إن الامنَ والخوف ضدان والضد بالضد يعرف في قول الشاعر:-
إن العيونَ التي في طرفها حوَرٌ == قتلننا ثم لم يحميين قتلانا
والحور في العين اجتماع الضدين شدة السواد وشدة البياض ، وكذلك الخوف والامن وقد ذكرهما الله تعالى في مواضع عديدة في القرآن الكريم (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ)النساء وقوله تعالى {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ }قريش4 وقوله تعالى (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) النور 55
فلا يمكن البحث في موضوع الامن منفصلا عن موضوع الخوف ، فكان من مستلزمات البحث ان يبحثا معا
إن الخوف هو الفزع أو تحقق مفهوم السوء أو الشر وهذا امر متعلق بمستقبل لم يقع وانما تحقق وقوع أمر في قوله تعالى ({وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ)النساء وقوله تعالى ({فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً) البقرة ، ويقول الشاعر ابو محجن الثقفي :-
إذا مت فادفني الى جنب كرمةٍ == تُروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تـدفنّتي في الغـلاةِ فإنني == أخاف إذا مـا متُّ الا اذوقها
فكان الخوف هو تحقق الوقوع وليس توقع الوقوع .
فالخوف هو شعور داخلي ورجع غريزي ينتاب الانسان عند تحقق وقوع السوء أو الشر وينتج عنه الاضطراب في القول أو الفعل ، وهذا الخوف يكون من معلوم أو من مجهول مغيب .
فأما الخوف من المعلوم فإنه يبقى ما بقي هذا المعلوم كخوف الولد من ابيه حين يذنب أو خوفه من الوحش حين يراه .
وأما الخوف من المجهول المغَّيب فإنه منقطع في حال ومستمر في حال آخر ، فيرتفع الخوف وينقطع من المجهول المغيب إذا علم ويستمر هذا الخوف باستمراره .
وأما الامنُ فإنه ذهاب الخوف والفزع عن النفس في قوله تعالى (وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ )قريش، وفي حديث نزول المسيح ( وتقع الامنةُ في الارض ) يعني الامن يريد ان تمتلئ الارض بالامن فلا يخاف الناس والحيوان ، وقد روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ( النجوم آمنةُ السماء فإذا ذهبت النجوم اتى السماء ما توعد ، وأنا آمنة لاصحابي فإذا ذهبتُ آتى اصحابي ما يوعدون وأصحابي امنة لامتي فإذا ذهب اصحابي آتى الامة ما توعد ) والامنةُ هي الحفظ والاطمئنان ُ عند وقوع الخوف في قوله تعالى (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً)الانفال ، ان الامين هو الحفاظ في قول الحق سبحانه ( ان خير من استأجرت القوي الامين )
فالامنُ هو : شعور داخلي ينتاب الانسان لزوال السوء او لزوال تحقق وقوع السوء أو لتوقع الخير وينتج عنه الاطمئنان كما ينتج عن الخوف الاضطراب .
ولقد اخبر الله تعالى عن صورة الخائف تارةً وصورته بعد ذهاب خوفه ابلغ تصوير وكيف ينعكس هذا الامر على جوارحه حال أمنه وحال خوفه في سورةِ الاحزاب ({أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً }) الأحزاب19 ، فإذا جاء الخوف لآن وذبل وتمسكن بل وأصبح اطوع من الماء ينساب انسياباً لعل هذا يدفع عنه ما هو فيه ، وإذا تحقق الوقوع (رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ)الاحزاب، وهذا حال الخائف فالاضطراب حاله فلا يستطيع السيطرةَ على نفسه أو ضبطها .
والصورة الثانية عندما يذهب هذا الخوف وتطمئن نفسه ويعود الى حاله قبل خوفه فينسى حاله في خوفه بل (سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا) وسلقوكم يعني آذوكم بالكلام الشديد .
ففي الصورةِ الاولى نرى دوران اعينهم وتغير حالهم واضطرابهم نتيجة للخوف فاضطرب القول عندهم والفعل ، فما كان فرعون أن يقول (آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ })يونس90، لم يكن ليقول ذلك وهو في مأمنه ولكن عندما تحقق له وقوع السوء عليه والخوف قال ما قال فرد الله عليه ({آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ })يونس91 ولقد قُدِّر له أن يعود الى عرشه وعرينه وسطوته لا نكر ما قال بل ولعاقب من قال قوله .
