الثلاثاء 14 ربيع الأول 1433 هـ الموافق 07/شباط/2012 مـ ...............

فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين قسمات فرعونية لطاغية الشام ثورة الشعوب لا تكتمل إلا بثورة الجيوش فلا صلح حتى تطعن الخيل بالقنا آجُرّةُ سِنِمّار اللهم أنصارا كأنصار الأمس
 

 

الرأسمالية دمار شامل والإسلام دين كامل _فيديو من الأقصى نصرة لأهل الشام_فيديو زعماء ما يُسمى بالإسلام المعتدل يتبرؤون من الالتزام بالأحكام الشرعية وينغمسون في مستنقع الديمقراطية ا الدرس السادس والعشرون_عبادة الصبر لله_فيديو قسمات فرعونية لطاغية الشام_فيديو الذكرى الأولى للثورة المصرية مسيرة الإنسان بين الإيمان والفتنة_فيديو الدرس الخامس والعشرون_آية “إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"الإخلاص لله في عبادته_فيديو مسجد ضرار ومنظمة الضرار الفلسطيني_فيديو فلا صلح حتى تطعن الخيل بالقنا_فيديو
 

 

ظهور الدولة الإسلامية كدولة أولى في العالم بدون منازع

أرسل رسول الله صلى الله عليه و سلم الرسل يحملون رسالة محددة بخطاب لا لبس فيه ولا توجد الألفاظ التي تحتمل أكثر من معنى بل الوضوح كل الوضوح، فالدولة الفتية التي بناها الرسول عمرها ست سنوات ومكة ما زالت تحمل العداء وأطراف من القبائل العربية دخلت في حلف المصطفى ومع ذلك لا بد من أن تكون الصورة واضحة جليه ولغة الخطاب لغة القوي الواثق وليست لغة المستجدي ولا الخائف نعم إن هرقل هو عظيم الروم ومع ذلك كان الخطاب له بنفس القدر من القوة والوضوح لغيره وإليك النص ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل قيصر الروم. السلام على من إتبع الهدى أما بعد، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين وأن تتولى فإن إثم الأكاريين ( الأريسيين ) عليك {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }64آل عمران.

ودولة الروم في ذلك الوقت هي الدولة الأولى في العالم وهرقلها هو الحامي للدين وتنافسها فارس ومع ذلك كان الخطاب لفارس بنفس القوة والثقة ولو كان المخاطب كسرى وإليك نص رسالته صلى الله عليه وسلم لكسرى ( من محمد بن عبد الله إلى كسرى عظيم فارس، السلام على من إتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وأدعوك بدعاية الله عز وجل فإني رسول الله إلى الناس كافةً ولأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين وأسلم تسلم فإن توليت فإن إثم المجوس إليك) ولا يهم إن غضب كسرى فهمنا ليس غضب كسرى بل همنا رضوان الله عز وجل وبعد ذلك فليغضب من يغضب المهم أن نكون ضمن دائرة رضوان الله.

أولا :
الرسائل إلى الملوك : و تعتبر خطاباً يعبر عن وجود و عن مزاحمة إذ أن هناك فرق بين وجود الدولة ككيان ليس له دوافع للمزاحمة و بين اختياره إما أن يكون خاضعاً لإرادة دولة أخرى و بين أن يختار بقاؤه و استمراره مع عدم تعرضه لمصالح غيره من الدول .

إن الرسائل التي بعث بها المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم إلى الملوك و الرؤساء تدل على أن هذه المزاحمة مزاحمة قوية فالخطاب هو ( أسلم تسلم ) ليس خطاب ودّ لنيل صداقته أو لبناء علاقة أو لتجنب أذىً بل هو صيغة إخضاع وطلب طاعة فكانت رسائله صلى الله عليه و آله وسلم إلى الملوك هي بداية المزاحمة وقد كانت هذه الرسائل على الأغلب في العام السابع للهجرة .

