الأسر : الأسْرَةُ : هي الدرع الحصينة ومنه قول الشاعر :
والأسرةُ الحصداء والـ بيضُ المكلَلُ والرماح
وأسر قتبة يعني شده وشده بالإسار يعني شده بالقيد وهو حبل يكون حول الكتاف ومنه سمي الأسير، وكانوا يشدونه بالقيد فسمى كل أخيذ ، أسيراً وإن لم يشد بالقيد ، والأسير هو الأخيذ ..... وكل محبوس في قيد أو سجن أسير ، في قوله تعالى {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً}الإنسان8 .
قال مجاهد : الأسير المسجون والجمع أسراء أو أسرى ..... قال ثعلب : الأسر ليسَ بعاهة فيجعل أسرى من باب جرحى في المعنى .... قال أبو إسحق : بجمع الاسير أسرى ، قال وفُعلى جمع لكل ما اصيبوا به في أبدانهم أو عقولهم مثل مريض ومرضى وأحمق وحمقى .
والاسر : هي شدة الخَلْق ، وشديد عقد المفاصل وفي قوله تعالى{نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} الإنسان 28 .
لقد سبق لنا الكلام عن الاسر الجسدي وهو وقوع العدو في يد عدوه حياً ، فيبقى مأسوراً ما دام عندهم ويخرج من دائره الاسر أو من وصفه أسيرا حال فكاك أسره ، وأما الاسر الفكري الذي نحن بصدده فإنه الاخطر إذ ان الاسير هنا يبقى أسيرا لهذه الفكره المحدده أو لمجموعة هذه الافكار .
إن الامة الاسلامية تعاني من هذه الظاهره في قادتها ورؤسائها والمتنفذين فيها وأصحاب القرار ، وكثير من مثقفيها لكونهم من الاسرى الذين أسرهم الكافر بفكره الرأسمالي ...... فإنهم مهما لبسوا على الناس أو قالوا أو تحركوا لا يتجاوزون حدود الفكر الذي حملوه من الكافر ...... فإنهم إن دعوا الى الدمقراطية أو للحرية أو للمساواة أو لأي دعوة لا يستطيع أن يخرج عن دائرة فكر الكافر وإن كان رئيساً أو زعيماً أو قائد جيش فإنه أسير فكر ......... وان أبصر الحقيقة المخالفة لما يحمل فإنه لا يستطيع تجاوز حدود معسكر اعتقاله الفكري .
إن الذي شد الكافر كتفيه وأسره دائم التفكير في كيفية تخلصه من هذا الواقع الذي هو فيه والعودة لما كان عليه ، بعكس المأسور فكرياً فإن همه لا ينصب إلا على عمليه تحسين وضعه داخل هذا الحيز المرسوم له ، ذلك أن عمليه أسره الفكري قد أنتجت تقييد مداركه وتحديدها بضوابط أصبحت عنده من المسلمات يَستلهِم منها ما يلزمه لإصلاح وضعه أو تعديله فالقانون الدولي ومجلس الامن والشرعيه الدوليه وجمعيات حقوق الانسان والسلم الاهلي وجمعيات المجتمع المدني والصليب الاحمر وغيرها وغيرها كثير أصبحت من المسلمات ...... عدا عن حقوق المراة والانظمه التي تحدد المسار الإقتصادي وطرق التعامل التي أدت بمجوعها في النهاية لوجود مجتمعات راسماليه في بلاد إسلامية .
وإذا أردنا أن نحدد أو نعدد اسباب الإنصياع والأسر الفكري يمكن لنا أن نلخصها في : -
1 – عدم ادراك : وذلك لقصور في العقل وصغر سن للإنسان وتحميله هذه الافكار بالتلقي ......... فإن المولود يولد على الفطره فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه .... أضف الى ذلك وسائل التعليم وأدواتها ووسائل الاعلام ، أضف إلى ذلك وسائل تربيته وطرق التعامل معه ، فإنها بمجموعها تؤثر في هذا الطفل بحيث لا تتسع مداركه إلا مما يراه من حوله ، من كونه طفلاً لا يحمل مسؤولية فينشأ ضمن دائرة ..... لا تفعل وأنت صغير وهذا عيب ....... فينشأ الطفل ويموت وهو ضمن دائرة .... جاهل ...... خَرِف ... ولا يتحمل مسؤولية
وهذه حلها يسير وسهل وذلك بإتباع أوامر الله ونواهيه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في كيفية التعاطي في تنشأة الأجيال تنشأة لإعدادهم ليكونوا الأبطال والقادة لحمل هذه الرسالة ، إذ أن من المبادئ التي وضعها الإسلام في تربية المولود تكنيته بأبي فلان لتنمية شعور التكريم والإحترام عنده لنفسه وأن يستشعر أنه محترم عند غيره وله شأن ، وكذلك التأديب والتعليم وحسن الخلق .
