في قوله الحق سبحانه{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }البقرة44
ففي الحديث عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال( مررت ليلة أُسريَ بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار فقلت يا أخي جبريل من هؤلاء؟؟ فقال هؤلاء خطباء من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم)
وأترك الشرح الآن للشيخ محمد متولي الشعراوي في خواطرﺠ1ص309 يقول(إن الكلام منطبقٌ هنا حتى على المسلمين الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلا, وهؤلاء هم خطباء الفتنة الذين رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تقرض شفاههم بمقاريض من نار. فسأل من هؤلاء يا جبريل فقال خطباء الفتنة. إنهم الذين يزيَّنون لكل ظالم ظلمه, ويجعلون دين الله في خدمة أهواء البشر. وكان الأصل أن تخضع أهواء البشر لدين الله وهؤلاء هم الذين يحاولون تحت شعار- التجديد- أن يجعلوا للناس حجة في أن يتحللوا من منهج الله , فهم يبررون ما يقع ولا يتدبرون حساب الآخرة.
إن علماء الدين الذين يحملون منهج الله ليس من عملهم تبرير ما يقع من غيرهم, ومنهج الله لا يمكن أن يخضع أبداً لأهواء البشر. وقوه الحق سبحانه وتعالى {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} يعطينا منهجاً آخر من مناهج الدعاة, لأن الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحمل منهج الله… يريد أن يُخرج من لا يؤمن من حركة الباطل التي ألفها....وإخراج غير المؤمن من حركة الباطل أمر شاق على نفسه لأنه خروجٌ عن الذي اعتاده وَبُعْدٌ عن الذي ألفه, واعتراف أنه كان على باطل… لذلك فهو يكون مفتوح العينين على من بين له طريق الإيمان ليرى هل يطبق ذلك على نفسه أم لا..؟؟ أيطبق الناهي عن المنكر ما يقوله؟؟؟ فإذا طبقه عرف أنه صادق في الدعوة, وإذا لم يطبقه كان ذلك عذراً ليعود إلى الباطل الذي كان يسيطر على حركة حياته.انتهى علامه.
وروى أبو أمامة عن النبي صلى اله عليه وسلم( إن الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم يجّرون قُصْبتهم في نار جهنم فيقال لهم من أنتم فيقولون نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى أنفسنا) والقصب والقتب هي الأمعاء
وروى مسلم بمعناه عن أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول( يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى, فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟؟؟ فيقول بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه) وقال صلى الله عليه وسلم( إن في النار رجلاً يتأذى أهل النار بريحه فقيل من هو يا رسول الله قال عالم لا ينتفع بعلمه)
فالسؤال الذي نود طرحه هل للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فكانت الآية{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} ولا شك أنها في معرض الذم وقوله تعالى {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ }الصف3 وشدة الكره هي المقت وإن المكلف مأمورٌ بأمرين أولهما ترك المعصية والثاني منع الغير من فعل المعصية, والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر فكان قوله عز وجل{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} ونهاية الآية{ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } فإنه تعجبّ إذ أن المقصود بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو إرشاد الغير إلى هذه المصلحة والتحذير مما قد يوقع في المفسدة.... والإحسان إلى النفس أولى بالإحسان إلى الغير فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل متناقض ولقد قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه( قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك)
إن حامل دعوة الإسلام لا بد أن تبدأ الدعوة منه بتطبيق دعوة الإسلام التي يحملها على نفسه أولاً فلا ينهى عن منكر ويفعله, أو يأمر بمعروف وهو لا يفعله، فالإسلام قد انتشر في أنحاء كثيرة من العالم بالمنهج السلوكي إّذ أن الذين نشروا الإسلام في الصين كان أغلبهم التجار الذين تخلقوا بأخلاق الإسلام فجذبوا حولهم الكثيرين فاعتنقوا الإسلام وصدق الله العظيم {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ }فصلت33فإنهم قد مارسوا الدعوة إلى الله ممارسة عملية بالعمل الصالح.... فالقضية هي أننا نقول أننا مسلمون ونعمل بغير الإسلام وهذا هو التناقض… وقد قيل من وعظ بقوله ضاع كلامه, ومن وعظ بفعله نفذت سهامه… ويقول الشاعر:
يا أيها الرجل المعلم غيره
هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السِقام وذي الضنا
كيما يَصح به وأنت سقيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها
فإذا انتهيت عنه فأنت حكيم
فهناك يُقبل ان وعظت ويقتدي
بالرأي منك وينفع التعليم