الغوث : هو إجابة الطلب (واغوثاه)وهو قول الواقع في بلية....أغثني..أي فرج عني.
فيطلب الغوث ممن يملكه ولا يطلب ممن لا يملك أو ممن لا يقدر, فإذا كان الغوث مالاً أو حاجة فتطلب ممن يملكها كما قال الشاعر:
أغثني يا فداك أبي و أمي
وإذا كانت الحاجة رفع مظلمةٍ أو نصراً أو معونةً فإنها تطلب ممن هو قادر عليها ولا تطلب من عاجز.
وأما وقتها فهو عند مسيس الحاجةِ إليها فإنها تسمى الغوث فهي كالقطعة التي لا يمكن لغيرها أن تملأ فراغها أكانت أكبر أم أصغر فليس البحث هنا عن أكبر و أصغر وإنما عن أمر لا يمكن الإستغناء عنه أو الإستعاضة عنه أو تأخيره.
فإن الذي يملك مالاً ويربح على ماله مالاً لا يسمى هذا الربح غوثاً وإنما يسمى الدرهم الذي يلزمه وقت مسيس حاجته إليه غوثاً ليس من حيث الرقم وإنما من ناحية الحاجة .
ومن طريف ما قرأت أن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص كانَ لها مولى يسمى(فِند)بعثته ليقتبس لها ناراً فتوجه إلى مصر فأقام بها سنة, ثم جاءها بنار وهو يعدوا فعثر فتبدد الجمر فقال: تعست العجله فقالت عائشة:
بعثتك قابساً فلبثت حولاً == متى يأتي غواثك من تغيث
فقد كانت حاجتها للجمر في وقتٍ معين وانقضى هذا الوقت وذهب فلا يسمى قضاء الحاجة في غير وقتها غوثاً.
وأما الغيث فهو المطر والكلأ وقيل الأصل المطر ثم يُسمّى ما ينبت به غيثاً وأنشد ثعلب:
وما زلت مثل الغيث يُركب مرةً == فيُعلى ويولى مرةً فيثيبُ
ويقال غاث الأرض أصابها ومنه الحديث فادع الله يغيثنا والإغاثة الإعانة......وغيثَ القوم أصابهم الغيث.
في قول الحق سبحانه وتعالى {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ }الشورى28,وفي الآية مسائل:
1. أنه وحده سبحانه وتعالى القادر على قضاء كل حاجات البشر وأنهم جميعاً محتاجون إليه لأنه الخالق الباسط القابض وأنه مالك الملك فحصول الإعتقاد عند المسلمين بأنه سبحانه وتعالى هو المعطي الوهاب وأن حاجتهم عنده ولا يملكها غيره فلا تطلب من غيره, فرجاء المؤمن بربه في قضاء كل حوائجه عقيدة عنده وليس بينه وبين ربه حجاب فيسأله في كل وقت{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}البقرة186,وقوله {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}غافر60.
2. {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ} فإذا كان الغيث هو المطر فإنه قضاء حاجةٍ في فصلٍ معينٍ ويدخل في باب الغوث الذي هو أوسع وأشمل , ولا يتعلق بأمرٍ معينٍ في فصل معين ولجانب معين من جوانب الحياة, وقد أخبر ربنا عز وجل في آية {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}لقمان34.
إن نزول المطر وإنبات الزرع بعد الجفاف الذي هو ابتلاء من الله حين غفلة الناس عن أوامر ربهم ونواهيه وحين تفشّي المعاصي ويحتاج الأمر لتوبة واستغفار وتضرعٍ لله عز وجل الذي بيده وحده مفاتح الغيب,فالإستغفار والمطر أو الرزق مترابطان ويستنـزل بالإستغفار المطر أو يسترزقُ به في قوله تعالى{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً{10} يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً{11} وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً{12} نوح, وقوله تعالى{وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ }هود52 .