ثانيا :
إن المزاحمة تقتضي الجدية و وضوح الخُطة و الطريقة بل ويدافع عن موقعه في هذه المزاحمة و إن لم يفعل ما يجب عليه فعله كان البون واسعاً شاسعاً بين قوله و فعله و بقى كلامه في دائرة الكلام لا يتعداه بغض النظر عن تسميته لنفسه أو لدولته .

لقد بعث المصطفى صلى الله عليه و سلم بعثاً عليهم كعب بن عمير الغفاري إلى أرض الشام ، فقتلوا خلا واحداً عاد و أخبر الرسول بما فعل أهل الشام ثم تعرض شرحبيل بن عمرو الغساني رسول الرسول صلى الله عليه و آله و سلم إلى القتل أيضاً في الشام .

فكان الردّ من الذي يُزاحم على مركز الدولة الأولى أو الذي دّخل إلى بؤرة الصراع أن جهّز جيشاً في العام الثامن للهجرة ليذهب هذا الجيش إلى الروم و يؤدبهم ... فكانت معركة مؤتة .

لقد جاءت معركة مؤتة في الوقت الذي كان فيه الروم في أوج قوتهم و زهوهم بل كانوا مع هرقل في بيت المقدس في زيارة الشكر لأنهم انتصروا على الفرس لتوهم ، و هذا رداً على انتصار الفرس عليهم قبل سنين حين شمت الكفار بالمسلمين في مكة و نزلت سورة الروم { غُُلِبَتِ الرُّومُ{2} فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ{3} فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ{4} } و ها هي قد انتهت و جاءت البشرى و انتصر الروم .

و رغم ذلك لم تختلف الحسابات بل كان الأمر واضحاً من أن مقتضيات عمل الدولة التي تزاحم أن تفرض نفسها فرضاً بغض النظر عن واقع حال الدولة الأخرى أو الدول الأخرى .. ثم جاء بعد ذلك خبر إلى المدينة يفيد بأن هناك تجمع لأعوان الروم من العرب المتنصرة يريدون أطراف المدينة فجهز المصطفى صلى الله عليه و آله وسلم جيش العسرة في العام التاسع للهجرة و كان جيشاً عرمرماً لم تألفه الجزيرة من قبل إذ أنه كان يحوي ثلاثين ألفاً منهم عشرة آلاف فارس .

و جزاء هذه الأعمال العسكرية أصبح لهذه الدولة التي تزاحم حزاماً أمنية أو مجالاً حيوياً يمتد من جرش في الأردن ثم البلقاء حتى خليج العقبة غرباً إلى دومة الجندل شرقاً.

و لم يتوقف هذا الأمر عند ذلك الحد إذ أن التوقف بحد ذاته للدولة التي تزاحم هو انهزام وانحسار . فشحنت أربعة جيوش في العام الثاني عشر للهجرة لفتح بلاد الشام ثم كانت الخاتمة لهذه الفتوح في اليرموك في الخامس من رجب في العام الخامس عشر للهجرة الموافق 12/8/636 م فانحسرت دولة الروم إلى أدنى حدودها بعد أن كانت قبل أعوام قليلة هي الدولة الأولى .

و قد كان هذا الانحسار بعد هزيمتها وانكسار شوكتها فهي وإن بقيت دولة فإن تأثيرها في الموقف الدولي قد انتهى كدولة كبرى ، و لكن تأثيرها الإقليمي في مجالها الغربي في دول البلقان بوصفها الراعي الديني بقي على حاله .

إن معركة اليرموك تعتبر بحق معركة عالمية فاصلة كان لها ما بعدها أو قل إن شئت أن ما بعدها الأهم فبسقوط النفوذ الروماني في بلاد الشام قد أسقط معه دولة الغساسنة التي كانت أداة لإمبراطور القسطنطينية هذا في بلاد الشام .. أما بالنسبة لمصر فانه قد فتح الباب على مصراعيه للمسلمين لفتحها بعد أن سقط الغطاء الروماني عن بلاد الشام فسقط عنها تلقائياً .

