{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا}النساء97
وفي الآية مباحث :-
1. إن الحالة التي توفتهم الملائكة عليها إنهم كانوا متلبسين بظلمهم لأنفسهم والعبرة بالخواتيم فقد روى جعفر بن محمد عن أبيه قال نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال الرسول عليه السلام( ارفق بصاحبي فإنه مؤمن) فقال ملك الموت يا محمد طب نفساً وقر عيناً فإني بكل مؤمن رفيق, واعلم أن ما من أهل بيت مدر ولا بيت شَعْرٍ في برٍ ولا بحر إلا وأناا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات)
وقيل إنهم جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي الإيمان به فلما هاجر أقاموا مع قومهم وَفُتِنَ منهم جماعة فافتتنوا
2. { قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ} وهو سؤال يظهر فيه التقريع والتوبيخ فكان الجواب { كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ} وهذا اعتذار غير صحيح, فهو كصورة الذين جاءوا إلى الرسول وكانوا قد تخلفوا عنه في قوله تعالى{ وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ}التوبة90 وهذه الصورة في الدنيا… والصورة التي نحن بصددها لحظة الموت فالعذر واهٍ واهٍ مع أنهم مسلمين ولكن ظالمين لأنفسهم
3. إنهم حين قالوا { كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ} أن غيرهم وصفهم بهذا الوصف فصدقوهم وهذا كان خطأهم ... فلقد وصفهم المستكبرون بهذا الوصف وقبلوه… ونحن اليوم إذا وصفتنا دول الاستكبار العالمي بأننا العالم الثالث أو الدول النامية وقبلنا بل وصدقنا هذه التسمية فإننا نكون قد أعناهم علينا بأن انهزمنا وكسرنا ارادتنا
إن الله جلت قدرته قد خاطبنا فقال{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ}البقرة143 فصنفنا ربنا بأننا أعلى الأمم مرتبة عنده وقال{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} آل عمران110 وهذه في الدنيا, فنكون أعلى الأمم مرتبة في الدنيا والآخرة فالله جل وعلا بوأنا هذه المنزلة فإن اخترنا عليها فإنما هو الضلال والغباء الذي يحصل لمن يرى بعينه فلا يدرك ما يرى
4. { قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} يقول قتادة : سعة إلى الهدى يعني أن الضلال ضيق, ولو كنت غنيا, والهدى سعة ولو كنت فقيرا, ورحم الهى جُنْدع ابن ضمرة من بني ليث ,وقد كان من المستضعفين في مكة, وكان حينها مريضا فلما سمع الآية قال أخرجوني ... فهيئ له فراش ثم وضع عليه وخُرج به فمات في الطريق بالتنعيم وهو مهاجر.... وقال إني لدليل في الطريق وإني لمدسر ومالي عذر فقد هاجروا إلى الحبشة ليعبدوا الله ولا يلحقهم أذاً وهاجروا إلى المدينة
إن المدينة مع كونها ضيقة المساحة بالنسبة للجزيرة العربية ولكنها هي-السعة- لوجود الهدى والحق وأنها الأرض التي تحكم بأمر الله ونهيه وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال( من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام )
5. {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً }النساء98 قال ابن عباس رضي الله عنهما : كنت أنا وأمي ممن عنى الله بهذه الآية.... وقد كان من الولدان آن ذاك وأمه هي أم الفضل بنت الحارث وهن تسع أخوات {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} يعني أنهم لا يملكون قوة أو أسباباً للتخلص مما هم فيه{ وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً } والسبيل هو الطريق...ومن منا لا يعرف أو لم يهتدي إلى طريق الله وسبيله فقد خاطبنا وأمرنا ربنا عز وجل فقال {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }آل عمران104 والآية التي قبلها تبين لنا بوضوح أن سبيل الله هو الهدى في قوله عز وجل{وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }آل عمران103فبيان هذه الآيات للاهتداء للسبيل.... وليس لأي سبيل بل لسبيل الله فقط لأن السبل كثيرة قد تداخل بعضها ببعض تداخلاً يلبس على الناس دينهم فقال عز وجل {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }الأنعام153
هذا الأمر إن كانت لنا دولة هي-السعة- التي يعبد فيها الله وحده أما إذا لم تكن لنا –السعة- فخطاب ربنا لنا ليس تكليف لنا بما لا نطيق وحاشا لله أن يطلب منا هذا , ولكن إذا لم تكن موجودة فالكل يعلم الطريق ويدرك أن السبيل هو العمل لإيجاد هذه الدولة وهذه-السعة- لأنها هي التي تنقلنا من الضيق إلى السعة ومن الكرب إلى الفرج ومن العسر إلى اليسر ومن ضيق الضلال إلى سعة الهدى.