فقد جاء في الصحيحين من حديث أنس : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحسن الناس خُلقاً ، وكان لي أخ يقال له أبو عمير ، وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إذا جاءه يقول له ( يا أبا عمير ، ما فعل النُّغيْر ...؟؟ ) طائر يلعب به ......
وكذلك كل الأخلاق فإنها مكتسبة فالشجاعة والعزه والذلة والجبن والبخل والكرم فإنها صفات مكتسبة ولا بد من تنمية الخصال الحسنة بتعلم سير الأبطال والمجاهدين
2 – عدم إدراكه لما يحمل من فكر :
أ- التضليل : إذ ان الملاحظ أن كثير من الناس يحملون الافكار الاسلامية ولا يدركونها إداركاً يؤثر في تصرفاتهم ، ولقد عاب الله على بني إسرائيل ووصفهم حين حملوا ولم يدركوا ما حملوا وقال عز وجل{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }الجمعة5 ، فإن هؤلاء إذا ما اصطدموا بأي فكر لم يجدوا عندهم القوة أو القدرة على دفعه ، فيسهل تضليله من خلال عملية التلبيس الفكري التي تمارس من خلال مؤسسات التضليل الإعلامي ومناهج التعليم وما فيها من مشايخ وعلماء وأساتذة وفنانون في ليّ أعناق النصوص وتحميلها ما يريدون فتحصل عملية التشوه في الإدراك ، وزعزعة في قواعد هذا الادراك .
ب - وكذلك الأمر بالنسبة لعملية الإنصياع الفكري وهي أيضاً ناتجة عن عدم إدراك لهذا الفكر ....... فالطلاب المسلمون مثلاً الذين يذهبون إلى أوروبا ولم يُحَصّنوا التحصين العقيدي بحيث يمكنهم الرد على إفتراءات الغربيين وعدم حصول الفروق عندهم بين الحضارة والمدنية والثقافة ...... فيحصل عندهم الانبهار .
إن هاتين الفئتين من الناس هم أسرى ولكنهم لا يدركون أنهم أسرى فلا يعملون على كسر قيدهم لإنعتاقهم من ربقة حبال الكافر وطوق فكره ، فيكون التعامل معه بصدمهم ليفيقوا ويؤوبوا وهزّهم هزاً فكرياً مؤثراً ليدركوا أنهم أسرى .
3 – ضحالة فكر الداعي لهذا الفكر وعدم تمكنه من الرد البليغ المبين لإفتراءات الكافر ومحاولته للتفريق بين العقيدة الإسلامية وأحكامها فإنه لا يهاجم عادةً العقيدة وإنما يحاول أن يضع بعض الأحكام الشرعية موضع الاتهام تحت شعار- النقاش البناء – مثل تعدد الزوجات ، والفوائد الربوية والجهاد بحيث يكون هذا الداعي قد قبل إتهام الاحكام وانبرى للدفاع عنها ، مما ينتج عنه تشتتاً لفكر السامع وفتح باب إبليس في عقله .
4 – وأما التعصب الاعمى لفكرةٍ أو لقضية فإنه يدخل في باب الاسر الفكري ولا يدرك هذا التابع أنه مأسور ، فإن التعصب ويسمى بالأعمى لأنه ينشأ في ظلمات النفس فيحجب نور الحق فلا يرى المقلد إلا عمل من يقلده ورأي من يقلده والسبل التي يسير فيها ....... فإنه كالأعمى الغبي الذي يسوقه قائد فهو يتبعه ولو ساقه إلى الهلاك كقول الشاعر :-
أعمى يقود بصيراً لا أبا لكم قد ضل من كانت العميان تهديه
إن التقليد الأعمى يتولد من ضعف الثقة بالنفس مضافاً إليه عامل الثقة المفرطة بالشخص المتبوع ، أو الجماعة ، وهذه الثقة تأتي من دافع محبة ، أو من دافع هوى ، أو من قناعة غير مستندة إلى أسس عقلية ...... أو من دافع غريزي إذا كان المتبوع من أهله أو من قومه ، أو قل بعبارة أدق أنها عملية إلغاء للعقل عند التابع وتحميل المتبوع مهمة التفكير عن التابع .