لقد كانت الدولة الإسلامية المزاحمة في موقع المزاحمة مع دولتين و ليس مع دولة واحد ، فلقد تزامنت المعارك في بلاد الشام مع المعارك في العراق فجيوش تحارب الروم في الشام ، و جيوش تحارب الفرس و أعوانهم في العراق و هذا يدل على أن هذه المزاحمة في وضع لا تُقبل فيه أنصاف الحلول أو المعاهدات .

واستمرت المعارك من السنة الثانية عشرة لا تهدأ في موقع إلا و تستعر في موقع غيره حتى كانت معركة القادسية في السنة الخامسة عشرة للهجرة في 13 شعبان الموافق 19 / 9 / 636 م
فارجوا منك أن تتمعن في التواريخ فانك ترى الفرق بين اليرموك و القادسية سبع و ثلاثون يوماً و هو زمن لا يُكاد يُصدق للوهلة الأولى فإنهما تعتبران معركتين عالميتين بكل ما تعنيه الكلمة .

كان لابد من القراءة السياسية للأحداث و تسلسلها حتى تكون الخلاصة التي نبغيها و نطلبها خلاصة تعبر عن قراءة أحداث ولا تعبر عن سرد وقائع تاريخية .

إن قراءة الأحداث و مواقف رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم و من بعده أبو بكر و عمر تشير إلى أن هذا الصراع و المزاحمة كانت جدية بكل المعاني و بكل قراءة للأحداث ؛ أكان القارئ لهذه الأحداث مسلماً أو غير مسلم ، وقد عمل المستشرقين على التحريف و التزييف في سرد الوقائع و الدوافع .

هناك فرق بين قراءة الأحداث و بين سرد وقائع التاريخ فإن أي حدث دقيق يتم سرده كحادث حدث يمكن أن يُزاد عليه أو ينقص منه .

أما قراءة أحداث التاريخ فإنه يقرأ وفق ضوابط من زاوية نظر محدودة ؛ فأي قائد عسكري يقرأ وقائع المعركة التي حدثت فإنه كعسكري و من خلال علمه العسكري قد قرأ هذه الأحداث قراءة لم يلغي عقله و علمه و هو يقوم بدراستها بغض النظر عن حبه أو كرهه فلم يقبل أحد لا من المسلمين أو من غيرهم أن عمل خالد في مؤتة هو عمل جبان أو أن تخطيط خالد كان ينم عن جهل و هكذا .

لقد أصبحت الدولة الفتية في المدينة ابنة الخمسة عشر عاماً هي الدولة الأولى في العالم بلا منازع بعد معركة القادسية لا بل وقُل و أنت مطمئن بقولك أنه لم تعد هناك دولة تزاحم هذه الدولة الفتية .

فالدولة الرومانية قد رضيت بما نالته من هزيمة في اليرموك فعادت و انحسرت داخل محيطها ، و الفرس تراجعوا تحت ضغط جيوش المسلمين التي لم تكتف بهزيمتهم في القادسية بل تابعت هذه الانتصارات حتى وصلت إلى المدائن و داست عرش كسرى بسنابك خيلها .

وكذلك الأمر مع الرومان فلم تتوقف الجيوش عن الاندفاع في شن هجومها عليهم بعد اليرموك حتى وصلت إلى القسطنطينية و حاصرتها و دفن أبو أيوب الأنصاري على أطراف سورها ليعود غيره .

إن الدولة الفتية قد قامت على أساس حمل الإسلام قيادة فكرية للعالم و هذا الأمر يقتضي دوام الحركة و هذا ما فعله الرسول المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم منذ وصوله إلى المدينة فكان يبعث السرايا و يقود الغزوات و يبعث الرسائل و كلها تدور في دائرة خدمة المبدأ و طريقته العملية في نشره .

و بقي الخلفاء من بعده صلى الله عليه و آله و سلم ينتهجون نهجه في نشره لهذه الدعوة فلم تتوقف الجيوش بل كانت في حال هجوم دائم و غيرها في حال انحسار و تراجع ، فهي و إن كسبت معركة تحاول استثمار هذا الانتصار لصالح المبدأ فتنتقل من عليّ إلى أعلى في حركة دائبة حتى يكون النصر منتجاً لنصر ، و لا يكون النصر مدعاة لخمول أو لدعة أو لتجمّد ، فالناظر الذي يقرأ الأحداث يرى أن دوام الحركة هو الطابع السائد و السمة لهذه الدولة.

