في قوله تعالى { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ }الحجر88
سبب نزول هذه الآيات أن سبع قوافل جاءت في يوم واحد ليهود بني قريظة ولبني النضير , فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله, فأنزل الله {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ }الحجر87.... فهي خير من قوافلهم وفي الآيات أبحاث:_
1- أن الله جل وعلا أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه صَبَّره على قومه حين آذوه الإيذاء الشديد فقد روى الترمذي وابن ماجه من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( لقد اخفت في الله وما يخاف أحد, ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد, ولقد أتت عليَّ ثلاثون بين يوم وليلة ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواري إبط بلال ) وأمره أن يفصح الصفح الجميل الذي لا منٌَّ فيه ولا أذى, ثم أتبع ذلك بذكر النعم العظيمة التي خصها الله تعالى له.,إذ أن الإنسان إذا تذكر نعم الله وكثرتها سهل عليه الصفح والمسامحة…
{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ } وهي سورة الفاتحة في أقوال أكثر المفسرين وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الفاتحة وقال( هي السبع المثاني) وفي بعض التفاسير أنها السبع الطوال وهي : البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة بوصفها سورة واحدة لا بسملة بينهما.
2-{ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} فإن الله قد أعطاك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم, فنهاه عن الرغبة في الدنيا, فكأن القول أنك أوتيت القرآن العظيم فلا تشغل سرك وخاطرك بالالتفات إلى الدنيا ومنه الحديث( ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن) وقال أبو بكر ( من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صَغَّرَ عظيماً وعظم صغيراً) فجاء الأمر من الله{ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} قال ابن عباس يعني لا تتمنّ ما فضلنا به أحداً من الدنيا.... وقال الوافدي: إنما يكون ماداً عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر ونحوه ... وإدامة النظر إلى الشيء تدل على استحسانه وتمنيه.
ويقول سيد قطب في هذا المعنى في الظلال ص220ج5: والعين لا تمتد, إنما يمتد البصر أي يتوجه, ولكن التعبير التصويري يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع , وهي صورة طريفة حين يتصورها المتخيل, والمعنى وراء ذلك ألا يحفل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك المتاع الذي آتاه الله لبعض الناس رجالاً ونساءً امتحاناً وابتلاءً.
ليس المقصود هو أن يقنع المحرومون بحرمانهم ويدعوا المتمتعين لمتاعهم حين تختل الموازين وينقسم المجتمع إلى محرومين ظلماً ومتمتعين بغياً, فالإسلام الذي يقوم على الحق, ويقرر أن الحق هو قوام هذا الوجود لا يرضى الظلم أصلاً, إنما هو معنىً خاص في هذا السياق, للموازنة بين الحق الكبير والعطاء العظيم الذي مع الرسول والمتاع الصغير الذي يتألق بالبريق وهو ضئيل… وهو بيان إلى توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إهمال القوم المتمتعين , والعناية بالمؤمنين فهؤلاء هم أتباع الحق الذي جاء به, وأولئك هم أتباع الباطل الزائل الطارئ .انتهى قوله {وَلاَ تَطْرُدِ }الأنعام5
لقد أدب الله رسوله وأمره أن يتحلى بالعفة عما في أيدي الناس من زهرة الحياة الدنيا, وأن يقنع بما قسم الله له, فكان الرسول صلى الله عليه وسلم أعف خلق الله عما في أيدي الناس, وعن الدنيا بما فيها, فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت: ما شبع آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض) وروى مسلم عن النعمان بن بشير قال( لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم وما يجد من الدَّقل ما يملأ به بطنه)يعني التمر الرديء , وفي الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما حلف على نسائه أن لا يقربهن شهراً, اعتزل في غرفة صغيرة ليس فيها شيء من متاع الحياة الدنيا, فدخل إليه عمر بن الخطاب فرآه متوسداً على حصير فابتدرت عينا عمر بالبكاء, فقال له رسول اله صلى الله عليه وسلم ( ما يبكيك يا عمر...؟؟؟ فقال يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هم فيه, وأنت صفوة الله من خلقه, فقال أو في شك أنت يا عمر بن الخطاب...؟؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا)
ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم وبُعده عن كل مظاهر الكبر والاستعلاء ما رواه ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعود المريض, ويتبع الجنازة, ويجيب دعوة المملوك, ويركب الحمار, لقد رأيته يوم خيبر على حمار خطامه ليف)
3- إن نظرة حامل الدعوة الإسلامية للدنيا قد حددها الشرع فلا ينبغي له أن يخرج عن الإطار الذي وضعه الله له , فلقد تعهد الله بالرزق فلا يحزن الإنسان فإن الله هو القابض الباسط, فتحري أمر الله بما أمر والالتزام به هو المطلوب من الإنسان فعله وأما الرزق فإن الله قد تكفل به في قوله تعالى{ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى. وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} طه 131-132
إن الذي أدرك أن الحياة الدنيا متاع فانٍ ويتعامل معها على هذا الأساس فيعيش فيها بلاغاً للآخرة , فيملك أمره فيها ضابطاً تصرفاته وفق أوامر الله ونواهيه, وأما من يعيش الدنيا للدنيا فيملكه ماله وينضبط وفق مصالحه فتملي عليه مصالحه مواقفه وأفعاله , ويتبع هواه
لقد خاطب الله نبيه عن هؤلاء القوم فقال {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} لا تحزن على المشركين إن لم يؤمنوا وقال {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً }الكهف6 وقال{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ }الشعراء3 {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} فإن الدنيا دار امتحان {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}الأنبياء35 وموضع ابتلاء ومقتضى الامتحان أن يختار منهم فريق طريقه إلى الجنة, ويختار منهم فريق طريقه إلى النار, وقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال( إن الدنيا خضرة حلوة, والله مستخلفكم فيها, فينظر كيف تعملون) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم( إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا قال وما زهرة الدنيا قال بركان الأرض)
4- أخرج الحاكم روى الديلمي عن أبي موسى الخولاني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( فما أوحي إليّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين, ولكن أوحي إليّ{ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} الحجر98-99 . إن القضية المادية تتكرر اليوم كما حصلت بالأمس, مع اختلاف الأشخاص ولكن القضية واحدة , والتحذير من الله للمؤمنين بعدم الانخداع بالبريق الزائف الذي تحمله هذه الدعوات المادية.
إن الذين يحاولون اليوم التفريق بين العقيدة والأحكام الشرعية ويفرقون بين حكم شرعي وحكم شرعي آخر تحت شعار عدم موافقته للعصر هم نفسهم الذين { جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ }الحجر91 فحاولوا التفريق والتجزئة وخلط الأحكام بغيرها, كما قال قتادة عنهم من أنهم قوم من قريش قسّموا القرآن فجعلوا بعضه شعراً وبعضه سحرا وبعضه كهانة وبعضه أساطيرالأولين… وكذلك هم اليوم.... يؤمنوا ويصلوا ويرابوا ويتنازلوا تحت شعار العصرنة وفقه الواقع
فجاء الجواب الشافي من الله {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ }الحجر94-95 يعني لا بد من أن تفرق بين الحق والباطل وقال الزجاج: فاصدع يعني اظهر ما تؤمر به يقال… صدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً كقولك صرّح بها