في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}الحجرات11
نهى الله سبحانه وتعالى في هذا النص المؤمنون قباعُ من شأنها بذر بذور العداوة والبغضاء داخل المجتمع المسلم, لما فيها من إيذاء وإضرار وهي قباع تشتمل على ظلم الإنسان وهي السخرية واللمز والتنابز بالألقاب والنهي جاء لكل واحدة على حدة فقل تعالى { لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ} وقال{ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} وقال{ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ}
1- { لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ} إن السخرية تنافي ما يوجب الحق.. فإنها عدوان على كرامة الإنسان وإيذاء لنفسه وقلبه. وإذا حاولنا البحث عن دوافع السخرية عند الإنسان نجد أنها ترجع إلى الكبر الذي يلازمه بطر الحق وغمط الناس وإلى الرغبة بالتسلية على حساب آلام الآخرين الناشئة عن احتقارهم واستصغارهم وازدرائهم والاستهزاء بأقوالهم وأفعالهم أو خلقهم وطباعهم أو أسرهم ونسبهم وقومهم ولغتهم وأشباه ذلك.
إن هذا التحقير والاستصغار إنما يمارسه المستكبرون كنوع من أنواع الصد عن سبيل الله فإنها سخرية من الفكرة والعمل الذي مارسه الأنبياء صلوات الله عليهم فعندما يفلس المستكبرون من دحض الحجة بالحجة يلجأون إلى السخرية والإنتقاص من قدر الدعوة والداعية فلقد قالوا لنوح عليه السلام {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ }هود38 وقالوا لصالح{قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ }هود62 وقالوا {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ }فصلت5 وقالوا {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ }هود87 فكانت السخرية مباشرة أو بلفظ يتضمن هذه السخرية ومعناها يقول الفخر الرازي ﺠ18ص45 رحمه الله( أن يكون المعنى أنك لأنت السفيه الجاهل إلا أنهم عكسوا ذلك على سبيل الاستهزاء والسخرية منه, كما يقال للبخيل لو رآك حاتم لسجد لك.
إن نوح عليه السلام عندما شرع ببناء السفينة في أرض لا بحر يجاورها قد صدع لأمر الحق لإدراكه لقدرة الله عز وجل ولاعتقاده الجازم بنصر الله له, وأما الملأ من قومه فكان هذا الأمر مدعاة للسخرية منه لعدم وجود الإعتقاد عندهم يضاف له استكبارهم , ونفس القضية حصلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية الإسراء والمعراج, ونفس القضية تتجدد مع كل حامل دعوة , فالذين وصفهم نوح عليه السلام في القرآن في قوله تعالى {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً }نوح7 بنفس منطق الأمس يقولون( تريدون أن تعيدوا عقارب الساعة للوراء) و( تريدون أن تقيموا الدين في مالطا)
إن سخرية الكافرين من المؤمنين وسخرية العاصين من المتقين وسخرية الناقصين من الكاملين وسخرية المتفلتين من المتقيدين الملتزمين ما هي إلا لتغطية نقصهم وغمط كمال أهل الكمال وإنها لسخرية غاية في القبح والظلم والعدوان والشناعة في قوله تعالى{ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{38} لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ{39} بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ{40} وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون{41}الأنبياء38-41 وقوله تعالى {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ{9} وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ{10} قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ{11} الأنعام 9-11
وأما النوع الثاني من السخرية فهي التي اشتملتها هذه الآية في بداية الخطاب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ}فإذا كان الساخر يسخر من خلق أخيه الجسدية فإنه يسخر من أمر لا يملك المسخور منه تعديله, ولو خلق الله الساخر كذلك لما كان ملك من أمره شيئا, ولو أن الله ابتلى هذا الساخر كذلك لما كان ملك من أمره شيئا, ولو أن الله ابتلى هذا الساخر بمصيبة جعلت عنده عيباً يسخر منه السالمون لما ملك من أمره شيئا… فكانت السخرية من عيب في أصل الخلقة تحمل في مضمونها الاعتراض على الخالق, وللخالق في ابتلائه لعباده ألوان
وأما النوع الثالث من السخرية فإن كان الساخر يسخر من أسرة أخيه أو لغته أو لونه أو عادات قومه فهو يسخر من أمر لا يملكه المسخور منه كطريقة كلامه أو مخارج اللغة عنده فلا يملك المسخور منه تعديلها
وأما النوع الرابع من السخرية فإنها السخرية من الملكات الفطرية ومنها أيضاً السخرية من الإهمال والتقصير في العمل ففيها ادِّعاء ضمني بأن الساخر لا يقع بمثل هذا التقصير والإهمال ... والواقع يشهد بأن الساخر ربما كان له من النقائض الإرادية ما هو أكثر بكثير من المسخور منه وقد روى الترمذي عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( من عَيَّر أخيه بذنب لم يمت حتى يعمله)
روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا} البقرة 14هم منافقوا أهل الكتاب , فذكرهم وذكر استهزائهم , وأنهم إذا خلوا إلى شياطينهم يعني رؤساء الكفر...قالوا: إنا معكم على دينكم {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}البقرة14بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}البقرة 15في الآخرة, يفتح لهم باب جهنم من الجنة, ثم يقال لهم, تعالوا فيقبلون يسبحون في النار, والمؤمنون على الأرائك ينظرون إليهم, فإذا انتهوا إلى الباب سُدَّ عنهم فيضحك المؤمنون منهم فذلك قوله عز وجل{اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}البقرة 15