطار فرحاً وقال : لئن استطعت لادخلنّها قائما أشهدك يا أمّهْ أنّ هذه العير جميعها بأحمالها وأقتابها واحلاسها في سبيل الله .
إن كل هذا المال وهذه الثروة لم تغير نظرته إلى الدنيا من كونها دار ممر للآخرة ، فلم يفتنه هذا المال الكثير الوفير ولم يغيره ، فكان الناس إذا رأوه بين مماليكه لم يفرقوا بينهم وبينه ، وقد أُتي يوماً بطعام – وهو صائم – فنظر إليه ثم قال : ..... لقد قتل مصعب بن عمير وهو خير مني فما وجدنا له إلا كفنا إن غطّى رأسه بدت رجلاه ، وان غطّى رجليه بدا رأسه ..... ثم بسط الله لنا من الدنيا ما بسط ..... وإني لاخشى أن يكون ثواباً قد عُجّلَ لنا ...... ثم جعل يبكي وينشجُ حتى عاف الطعام .
يبكي وينشج وهو الذي بشره الصادق المصدق بالجنة وحمل جنازته إلى مثواه خال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سعد بن أبي وقاص ...... وصلّى عليه ذو النورين عثمان بن عفان وشيعه على بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو يقول ( لقد أدركت صفوها ، وسيقت زَيفَها يرحمك الله )
إن علو الهمة لم يقتصر على الرجال من الصحابة بل تعداهم إلى النساء الماجدات اللواتي ارضعن أولادهن هذه الأخلاق الكريمة وهن يعددن الجيل الجديد من حملة دعوةِ الإسلام ليكونوا هم القادة فقد اخرج ابن أبي شيبه عن الشعبيّ أن امرأةً دفعت إلى ابنها يوم أحد السيف فلم يطق حمله فشدّته على ساعده بنسعة ، ثم أتت به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت يا رسول الله ..... هذا ابني يقاتل عنك . فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( أي بني ها هنا ..... أي بني احمل ها هنا ، فأصابته جراحة ،فصرع فأتيَ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال أي بنيَّ لعلك جزعت ...؟؟ قال لا يا رسول الله ) حياة الصحابة ج1 ص583 .
وأخرج ابن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال : رأيت أخي عمير بن أبي وقاص رضي الله عنهما : قبل أن يعرضنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدرٍ يتوارى ، فقلت مالك يا أخي ...؟؟؟ قال إني أخاف أن يراني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيستصغرني فيردني وأنا احبُّ الخروج لعلَّ الله يرزقني الشهادة ، قال فعرض على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرده ..... فبكى فأجازه ، فكان سعد رضي الله عنه يقول : فكنت اعقد حمائل سيفه من صغره ، فقتل وهو ابن ست عشر سنة .
يقول الإمام أبو الحسن الندوي عن السيرة النبوية وسير صحابة التي حاولنا أن نأخذ منها لُمعاً ومقتطفات توصل الفكرة التي وددنا إيصالها عن نهجهم وطريقة تفكيرهم – بأن سيرتهم وتاريخهم من أقوى مصادر القوةِ الإيمانية – الدافعة لنا– والتي لا تزال هذه الأمة تقتبس منها شعلة الإيمان وتشعل بها مجامر القلوب التي يُسرع انطفاءها وخمودها في مهب الرياح والعواصف المادية ..... والتي إذا انطفأت – لا سمح الله – فقدت هذه الأمة قوتها وميزتها وتأثيرها وأصبحت جثة هامدةً تحملها الحياة على أكتافها .
إننا حاولنا ونحاول أن نبسِّط ونشرح تاريخ رجال جاءتهم دعوة الإسلام فآمنوا بها ، وصدقتها قلوبهم ، وما كان قولهم إذا دعوا إلى الله ورسوله إلا أن قالوا ( ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ) ووضعوا أيديهم في يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهانت عليهم نفوسهم وأموالهم وعشيرتهم واستطابوا المرارات والمكاره في سبيل الدعوةِ إلى الله ، وأفضى يقينها إلى قلوبهم ، وسيطر على نفوسهم وعقولهم وصدرت عنهم عجائب الإيمان بالغيب ، والحب لله والرسول والرحمة على المؤمنين والشدةِ على الكافرين وإيثار الآخرةِ على الدنيا ، وإيثار الآجل على العاجل والغيب على الشهود، والهداية على الجباية ، والحرص على دعوةِ الناس ، وإخراج خلق الله من عبادةِ العباد إلى عبادةِ الله وحده ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، والاستهانة بزخارف الدنيا وحطامها للشوق إلى لقاء الله والحنين إلى الجنة .
وعلو الهمة وبُعدِ النظر في نشر رفد الإسلام وخيراته في العالم ....... فهجروا راحتهم وغادروا أوطانهم وبذلوا مهج وحُرَّ أموالهم ....... حتى ألقى الدين بجيرانه وأقبلت القلوب إلى الله وهبت ريح الإيمان قوية طيبة مباركة وقامت دولة التوحيد والإيمان والعبادة والتقوى .... ونفقت سوق الجنة وانتشرت الهداية في الأرض ودخل الناس في دين الله أفواجا .