وروى الشعبي قال: خرج عمر بن الخطاب يستسقي فلم يزد عن الإستغفار حتى رجع فأمطروا....فقالوا: ما رأيناك استسقيت فقال(لقد طلبت المطر بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر ثم قرأ {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً{10}
3.{وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا},
إن القنوط هو وصف لحالهم في مرحلةٍ معينة وقد جاءهم الغيث وهم في هذه الحالةِ من القنوط, فقد كانوا في مسيس الحاجة للغوث حتى ظهر هذا الأمر فانعكس ما في قلوبهم على وجوههم من تجهم وحزنٍ فوصف حالهم بالقنوط فجاءهم الغوث بالغيث من الله لأنه هو وحده مالك الملك القادر على الغوث بالغيث وغيره.
إن اليأس وما يترتب عليه من قنوط هو معصيةٌ بحد ذاته فلا يصح للمسلم أن ييأس أو يقنط فهذا ليس حاله إذ أن فرحه أو حزنه منضبط بضوابط شرعية فلا إقبال الدنيا أو إدبارها تؤثر في عقيدته لأن العقيدة التي حملها واعتقدها قد هذبته بحيث أنه قد اختلف عن غيره اختلافاً ليس بمكونات إنسانيته بل بما يحمل ويعتقد فالإنسان بوصفه إنساناً حاله كما أخبر ربنا عز وجل{لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ }فصلت49, وأما المؤمن فكل أمره خير ويلهج دائماً حامداً ربه في كل حال ويقرأ قوله {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }الزمر53.
4. {وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ}
إن المطر إذا نزل لا ينزل على كل الدنيا وإنما ينزل في أرضٍ دون أرض بخلافِ رحمة الله عز وجل التي نزلت وقال عنها{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} وأرسل لنا رسوله الكريم وخاطبه وقال {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}الأنبياء107, وأنزل عليه القرآن وقال عنه {هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }الأعراف52 ,وتعلمنا أن نفتتح كل أمر ب(بسم الله الرحمن الرحيم).
ففي حديث ألا تدعوا لنا ألا تستنصرنا يقول الرسول صلى الله عليه واله وسلم (والله ليُتمَّن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه) وهذه من رحمة الله التي نشرها في كل مكان.
لقد جاء الترتيب في الآية{وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} بعد {مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا} وهنا تتعلق رحمة الله تعالى بالإعتقاد الجازم بقدرةِ الله ومثلها في قوله تعالى{قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ{54} قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ{55} قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ{56} الحجر.
وهنا المدخل إلى الفكرةِ الثانية وهي أنه جل وعلا قد شرفنا وأكرمنا وجعلنا من عباده ونسأله أن تشملنا رحمته التي وسعت كل شيئ, فمن كان في كنف الله فمحال أن ييأس أو أن يقنط بل يناجي ربه ويناديه ويسأله حتى شسع نعله إن فقده, ويعتقد أن ما يصيبه هو بلاء واختبار من الله له وواجب عليه إما أن يصبر أو أن يشكر.
5.{وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ }
قلنا أن الغوث أعم وأشمل من الغيث –المطر- ورحمته عز وجل تسع كل شيئ وهو الولي الحميد فالوليُّ هو مالك التدبير كولي اليتيم الذي يدبر أمور اليتيم فالله هو الولي المدبر المأمول منه النصر والمعونة لأنه هو وحده المالك, فولاية العبد لربه هي إعتقاد كل ما جاء به الرسول من عند ربه والإمتثال لأوامره ونواهيه والتفويض إليه والتوكل عليه والإستسلام لأمره في السر والعلن والشدةِ والرضى وصدق الله العظيم {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }آل عمران31.