لقد واجه كفار العرب دعوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى إتباع ما أنزل الله بقولهم : بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا فأبان الله لهم فساد هذا المذهب وحضهم على التفكير ليصلوا إلى الحقيقة وقال :{ َوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ }البقرة 170 ، وقوله{ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ }لقمان21 ، وتعصبوا لجهة دون جهة فقالوا في قوله عز وجل{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }الزخرف31 ، فهم أسرى لعصبيتهم ولعاداتهم وتقاليدهم ومع الاسف لا زالت بقايا هذه الامور عالقة في أذهان أُناس من المسلمين .
إن تشخيص المرض أمر وعلاجه أمر آخر ..... فإننا حين حاولنا تشخيص حال المسلمين اليوم فقد وجدنا أن هناك ثلاثة حالات وكل حالة يختلف علاجها عن الاخرى وهي : -
1- العملاء الفكريون : وهم الذين يدركون حقيقة ما يقومون به من عملية تضليل وتمييع للمسلمين لحرفهم عن دينهم وهم ليسوا أسرى بل هم الآسرون ضمن دائرة الخوف والطمع والترغيب والترهيب وإتاحة فرص وسد أبواب واصطياد أناس فإنهم يعلمون ما يفعلون ، وعلاجهم بضرب الجهة التي يتبعونها بالصراع الفكري والكفاح السياسي وكشفهم وتعريتهم .
2- المأسور الذي يدرك أنه مأسور ويقسم إلى قسمين فمنهم من يدرك أنه مأسور ويعمل كل ما بوسعه لفك أسره وانعتاقه بالطريقة التي حددها الشرع وليسَ العقل ، وليسَ فك أسره هو بل كل المسلمين وذلك بإفهامهم أنهم مأسورون ، وكل همه فك أسره وليسَ زحفه للظل داخل سجنه الفكري أو تحسين ظروف سجنه .
إن العمل الذي يقوم به في الأمة لإفهامها أنها مأسورة ولابد من تحررها من ربقة الكافر و أعوانه ليست رياضة عقلية تمارس في أوقات فراغ ولا عملية تنظير لابراز علم ؛ بل هي واجب أوجبه الله عزّ و جل ، و هذا عمل الأنبياء حين دعوا أقوامهم ليخرجوهم من عبادة العباد لعبادة رب العباد ، و استجابة لقوله عزّ و جل {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }آل عمران104، فلا يستجيب إلا كل متحرر من الأسر مدرك لما كانَ فيه و ما هو مقبل عليه ، فلا تتحرر الأمة على يد مأسور أو مضبوع أو مخدوع ، بل يحررها كل مستنير منطلق من فكرة تدفعه عقيدة لتنير له طريقه للوصول لغايته ، متوكل على ربه ، محسن الظن به بأنه هو الموعود بالنصر و التمكين و من أصدق من الله قيلا ؟ .
والقسم الثاني من المسلمين يدرك أنه مأسور ويعمل لفك أسره وفق تصورات عقليه وتدرجيه ، ويرى أن المصلحه فيها وأن القضية الانقلابية لا يمكن إحتمالها بل لابد من التدرج في تطبيق الاحكام ، فيجوّز مهادنة مغتصب السلطة ويجوّز الإشتراك في الحكم .
3 – وأما المضلل والمضبوع : فإنهم أسرى ولا يعلمون ولا يدركون أنهم أسرى فلا بد من إفهامهم وتحميلهم مسؤولية هذا الأمر الذي يحملونه حتى يكونوا على بصيرة وحتى لا يقولوا يوم القيامة فيما أخبر الله عنهم { وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا{67} رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً{68}الأحزاب 67-68 ، فإنهم المرعى الخصب والمسكن الهنيئ للعملاء الفكريين فإنهم مادتهم التي يعملون فيها .