ثالثا :
لقد انتهت مرحلة المزاحمة التي قامت بها هذه الدولة الفتية ، و أصبحت هي الدولة الأولى بلا منازع ، و لم تعد هناك قوة تقف في وجهها أو تنافسها لا على موقعها أو مركزها .

و هنا نحاول أن نلقي الضوء على نجاح هذه الدولة واستمرارها كدولة أولى بدون منازع منذ معركة القادسية ليوم سقوط القدس في أيدي الصليبيين و ظهورهم كمنازع و منافس سنة 492 هـ - 1097 م و هذا يعني 477 سنة هجرية أو 461 سنة ميلادية و هذا زمن ليس بالقليل فكيف حافظت هذه الدولة على هذا الموقع طيلة هذه السنين ..؟؟

إن الوصول إلى مركز الدولة الأولى هو أمر صعب جداً و لكنّ الأصعب منه فعلاً هو المحافظة على هذا الموقع طيلة سنين عديدة دون وجود مجرد منافس لهذه الدولة . و مع محاولة دراسة هذه العوامل نرى أنها :

1. إن هذه الدولة قد حملت الإسلام كمبدأ لها بطريقته العملية و هو الجهاد لكسر الحواجز المادية التي تقف في وجه هذه الدعوة و حمل الإسلام قيادة فكرية للعالم و ليس لأجل سلب العالم المفتوح ثرواته و امتهان أهله أو إذلالهم و إنما لحمل النور لهم .
بعكس غير المسلمين حين انتصروا على غيرهم فقد سلبوهم ثرواتهم و طمسوا ما علا لهم و أذلوهم و استعبدوهم و عاملوهم بكل قسوةٍ و قد اعتبر المنتصر المهزوم عبداً له يفعل به ما يشاء ، و أما المسلمون فإن جهادهم كان لكي تصل هذه الدعوة إلى الناس دون إكراه أو تهديد و قيدهم خطاب ربهم لهم {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } فلا يكره أهل البلد المفتوح على تغيير دينه .

2. صهر كل من دخل الإسلام بوتقته فلا توجد قومية عربية أو عجمية أو فارسية و لا يوجد عرق أبيض أو أحمر أو أسود فكان كل من دخل الإسلام أصبح مسلماً له ما للمسلمين و عليه ما عليهم و لا فرق بين هذا و ذاك إلا بالتقوى .
و هذا ما حدث و لم يألفه العالم من قبل و لم تسمع به الأمم منذ دخل الإسلام أصبح هو نفسه المدافع عنه و الحامي له حتى من غير العرب كالبخاري و مسلم ، و قد كانت المؤاخاة في العقيدة في قول الحق ( إنما المؤمنون أخوة ) هي الصورة الحقيقية لهذا الصهر في بوتقة المبدأ فكانوا جراء ما حملوا هم الكل الشعوري و هم الأولياء في النصرة .

لقد كانت العقيدة الإسلامية و الولاء لها هي الرابطة الأقوى دون غيرها من روابط الجنس و الأرض و اللون و اللغة و المصالح و الحدود و دفعت هذه العقيدة حامليها على الرغم من اختلاف أعراقهم و ألوانهم بأن يتوحدوا في الدفاع عنها فتكونت هذه الكتلة المتجانسة المصهورة في بوتقة المبدأ فأنتجت حضارة و نبتت دولة لم يوجد لها منازع و منافس طيلة 477 عاماً .

لقد اجتمع داخل هذا المجتمع المتنافس العربي و الفارسي و الرومي و البربري و التركي و الهندي و الصيني و الإفريقي و تجمعوا داخل هذا المجتمع و حملوا نفس الأفكار و المفاهيم و توحدوا عليها فكانت المشاعر و الأحاسيس تنبثق عن هذه المفاهيم الواحدة و كلهم يدافعون عن الإسلام و نظامه دفاعهم عن وجودهم و لم يكن هذا المجتمع يوماً مجتمعاً عربياً بل كان على امتداد هذه السنين هو المجتمع الإسلامي و لم تكن هذه الحضارة يوماً عربية بل كانت دوماً إسلامية .