إن الشعور بالخوف أو بالامن يعود إلى أمرين هما الغريزة والمفاهيم فأما الغريزةُ فإن الانسان بوصفه انساناً فقد يتحرك حركة غريزية دفاعاً عن نفسه أو أن يجفل من أمر لم يتوقعه أو أن يهرب من وحشٍ أو حشرةٍ أو غير ذلك أما الفرق بين الخوف والوحشة
وأما بالنسبة للمفاهيم التي يحملها الانسان فإنها ايضاً تحدد هذا الشعور بالامن أو بالخوف ، فمن لا يؤمن بالغيب فلا يخاف منه ولا يخاف من المغيبات عنه فمن لا يؤمن ( بالغول ) لا يخاف منه ومن يعتقد وجوده يخاف منه ، ومن لا يعتقد بوجود الله سبحانه وتعالى لا يخاف منه ولا يخشاه ولا يخاف من عذابه ، ومن يؤمن بالله يخافه ويخشاه بل ويتضرع اليه أن ينجيه من عذاب جهنم وأن يحميه ويحفظه في الدنيا والأخره وهنا ينفصل المسلم عن الكافر فيما يتعلق بالغيب ويتفق معه فيما يتعلق بالواقع ، فدائرة الواقع لا تدخل في دائرةِ الايمان مطلقا لان له وسائل لنقل هذا الواقع وتحليله ، فاليد والعين والأنف والأذن واللسان والجلد كلها أدوات لنقل هذا الأحساس بالواقع فهذا حلو وحامض وهذا أبيض أو أسود فأنت ترى الشمس كما يراها الكافر وتتذوق الحلو والحامض كما يتذوقه هو وتشاهد وتسمع مثله تماماً وكل هذه الأمور لا تسمّى إيماناً مطلقاً لأن الإيمان هو ( التصديق بالغيب ) وهذا ليس غيباً بل هو واقع ، فيجري على المسلم ما يجري على الكافر بوصفه انساناً يخاف من الأسد ويشعر بالحر والبرودة فلا يقال بأنني أؤمن بالشمس أو أومن بالقمر أو أؤمن بأن هذا حامض أو مالح .
وأما دائرة الغيب التي يعتقدها المسلم وينفصل عن الكافر فيها فإنها دائرة إيمان بالله ، فالخوف الذي ينتج عنه الإضطراب من تحقق حصول السوء عند المسلم في الغيب فإنه زايل ومنته ومعالج بدليل قطعي الثبوت في قول الحق سبحانه وتعالى ({أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ })يونس62 وقوله تعالى (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ)التوبة 51 وقوله تعالى ({الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ })الرعد28 ، فكان اطمئنان القلب والذي ينتج عن الامن قد نفى وجود الإضطراب لوجود الإعتقاد الجازم الذي لا يرقى إليه شك مطلقاً بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وصدق الله العظيم({الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ })الأنعام82 .
إن المطلوب هو حصول الطمأنينة في القلب اعتقاداً بأن الله جل وعلا وحده القادر على الأحياء والاماتة ، فإذا حصل الايمان الجازم الذي لا يتجزأ بقدرة الله عز وجل كان لا بد أن يؤثر في التصرفات تأثيراً يضبطها فلا يتعدى الحدَّ لاطمئنان نفسه بأن القابض والباسط والمعطي والرزاق هو الله ، فإذا اراد الامن فأمنه من الله واذا خاف فلا يخافُ الامن الله واذا خشيَ فلا تكون الخشية إلا من الله .
