في قوله تعالى{فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }الأنعام125
الحرج: هو الإثم والحارج هو الآثم .... وأحرجه يعني آثمه
الحرج هو الضيق والتحريج هو التضييق وفي الحديث( حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) فالحرج في الأصل هو الضيق ويقع على الإثم, وقيل أنه هو أضيق الضيق فيكون معنى الحديث لا إثم عليكم أن تحدثوا عنهم ما سمعتم وقد بدأ الحديث( بلغوا عني وحدثوا عني بني إسرائيل ولا حرج)
وتحَّرج فلان: إذا فعل فعلاً يتحرج به من الإثم والضيق ومنه الحديث ( اللهم إني أحرج حق الضعيفين… اليتيم والأرملة )يعني أضيقه وأحرمه علي من ظلمها....وفي حديث ابن عباس(كره أن يحرجهم) يعني أن يوقعهم في الضيق والإثم
1-في قول الحق سبحانه وتعالى{فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} الأنعام 125 فالشرح في أصله التوسعة ويشرحه يوسعه ويقال شرح… يعني شقَّ وشرحت الأمر بينته وأوضحته, والشرح هو الكاشف ومنه تشريح اللحم وواحدتها شريحة
فالحرج هو الضيق والشرح هو التوسعة وكلاهما وردا في الآية فإن الله عز وجل قد خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال له{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ }الشرح1 ودعا موسى ربه حين أمره أن يذهب إلى فرعون ويدعوه للإيمان كما ورد في سورة طه قوله تعالى{قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي }طه25 كما حكى عنه في سورة الشعراء{قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ{12} وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ{13}
إن الذين لا يؤمنون ويرفضون قبول الحق والالتزام به بعد وضوح أدلته وبراهينه يجعل الله على صدورهم رجساً تضيق به صدورهم وتكون في حرج, فلا يستجيبون لدعوة الله ولا يستسلمون لحكمه وأحكامه, بعكس الذين آمنوا بربهم فإن صدورهم تنشرح للإيمان بالله ويستسلمون لقضائه وحكمه وصدق الله العظيم{أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ }الزمر22
ويقابل انشراح الصدور للإيمان بالله انشراح الصدر للكفر بالله والعياذ بالله في قوله تعالى{مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }النحل106-107
2- لقد أنزل الله على رسوله القرآن .... وفيه تكليف بحمل رسالة عظمى إلى الناس أجمعين… وهذا الحمل لا بدأن يصطدم مع أهواء المستكبرين ويدخل معهم في مواجهة فيها تحدٍ وتسفيه لباطل المشركين من عقائد وعقول حوت وحملت هذه العقائد ...وهذه المواجهة تدفع المشركين إلى مقابلة الرسول بما يكره من شتائم واتهامات من شأنها أن توجد في النفس ضيق وحرج فأنزل الله تعالى{كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ }الأعراف2
وهذا الأمر ليس خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم وحده بل هو لكل حامل دعوة فإنه سوف يلاقي من العنت والعنى في حمله وإن الله جل وعلا هو المعين ولسوف يشرح صدره ويثبته ويعينه وصدق الله العظيم{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ }الحجر97 وأقوالهم واحدة وإن تباعدت السنين فإنهم اليوم يقولون....أتريدون أن تعيدوا عقارب الساعة إلى الوراء, أتريدون أن نعيش في عصرالحريم, أتريدون أن ترجموا الزاني وتقطعوا يد السارق في عصر العولمة وعهد الكمبيوتر ويجيء الجواب من الله عز وجل{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} الحجر 97-99
لقد قيلت مثل هذه الأقوال لرسول الله صلى اله عليه وسلم فلا يَفُتنَّ في عضد حامل الدعوة مثلها في هذه الأيام فإنها من البلاء المنتظر الموعود للمؤمنين قبل النصر وصدق الله العظيم{لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ }آل عمران186 وهذا البلاء المنتظر الموعود ليس بالجديد أبداً وإنما هو البشارة التي تسبق مجيء نصر الله عز وجل
إن الفرق واضح بين الاستعجال وبين الضيق وانشراح الصدر فإن الاستعجال لا يعني مطلقاً ضيق صدر حامل الدعوة بدعوته, فقد خاطب ربنا عز وجل المؤمنين فقال{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ }البقرة214 فالأمر هنا أمر تعلق باعتقاد حول السؤال( متى نصر الله) فهو إن كان استبطاء الصابر للنصر فسأل الله متعجلاً راجياً وطالباً من الله النصر فلا شيء فيه, ولكن من قال( متى نصر الله) شاكاً ومرتاباً فهنا الخطورة
يقول القرطبي رحمه الله في هذه الآية: فيه تقديم وتأخير فيصير المعنى حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله فيقول الرسول(ألا إن نصر الله قريب) فهم كما يقول القرطبي بلغ بهم الجهد حتى استبطئوا النصر وجاء الجواب الشافي لبيان تناهي الأمر في الشدة من أن نصر الله قريب.