و هذا لم يكن معلوماً أو معروفاً عند أهل هذه الأمم فعندما قارنوها بالروم أو الفرس وجدوا الفرق ، فلقد كانت امبرطورية الروم قبل الإسلام قد تضمنت أجناساً متعددة و لغات كثيرة و ألواناً و شعوباً و قبائل و أراضٍ واسعة و لكنها لم تقم على أساس عقيدة واحدة أو ولاءٍ واحد ، فلقد كانت على أساس طبقي أشراف و عبيد أو كل تجمع عنصري على أساس سيادة العِرق الروماني أو سيادة الجنس الفارسي ، وقد كان هذا المجتمع مختلف المشارب و متعدد الولاءات فانهار بعد معركة واحدة كبرى و لم يكن عنده القدرة على احتمال الضربات المتلاحقة لهشاشته .

و نحن اليوم نرى في التاريخ الحديث تجمعاً يشبه التجمع الروماني و الفارسي كالأمبرطورية البريطانية فإنها قامت على أساس الاستغلال و الاستعباد ؛ فهو تجمع لا يهمه إلا صالح التاج ، و كذلك الاسبان و الفرنسيين و غيرهم ... و هم و إن وصلوا إلى مرتبة الدولة الأولى أو المنافس و المنازع لها لكنهم لم يحافظوا على مركزهم هذا بل و لم تكن عندهم القوة و الصلابة و القدرة على الاستمرار في كونهم دولة أولى أو دولة تنازع و تنافس الدولة الأولى .

و بعكس الرومان تماماً قام في التاريخ الحديث تجمع آخر و هم الشيوعيون فإنهم تخطوا حواجز العرق و اللون و القوم و الأرض و اللغة و لكنّ هذا التجمع لم يقم على أساس عقيدة و ولاء واحد بل على أساس الطبقية لمحاربة طبقة الأشراف و الإقطاع الرأسمالية و سادته عاطفة الحقد الأسود على كافة الطبقات ، و رغم وصوله لمركز المنازع و المنافس على مركز الدولة الأولى لكنه سرعان ما انهار كألعاب الأطفال رغم امتلاكه وسائل القوة و الردع النووي و كان عمره من ولادته لنهايته أقل من ثمانين عاما .

و قد حاولت أمريكا اليوم و تحاول أن تتميز عن غيرها بأن توجد نوع مختلف من الامبرطوريات التي سبقتها و ذلك بجعل من يحمل جواز سفرها أو تابعيها يتميز عن غيره من البشر بأنه لا يحاكم و لا يتقاضى على غير أراضيها و أن لها الحق في التدخل في كل الدول و ليس لأي دولة الحق بأن تتدخل بأي شيء في أمريكا .

و هي و إن امتلكت من أسباب القوة الكثير و لكنها تفتقد مقومات المجتمع في داخلها ؛ فهي و إن بدت في الخارج من خلال طائراتها و سفنها قوية متماسكة فإن في داخلها انهيار حقيقي لكل المثل العليا و القيم و الأخلاق فهي و إن كانت الدولة الأولى بلا منازع فإنها تحمل في داخلها أسباب انهيارها .

إن أمريكا برغم ما تمتلك من أسباب القوة و المال و التكنولوجيا فإنها لم تستطيع معالجة مشكلة اختلاف الأعراق و الألوان و الجنس واختلاف المشارب و تعدد الولاءات رغم اجتماعهم في أمريكا و حملهم لجواز سفرها فما زالت مشكلة الأقليات قائمة فيها .

بعكس دولة الإسلام التي قامت و أشرقت أنوارها في كل مكان فلم تكن فيها أي مشكلة لا لأقليات و لا لقوميات و لا للون أو جنس ، فالصهر في بوتقة المبدأ هو الذي حل هذه المشاكل بل و أوجد هذا الانسجام بين كافة من دخل في دين الله مِن أي عرق و لون .

