3- وأما قوله تعالى {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}
إن النبز باللغة هو اللقب وجمعه الأنباز ونبزه نبزاً إذا لقبه, والتنابز بالألقاب هو التداعي بالألقاب, والمراد من ذلك الألقاب التي فيها ذمٌ أو هُزْءٌ أو تحقير أو شيء مما يكره الإنسان أن ينبز به.
إن التنابز بالألقاب التي من هذا القبيل مما يؤذي الناس ويحمل معنى التحقير لأنه يفت في عضد المجتمع ويقطع حبال الود بين الناس إذ قد يصل التنابز إلى حد الشتيمة كأن تنبز أخاك بالحمار والثور وما شاكل ذلك , وأنه يولد العداوات والأحقاد وقد يصل إلى حد التقاتل مع ثوران الغضب وهيجان الحماقات.
إن الله سبحانه وتعالى أعلم بالنفس البشرية {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الملك14 قد جعل هذه الآفة الاجتماعية حراماً ونهى عنها بل وجعلها من الفسوق والظلم, فكانت هذه القبائح الثلاث ( السخرية واللمز والتنابز) التي قد يفعلها بعض المؤمنين ويصفوا إخوانهم بأوصاف لا تليق بالمؤمن الحامل للإسلام فإن الله عظم الذنب فقال {بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ} ...فإنه تسفل وهبوط قبيح بعد ارتقاء درجات الإيمان واعتلاء قمته وتدنيس فاحش لأكرم رداء يرتديه المسلم وهو رداء الإيمان فقال عز وجل{بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ}
بقيت في الموضوع مسألة واحدة وهي أنه حين يستعمل {الاِسْمُ الْفُسُوقُ} بين الناس أو بين الأصدقاء والأحباء أو حين يخاطب الوالد ولده أو حين يصفه بأوصافٍ غير لائقة ويكون كل هذا الأمر بصيغة التحبب أو أن يمدحه بوصفٍ لا يجوز أن يصفه به فلقد روى الأزهري بسنده عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يسكن مكة ساقور ولا مشاء بنميم) والسّقار والصقار هو اللَّعان لمن لا يستحق اللعن وسمّي بالساقور لأنه يضرب الناس بلسانه...من الصَّقر في قوله الحق {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ }المدثر42 وهو اسم من أسماء النار وتقول العرب سقرته الشمس يعني أذابته ولوحته وآلمت دماغه.... سقرات الشمس.. يعني شدة وقوعها… وسميت النار سقراً لأنها تذيب الأجساد والأرواح والساقور هو المعول الذي تضرب به الصخرة لكسرها
والسَّقارون هم الكذابون لخبث ما يتكلمون به ... ولقد روى سعد بن معاذ عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( لا تزال الأمة على شريعة ما لم يظهر فيهم ثلاث.. ما لم يقبض منهم العلم ويكثر فيهم الخبث وتظهر فيهم السَّقارة قالوا وما السَّقارة يا رسول الله قال بشر يكونون في آخر الزمان تكون تحيتهم بينهم إذا تلاقوا التلاعن) وفي رواية( يظهر فيهم السقارون)
إنك حين تخاطب غيرك ولو بصيغة التحبب فتناديه وتصفه بغير ماأمر الله فإنك تخالف أمر الله ونهيه وتدخل في وصف السَّقارون.
إن هناك فرق بين اللقب والكنية فمن السنة تكنية المولود أو الطفل بأبي فلان ففي الصحيحين من حديث أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا وكان لي أخ يقال له أبو عمير وكان النبي إذا جاءه يقول له( يا أبا عمير ما فعل النُّغَير)- النُّغَير- اسم طائر كان يلعب به-قال الراوي أظنه كان فطيماً, وقد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة أن تكنَّى بأم عبد الله.... وكان أنس يكنَّى قبل أن يولد له بأبي حمزة وأبو هريرة كان يكنَّى بذلك ولم يكن له ولد إذ ذاك.... وكذلك أبو بكر وأبو حفص-عمر-وخالدبن الوليد-أبي سليمان- وأبو ذر كلها كانت لهم كُنى.
إن الكنية تنمي شعور التكريم والاحترام في نفس الطفل, بل وتعوده أدب مخاطبة الكبار وفي ذلك يقول الشاعر:
أكنّيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسَّوْءة اللقبُ