إن المؤمن الذي يعتقد أن الأجل بيد الله حين يقرأ ({كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) وقوله {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ }الرحمن26 ، ويقرأ قوله تعالى ({أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ)النساء ، لا يخاف من لقاء ربه ولا يخشى الموت لأنه حق ، بعكس الذي يعيش في دائرة الواقع فإنه كلما تقدم به العمر زاد ألمه وخوفه لانتهاء حياته وتركه لما هو فيه فهو يعيش الاضطراب في كل أحواله وصدق الله العظيم ({وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ }) الانعام والحديث الذي رواه الترمذي عن إبن عباس رضي الله عنهما قال ( كنت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا غلام إني إعلمك كلمات : إحفظ الله يحفظك ، إحفظ الله تجده تُجاهك ، وإذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الامة لو إجتمعوا على أن ينفعوك بشيئ لم ينفعوك الا بشيئ قد كتبه الله لك ، ولو إجتمعوا على أن يضروك بشيئ لم يضروك إلا بشيئ قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف )
إن الايمان بالله عند المسلم لا بد أن يؤثر في واقعه حتى يتم التناسق بين إيمانه وأفعاله وتصرفاته فلا توجد فجوات بين الاعتقاد والتصرف بل إن الإيمان بالغيب أقرب عند المؤمن وأوضح من معاينة الواقع والصورة توضح الفكرة وهي أن يهودياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حاجةٍ أعطاها له فقال له الرسول قد أعطيتك إياها فأنكرها اليهودي ، وكان عند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خزيمة بن ثابت الانصاري فقال لليهودي قد أعطاك الرسول إياها وأنا أشهد على ذلك ..... فلما ذهب اليهودي قال الرسول لخزيمة أكنت حاضراً ..... قال لا ... ولكننا صدقناك بخبر السماء ألا نصدقك بخير الأرض .... فجعل الرسول شهادة خزيمة بشهادتين .
إن إطمئنان النفس لقضاء الله عند المؤمن هي أصل عندما نتكلم عن التناسق بين الاعتقاد وبين صياغة النفس صياغة تتوافق معه بكل تصرفاتها فلا يخضع تصرف معين للظروف أو لمصلحة املاها واقع معين ، بل كل التصرفات لها ضابط واحد وهو العقيدة والاحكام المنبثقة عنها .
إن الصحابة رضوان الله عليهم عندما قرأوا ( إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر ) كان إيمانهم بها أبلغ من معاينتهم لها وعندما قرأوا ({وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً })مريم71 كان خوفهم منها وإشفاقهم أبلغ من معاينتهم لها واستعاذوا الله منها وعندما قرأوا (فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ{28} وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ{29} وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ{30} وَمَاء مَّسْكُوبٍ{31} وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ{32} لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ{33} وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ{34} إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء{35} فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً{36} عُرُباً أَتْرَاباً{37} لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ} الواقعة ، كان اشتياقهم لها وتلهفهم لدخولها كمعاينتهم لها .
وعلى هذا فإن الإحساس بالامن عند المسلم ينبع من العقيدة الاسلامية التي جاءت مقنعة للعقل مطمئنة للقلب ، فلماذا لايأمن وهو يعتقد بأن الله يدافع عن الذين آمنوا ..... ولماذا لا يأمن وهو يعتقد بأن الله هو الرزاق ، ولماذا لا يأمن وهو يعتقد بأن الله هو المحيي وأنه المميت ، فإذا حصل هذا الامن وهذا الاطمئنان أو المصالحة مع الذات فلا يسرق لاعتقاده بأن الله سوف يرزقه فلا يهلع ولا يجزع وهكذا في جميع الامور .
وهذا هو الامن الدائم النابع من العقيدة بالنسبة للفرد المسلم إذ أنه يستمد أمنه من عقيدته بعكس الامن الآتي الذي يستمده الانسان من إنسانٍ مثله قادرٌ على إعطاء الامن لغيره لفترةٍ من الزمن تطول أو تقصر هذه الفترة تبعاً لقوةِ المعطي أو ضعفها .
أما أمن الجماعة فينظر له من زاويتين
1- الامن الداخلي
2- الامن الخارجي
1- الامن بالنسبة للامن الداخلي ففيه قسمان أولهما ما يتعلق بنظرة المسلمين وثانيها ما يتعلق بنظرةِ غير المسلمين ، أما الامن الداخلي المتعلق بالمسلمين فإن الامن مقترن بتطبيق المبدأ الاسلامي تطبيقاً شاملاً كاملاً من قبل الدولة ومن قبل الامة ، فالدولة هي التي تباشر هذه الرعاية عملياً والامة هي التي تحاسب الدولة إن أساءت أو تنكبت أو ظلمت ، وعندها يكون الامن عند الفرد وعند الجماعة أمناً نابعاً من العقيدة التي تحملها الامة كما يحملها الفرد .