إن الله جلت قدرته أمرنا بالصبر ووعدنا بالنصر فكان انشراح الصدر بما نحمل هو المطلوب بغض النظر عن الأحوال والأوضاع فلقد أخرج البخاري وأبو داود والنسائي والإمام أحمد عن خباب بن الأرت قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لقينا من المشركين فقلنا ألا تستنصر لنا, ألا تدعو الله تعالى لنا فقال( من كان قبلكم كان يوضع المنشار على مفرق رأسه فتخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه, ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه, ثم قال( والله ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله تعالى والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون )
إن من شرح الله صدره للإيمان قد يستعجل النصر بوصفه الآدمي ولكنه لا يضيق صدره بما يحمل أو بما يسمع. أخرج الحاكم وصححه عن أبي مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( إن الله ليجرب أحدكم بالبلاء وهو أعلم به كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار, فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز, فذلك الذي نجاه الله تعالى من السيئات ومنهم من يخرج كالذهب الأسود فذلك الذي قد افتتن).
وقد روى أن عبد الله بن مسعود قال يا رسول الله ... هل ينشرح الصدر فقال نعم يدخل القلب نور.... فقال وهل لذلك علامة فقال النبي صلى الله عليه وسلم.... التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزول الموت).... وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) ولا يكون ذلك إلا بشرح الصدر.
3- إن التوسعة والتضييق وصفان في قوله تعالى{ فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} فكان شرح الصدر وضيقه هما الوصفان للصدر, وصف كل واحد من هذين الوصفين في حالة مختلفة عن الأخرى بل مناقضة لها, بعد أن تلبس هذا الموصوف بهذه الصفة.... فلا يطلق على الكريم بأنه كريم إلا بعد مباشرته لهذا الفعل أو على البخيل بأنه بخيل إلا بعد مباشرته لهذا الفعل.... وهكذا
إن الداعي لفعل الكرم عند الكريم أو الداعي لفعل البخل عند البخيل لا بد من أن يحصل قبل الفعل فيكرم أو يبخل وكذلك الشرح والضيق فإذا حصل الداعي إلى الشرح حصل بإعانة الله لأن الله عز وجل هو الذي يشرح وهذا الداعي هو الإيمان بالله عز وجل والثبات عليه وعدم مفارقته فقد ذكر الله ذلك في آيات كثيرة منها قوله عز وجل {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} التغابن11وقوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} العنكبوت 69 فحصلت لهم الهداية بعد أن آمنوا وبعد أن جاهدوا وقوله تعالى{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ }العنكبوت7 وقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ }لقمان8
إن الاعتقاد الجازم بأن هذا الكون مخلوق لخالق واجب الطاعة فيما أمر وأنزل على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأن هذا القرآن من عند الله وأن الآخرة خير وأبقى وأن الجنة حق والنار حق وأن الله يبعث من في القبور, هو الداعي إلى وجوده عند كل من آمن بالله عز وجل ورضي بهذا الإسلام ديناً, فأخضع كل حركة وفعل لأمر الله ونهيه وثبت على الحق فإن الله قد أخبر ووعد وبشر بأن يشرح صدره ويوسعه… لأن الإعانة من الله لمن آمن وثبت
ويقول السيد قطب رحمه الله في هذه الآية( من يرغب في الهدى ويتجه إليه بالقدر المعطى له من الاختيار بقصد الابتلاء {يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ } فيتسع له ويستقبله في يسر ورغبة , ويتفاعل معه, ويطمئن إليه ويستروح به ويستريح له, ومن يقدر له الضلال وفق سنته الجارية من إضلال من يرغب عن الهدى ويغلق فطرته عنه {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} فهو مغلق مطموس يجد العسر والمشقة في قبوله {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء}وهي حالة نفسية تجسَّد في حالة حسية, من ضيق النفس, وكربة الصدر والزهق المضنيّ في التصعد إلى السماء , وبناء اللفظ ذاته{ يَصَّعَّدُ}كما هو في قراءة حفص فيه من العسر والقبض والجهد, وجرسه يُخيِّل هذا كله.
{كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } كذلك بمثل هذا الذي يجري به قدر الله من شرح صدر الذي يريد الله به الهدى, ومن العسر والجهد والمشقة لمن يريد الضلال… كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون .... ومن معاني الرجس العذاب , ومن معانيه كذلك الارتكاس , وكلاهما يلون هذا العذاب بمشهد الذي يرتكس في العذاب ويعود إليه ولا يفارقه ) ج2 ص380
وأما إذا كفر وعاند فعند ذلك يضيق صدره لوجود الداعي إلى الكفر قبل الكفر, وذلك لوجود الهوى والمصلحة التي تمنعه من رؤية نور الإيمان
4- وأما قوله تعالى {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الحج 78 يشرحه الحديث الذي رواه سعيد بن المسيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( خير الدين أيسره) وهي مما خص به الله هذه الأمة فيما روى معمر عن قتادة قال( أعطيت هذه الأمة ثلاثاً لم يعطها إلا نبي, كان يقال للنبي اذهب فلا حرج عليك وقيل لهذه الأمة{ َمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}, والنبي شهيد على أمته وقيل لهذه الأمة{وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} ويقال للنبي سل تعطه وقيل لهذه الأمة {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ }غافر 60