3. تطبيق الإسلام بحذافيره على الأمم و الشعوب التي دخلت تحت سلطان الإسلام و ليس هناك من هو فوق الحكم الشرعي بل كل رعايا الدولة تحت الحكم الشرعي و الكل أمامه سواء فلا شريف و لا حقير و لا رفيع و لا وضيع ، و قد كانت سياسة الدولة أو كما يُقال بلغة اليوم خطاب السياسة الداخلية لهذه الدولة كمان بينه أبو بكر الصديق في قوله ( قد وُليت عليكم و لست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني و إن أسأت فقوموني ، القوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه و الضعيف عندي قوي حتى آخذ الحق له ) .

كان هذا هو الاطار العام لسياسة الدولة الداخلية و التي تحمي و تصون الأعراض و الأموال و النفس و العلاقات و تضبطها لتتوافق مع الأحكام الشرعية و ليس هذا للمسلم وحده بل هو لكل من يحمل التابعية من مسلم و غيره و التاريخ الإسلامي على امتداده لم يعرف حادثة واحدة وقعت لأهل الكتاب على أيدي المسلمين بأنهم قد نقضوا عهداً أو خانوا أمانة أو أنهم قد مارسوا الظلم الديني و الإكراه ضد غير المسلمين .

لقد استمرت الدولة الإسلامية 477 سنة هجرية و لم يوجد من ينافسها على مركز الدولة الأولى حتى كان العام 492 هجري الموافق 1097 ميلادي ، و ذلك أن الحروب لم تتوقف على ثغور الدولة المترامية الأطراف و كان بداية التراجع في الأندلس حين سقطت طليطلة و أُخرج المسلمون منها سنة 478 هـ 1085 ميلادي في حين أن ممالك الشمال النصرانية تتقوى و تتعاظم ( ممالك نافار و ليون و قشتالة ) و قد حدث قبل ذلك أن النورمان حاولوا السيطرة على البحر الأبيض المتوسط ثم تمكنوا من السيطرة على صقلية ( 463 هـ - 1070 م ) و ظهر الضعف البحري عند المسلمين . و بحدوث هذا الضعف وجد المنافس و المنازع على مركز الدولة الأولى

4. إن حالة التفتت و التشرذم التي سادت الأمة الإسلامية في الأندلس و المغرب و مصر و بلاد الشام و ضعف الخليفة في العراق و عدم تمكنه من بسط نفوذه على أراضي هذه الدولة المترامية الأطراف و الانشغال عن حمل الدعوة الإسلامية الأثر البالغ في ظهور المزاحم و المنافس بل قل الطامع في الدولة الإسلامية .
فقد كان لسقوط طليطلة أثر كبير عند الغرب النصراني و دوافع لهم لخطوة مقبلة ضد المسلمين فكان هذا النصر الذي حققه النصارى دافع لهم حتى يتوحدوا فكان العداء للإسلام و محاربته سبب أساسي في توحدهم إذ أن الإنقسام بين الكنائس كان السمة البارزة فقد كانت الكنيسة في روما تعمل جاهدة لتنسيق العمل ضد المسلمين ، و لكنّ انشغال أوروبا بخلافاتها الداخلية قد أضعف من قوة الكنيسة أضف إلى ذلك ضعف الامبرطورية البيزنطية و هزيمتها في معركة ( ملازكرد ) سنة 462 هـ الموافق 1070 م أمام السلاجقة بقيادة “ ألب أرسلان “ و فناء الجيش البيزنطي و أسر قائده “ أرمانوس “ و جاء أبان هذا الواقع خبر سقوط طليطلة فكان لذلك الخبر دويّ هائل في كل أنحاء أوروبا . (1) الكامل في التاريخ لإبن كثير ... صلاح الدين الأيوبي لـ بسام
(1) و خلال هذه الفترة ظهرت شخصية كنيسية و هو البابا “ اريان الثاني “ (1042-1099) و قد كان له دور أساسي و حاكم في توحيد الجهود الأوربية و توجيه الحرب الصليبية و قد انتهت جهوده بعقد مؤتمر ( كلير مونت 18 – 28 تشرين الثاني 1095 م ) و حثهم على ضرورة بذل المساعدة لإخوانهم في الشرق ، و كان مما قاله ( فالعالم المسيحي في الشرق ألتمس منه المساعدة لأن الترك مضوا في زحفهم في جوف البلاد المسيحية و أخذوا يُسيؤن معاملة السكان ... و من يلق مصرعه في المعركة تحلل من ذنوبه و غفر الله أخطاءه فالحياة هنا أضحت تَعِسَه ، كثيرة الشرور بعد أن أضنى البؤس أنفسهم في تدمير أجسامهم و أرواحهم ... و سوف ينعمون هناك بالسعادة و الرخاء و يكونون أصدقاء أو فياء لله . (2) تاريخ الحروب الصليبية لـ ستيفن رتسمان ... صلاح الدين الأيوبي لـ بسام العسلي