إن رعاية الاهداف العليا لصيانة المجتمع والذي تمارسه الدولة ممارسة عملية بتطبيقها للاسلام هو الذي يضمن أمن الفرد وأمن الجماعه فلا يوجد فرق بين قبيلة وقبيلة أو بين عرق وعرق فلا يوجد من هو فوق الحكم الشرعي فلا تطاله عقوبة أو حد فإن الذين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ( والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) ادركوا إدراكاً حقيقياً أنهم في مأمن من أن يلحق بهم أذىً أو أن يقع عليهم ظلم فلا يوجد في دولة الاسلام من يشعر بالامن أكثر أو أقل تبعاً لقربه أو بعده من الحاكم وقد أكد ذلك خلفاء الرسول هذا الأمر حين فهموا أن الظلم خوف وأن العدل أمن فهذا أبو بكر يقول ( قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن اسأت فقوموني ..... الضعيف عندي قوي حتى أخذ الحق له والقوي عندي ضعيف حتى أخذ الحق منه )
وأما نظرة غير المسلمين للأمن فأختصرها بقول البابا شنوده وهو البابا الحالي لكنيسة القبطية في مصر حين يقول ( إن الاقباط في ظل حكم الشريعة يكونون أسعد حالاً وأكثر أمناً ، ولقد كانوا كذلك في الماضي حينما كان حكم الشريعة هو السائد .... نحن نتوق الى أن نعيش في ظل – لهم ما لنا وعليهم ما علينا ) ص 173 الاسلام والسياسة لمحمد عمارة . فكان الامان الداخلي أن يأمن كل واحد من الرعية مسلم كان أو غير مسلم على عرضه ودمه وماله بأمان السلطان.
إن كلمة أمان هنا هي الامن بسلطان الاسلام ويعني هذا أمان الاسلام وكذلك أمان الكفر هو أن يأمن المرءُ بسلطان الكفر ، وهنا تتحدد الدار أدار كفر هي أم دار إسلام ، فدار الاسلام هي التي تحكم بأحكام الاسلام وأمانها بأمان المسلمين ، ودار الكفر هي التي تحكم بأحكام الكفر وأمانها بأمان الكفار .... أخرج ابو داود عن سعد قال ( لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس الا اربعة نفرٍ وامرأتين وسماهم ) وعن أبي بن كعب قال ( فلما كان يوم الفتح قال رجل لا يُعرف لا قريش بعد اليوم ، فنادى منادى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمن الاسود والأبيض الا فلاناً وفلاناً ناس سماهم ) فهذا معنى الامان .
إن إضافة الامان إلى الإسلام ، وإلى الكفر إنما هي إضافته إلى السلطان الذي يؤمِّن ، لأن الامان داخل الدولة إنما هو للسلطان .
2- وأما الامان الخارجي فهو أن تكون الدولة حامية حدودها من الغارة عليها بسلطانها هي لا بسلطان غيرها كحال الدول العربية والاسلامية فإن أمانها ليس بسلطانها هي بل هو بسلطان الدول المستعمرة المتسلطة على بلاد المسلمين وكما خاطب الشاعر السوري فيصل بن الحسين عندما قال دخل دمشق :-
بسيفك أم بسيف الانجليز == دخلت إلى بلاد الشام أبزي
وهذا ليسَ معناه أن تكون قادرةً على أن تقف في وجه الدول الكبرى بنفسها وحدها لا بمعاونة غيرها فلا يعتبر دخول الدولة الاحلاف أن امانها اصبح بسلطان غيرها ، فالوضع في أي دولة يعتبر الامان الواقعي على ما هي عليه في الوضع العادي هو أمانها ..... فالاردن مثلاً لا تحمي حدودها من غارة اعدائها عليها بسلطانها بل بسلطان غيرها والكويت ودول الخليج وغيرها وغيرها ...ص 447 من الاسباب الموجبه .