في قوله تعالى{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }الزمر53
السَّرَف والإسراف هو مجاوزة القصد, أسرف في ماله...تحجل من غير قصد, وأكله سَرَفاً أي في تحجله, مسرف مرتاب يعني كافرٌ شاكٌ
السرف: هو الجهل والإغفال يعني أسرف إذا غفل وأخطأ ومنه قول جرير:
أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ما في عطائهم مَنٌّ ولا سَرَف
السّرَف الذي نهى الله عنه هو ما أنفق في غير طاعة الله قليلاً كان أو كثيراً
الإسراف في النفقة هو التبذير في قوله تعالى{وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً }الفرقان67, قال شعبان لم يسرفوا: أي لم يقصروا به عن حقه في قوله تعالى{كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ }الأنعام141 فالإسراف في هذه الآية هو أكل ما لا يحل أكله وهو مجاوزة للقصد والحد
وكذلك في قوله تعالى{وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً }الإسراء33 وهو أيضاً مجاوزة للحد والقصد, فالإسراف في القتل أن يقتل الولي غير قاتل صاحبه, أو أن يقتل هو دون السلطان أو أن لا يرضى بقتل واحدٍ لشرف المقتول وخساسة القاتل
وخلاصة معنى السرف هو مجاوزة الحد الذي وضعه الله للإنسان ليحدد فعله
وأما سبب نزول هذه الآية فقد قال ابن عباس : أتى وحشيٌّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتيتك مستجيراً فأجرني حتى اسمع كلام الله , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت أحبُّ أن أراك على غير جوار, فأما إذا أتيتني مستجيراً فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله , قال: فإني أشركت بالله وقتلت النفس التي حرم الله وزنيت , هل يقبل الله مني توبة...؟؟؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً }الفرقان68 فتلاها, فقال- وحشي- أرى شرطاً, فلعلي لا أعمل صالحاً....!!! أنا في جوارك حتى اسمع كلام الله .... فنزلت {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً }النساء116… فدعا به فتلى عليه.. قال- وحشي- فلعلي ممن لا يشاء...!!! أنا في جوارك حتى اسمع كلام الله… فنزلت{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }الزمر53 فآمن
الآية {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا}
1- {قُلْ يَا عِبَادِيَ} بلغ يا محمد عبادي.. فخاطبهم بعباده… والعبودية مفسرة بالحاجة والذلة والمسكنة.. واللائق بالكريم الرحيم إضافة الخير والرحمة على المسكين المحتاج.... فأضافهم إلى نفسه بياء الإضافة فقال {يَا عِبَادِيَ}وشرف الإضافة إليه يفيد الأمن من العذاب.
2- أنه جل وعلا قال{ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} ومعناه أن ضرر تلك الذنوب ما عاد عليه بل هو عائد إليهم… فيكفيهم من تلك الذنوب عود مضارها إليهم ولا حاجة على الحاق ضرر آخر بهم فهم الذين أسرفوا على أنفسهم
3- أنه جل وعلا قال {لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ} فنهانا من القنوط الذي هو انقطاع الرجاء وعدم وشدة اليأس من حصول الخير في قوله تعالى {قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ. قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ }الحجر55-65
فكان النهي عن القنوط للعبد هو أن يكون دائم الرجاء بالله عز وجل فنهيه لعباده عن القنوط هو فتح باب الرجاء لهم, والكريم الرحيم إذا نهى عن القنوط وفتح باب الرجاء فلا يليق به إلا الكرم
قال الفخر الرازي رحمه الله {لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ} وبدايتها{قُلْ يَا عِبَادِيَ} والبناء عندنا لا تقنطوا من رحمتي ولكنه قال {لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ} لأن قولنا(الله) أعظم أسماء الله وأجلها فالرحمة المضافة إلى أعظم أسماء الله وأجلها تكون في أعظم أنواع الرحمة والفضل
{لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} والبناء عندنا يقول أنه يغفر الذنوب جميعاً ولكن (إن) المفيدة للتأكيد بدل على المبالغة في الوعد. وقوله تعالى{ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } للمبالغة في الرحمة, والرحيم إشارة إلى تحصيل موجبات الرحمة والثواب { إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }لا يفهم منها سوى الحصر ومعناه أنه لا غفور ولا رحيم إلا هو جل وعلا وذلك يفيد الكمال في وصفه سبحانه وتعالى بالغفران والرحمة.
روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( إني لا أعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة, وآخر أهل النار دخولاً النار خروجاً منها, رجل يؤتى به يوم القيامة, فيقال… اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها, فتعرض عليه صغار ذنوبه, فيقال عملت يوم كذا وكذا...كذا وكذا… فيقول نعم لا يستطيع أن ينكر… وهو مشفق في كبار ذنوبه أن تعرض عليه, فيقال له فإن لك مكان كل سيئة حسنة… فيقول يا رب قد عملت أشياء لا أراها هاهنا ) فيقول أبو ذر فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفحل حتى بدت نواجذه ....وقال أبو طويل...رجل من كندة- يا رسول الله أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها ولم يترك منها شيئاً, وهو في لك لم يترك حآجة ولا دآجَّة إلا اقتطعها, فهل له من توبة, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ...هل أسلمت قال: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد انك عبد الله ورسوله, قال نعم.... تفعل الخيرات وتترك السيئات يجعلهنَّ الله كلهنّ خيرات) قال وغدراتي وفجراتي يا نبيَّ الله… قال الله أكبر فما زال يرددها حتى توارى)
وذكر الثعلبي والقشيري والرواية لأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال( لَيَتَمَنَّيْنَ اقوام انهم أكثروا من السيئات .... فقيل ومن هم...؟؟؟ قال الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات) في قوله تعالى{إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}الفرقان70
وروى البخاري عن قتادة عن صفوان بن محرز أن رجلاً سأل ابن عمر كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى قال: يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول: أعملت كذا وكذا...؟؟؟ فيقول نعم, ويقول عملت كذا وكذا… فيقول نعم, ويقرره… ثم يقول إني سترت عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) اللهم اغفر لنا واستر علينا يا رب
اللهم آميـــن
النداءات:
تم بهذا الموضوع نشر كتاب حديث رمضان 7 للشيخ جواد عبد المحسن، سائلين الله تعالى أن يجزيه عنا وعن المسلمين خير الجزاء وأن ينفع بعلمه المسلمين جميعا، والحمد لله رب العالمين