و تجمع الجيش الصليبي في عيد العذراء 15 /8/1096 في القسطنطينية و قد ضمّ الجيش أواجاً من فرنسا و ايطاليا و جمهورية جَنوا و تحركت هذه الجموع حتى وصلت انطاكيا و احتلتها سنة 1098 م ثم تحركت نحو معرة النعمان و مصياف ثم اللاذقية و طرابلس حتى وصلت القدس و حاصرتها في 7 حزيران سنة 1099 م و استمر الحصار حتى 14 تموز 1099م حيث سقطت المدينة بعد صراع مرير .

و يضيف ابن الأثير دخول الصليبيين القدس فيقول (3) الكامل في التاريخ ( ملك الفرنجة القدس ضحوة نهار الجمعة لسبعٍ بقين من شعبان و ركب السيف و لبث الفرنج في البلدة أسبوعاً يقتلون فيه الناس و احتمى جماعة من المسلمين بمحراب داود فاعتصموا به و قاتلوا فيه ثلاث أيام ... و قتل الفرنج في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين و علمائهم و قال أبو المظفر الأبيوري في إثارة حماسة المسلمين ..
مزجنا دماءً بالدموع السواحمِ == فلم يبقَ منا عرصة للمــراحمِ
و شر صلاح المرءِ دمع يفيضُه == إذا الحرب شبّت نارها بالصوارم
فأيها بني الإسلام إن ورائكم == وقائع يلحقن الذرى بالمناسـم

إن سقوط القدس في أيدي الصليبيين يعتبر العلامة الفاصلة بين كون الدولة الإسلامية دولة أولى بلا منازع و بين اعتبارها دولة قد وُجد المنازع و المنافس لها بعد 477 سنة هجرية .

إن المسافة الزمنية بين سقوط القدس سنة 492 هـ الموافق 1099 م في أيدي الصليبيين و بين دخول صلاح الدين الأيوبي القدس و انتصاره عليهم في معركة حطين سنة 583 هـ الموافق 1187 م هي مسافة تقارب التسعين عاما و هذه الفترة كانت فترة تتأرجح بين صلح و حرب و هدنة و قتال و قد كانت فترة صراع و مزاحمة ، و كان كل فشل يزيد من تصميم المسلمين على النصر فقد دفع المسلمون في حال النصر و الهزيمة سيولاً من دماء الشهداء حتى تَتَوجت تلك بنصر الله للمسلمين في حطين .

لقد كان انتصار المسلمين في حطين نهاية فصل من فصول الصراع و مزاحمة الدولة الأولى و تصدّر الدولة الإسلامية لموقعها و عودة الأمر لما كان عليه قبل الحملة الصليبية الثانية و برغم استمرار وجود الصليبيين في بلاد الشام و سواحله إلا أن وجودهم بعد حطين ليس كوجودهم قبلها فهم اليوم لا يشكلون الخطر الداهم و المحدق لدولة الإسلام .

و نستطيع القول بأن الفترة ما بين حطين حتى ظهر المغول كقوة تنافس و تهدد و تزاحم دولة الإسلام و احتلالهم بغداد سنة 656 هـ الموافق سنة 1258 م و رغم الصراعات الداخلية التي حصلت بعد وفاة صلاح الدين سنة 589 هـ الموافق 1193 م و هي حوالي (73) سنة بقيت الدولة الإسلامية دولة أولى .

و بعجالة سريعة نستعرض فيها الوضع الداخلي في بلاد الشام و مصر فهذه الدولة انفرط عقدها بين أولاد صلاح الدين السبعة عشر و قد جاءت حملة صليبية إلى دمياط في مصر سنة 615 هـ الموافق 1218 م و لكنّ الله هزمهم ثم جاءت حملة أخرى يقودها “ لويس التاسع “ ملك فرنسا سنة 647 هـ الموافق 1249 م و انتصر المسلمون عليهم و أسروا “لويس التاسع “ وقد كانت السمة التي ميّزت الحقبة الزمنية كثيرة الدسائس التي كانت تحصل بين سلاطين المماليك في مصر .

بالرغم من كثرة هذه الدسائس التي حصلت إلا أن الصورة الخارجية و الرهبة في قلوب الصليبيين بقيت على حالها .

إن دخول المغول إلى بغداد هو ظهور منازع آخر غير الصليبيين للمسلمين فإن فترة المنازعة و المنافسة و المزاحمة بين المسلمين و الصليبيين قد استمرت تسعين سنة من دخولهم القدس و حتى معركة حطين ، و أما التتار فإن وضعهم مختلف جدا ؛ إذ أنهم لم يلبثوا سوى عامين اثنين حتى هزمهم الله في عين جالوت سنة 658 هـ فانطفأ نورهم و خبت نارهم .

وقد عادت الدولة الإسلامية هي الدولة الأولى بعد انتهاء معركة عين جالوت و لكن الدسائس و المؤامرات لم تنته بعد فإن مكائد الحكم قد كانت تستنزف أغلب طاقاتهم بعكس الصورة الخارجية لهم إذ أنها قد بدت أقوى بكثير من صورتهم الداخلية و قد استمر الوضع في بلاد الشام و مصر على هذا النحو حتى سنة 922 هـ الموافق 1516 م حين وقعت معركة مرج دابق بين السلطان سليم الأول العثماني و بين “ قانصوه الغوري “ المملوكي .

و بانتهاء معركة مرج دابق أصبحت الدولة الإسلامية المترامية الأطراف دولة قد ضُخ بها دم جديد جَدد حيويتها و جعل لهذا الجسد الكبير رأس واحد يُعرف به وقد بايع الخليفة العباس المتوكل السلطان سليم الأول و أصبح هو الخليفة .

إن وجود الدولة الإسلامية يعني أنها الدولة الأولى و التي تنافس على مركز الدولة الأولى ولا يمكن أن توجد الدولة الإسلامية و لا تُنافس أو تُنازع مطلقاً أو ترضى الدولة الإسلامية أن تكون تابعاً لغيرها أو تقبل أن تكون وصيفة فوجودها يعني أنها الأولى أو التي تنافس لتكون الأولى و ليست دولة إسلامية من تقبل أن تكون وصيفة أو تابعة و شعار دولة الإسلام و شعار كل مسلم .
نحن أناس لا توسط عندنا == لنا الصدر دون العالمين أو القبر

التاريخ:22/09/2008
الكاتب أو المصدر:حديث رمضان 6/ الشيخ جواد عبد المحسن / خليل الرحمن - بيت المقدس
طباعة حفظ إرسال لصديق إضافة للمفضلة كتابة تعليق

 

 

:الإسم
: عنوان التعليق
:نص التعليق

أدخل الكلمة التي في الصورة


 
 

 

 


image
RSS خدمة
اشترك الآن لتحصل على آخر تحديثات الموقع على متصفحك

 

 

114961

 

بحسب الحكم الشرعي فإن ما يسمى بـ"حقوق النشر" غير محفوظة، ولكن يرجى ذكر المصدر عند الاقتباس أو إعادة النشر مع عدم الزيادة أو الإنقاص