والحميد هو المستحق أن يحمد لأنه جل ثناؤه بدأ فأوجد ثم جمع بين النعمتين الحياة والعقل ووالى بعد منحه وتابع آلاءه ومننه علينا حتى فاقت العد وإن استفرغ فيها الجهد وصدق الله العظيم {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} إبراهيم, فالواجب على كل مكلف أن يعتقد أن الحمد على الإطلاق هو لله وحده وأن الألف والام للإستغراق فهو الذي يستحق جميع المحامد بأسرها فنحمده على كل حال ما علمنا منها وما لم نعلم فقد روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول (ربنا ولك الحمد ملء السموات والأرض وما بينهما وملء ما شئت بعد).
إن حال المسلمين اليوم وواقعهم الذي يعيشون فيه من ظلم ونهب وسلب وغصب وذلةٍ وهوان لا يمكن للمطر إن نزل عليهم أكثر من معدله السنوي أضعافاً مضاعفة أن يخرجهم مما هم فيه فإننا وإن كنا نحتاج إلى الغيث فإن حاجتنا للغوث أكبر وأشد فلا بد من وجود قاعدة صلبة وأساسية نستند إليها ونعتمد عليها ولا بد لهذه القاعدة أن تكون واحدة لا تتعدد حتى لا يحصل الخلط والغلط وعدم وضوح الغاية.
إن الإعتقاد الجازم عندنا من أن الله جل وعلا هو {الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ }وأنه هو وحده القادر على النصر والإعانة والغوث وأنه المحمود دوماً وعلى كل حال, يثبت حقيقة وينفي وهماً, فيثبت حقيقة أننا عباده وواجب علينا الإلتزام بأمره ونهيه في سرنا وعلننا وأن نسير وفق منهجه وأن الدار الدنيا لها ما بعدها إما جنة أو نار, وينفي وهماً قد توهمه كثير من جهلاء المسلمين انبهروا ببريق سراب الكافر فتوهموا أن السعادة هي السير في ركاب الكافر فتاهوا وضلوا وأضلوا بل وحاولوا زرع الشك في نفوس أتباعهم ومحبيهم وخلط مفاهيمهم حتى صرنا نسمع من أبناء المسلمين من يدعوا للديمقراطية وفقه الموازنات وتجديد الفكر الديني.
إن الغيث يطلب في القحط والمحل ووقت الحاجة إليه ونصلي صلاةَ الإستسقاء وحين نسقى الماء يتحقق أمرٌ واحد ولا تحل كل مشاكلنا فهل نحن حقيقة بحاجةٍ للغيث أم للغوث....؟؟؟؟؟؟؟؟؟
إننا حين نسأل هذا السؤال لا نتلاعب بالكلمات بل نوضح مفهوم معيناً بين قضيةٍ واحدةٍ وقضايا متعددة تتعلق بقضيةٍ وأمرٍ واحد هو أننا نعيش القحط والجدب الفكري منذ أن هدمت الخلافة فقد تعطلت كل الحدود وكل الأحكام مع أن المطر ينهمر في كل عام وبدرجاتٍ وكميات مختلفة.
صحيح أنه بدون الماء لا خياة في قول الحق سبحانه وتعالى{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ }الأنبياء30,وهذا يدل على ظواهر استمرار الحياة في الزرع والدواب والطير والبشر فهم متساوون بإحتياج استمرار وجودهم للماء وللمطر ولكن البشر المخاطبون بالأحكام الشرعية قد خاطبهم ربنا عز وجل فقال {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة179,فحياتنا كمسلمين هي بوجود الذي ينفذ القصاص وسائر أحكام الله عز وجل.
إن الماء للمخلوقات حياة واتباع الحق حياة والفرق بين هذه وتلك هو وجود العقل المميز الذي استدل بهداية الله له وصدق الله العظيم {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }الأنعام122, فطريق الحق واتباع أوامر الله وإقامة شرعه على أرضه هي الحياة التي أمرنا ربنا عز وجل أن نحياها وأن نقيمها إن لم تكن قائمة وأن نطلب الغوث من الله عز وجل وأن نسير في الطريق إلى الحياةِ, إذ أن السير لطلب الحياةِ حياه, والقعود عن السير في هذه الطريق هو استمراء ظلم وركون وخنوع وذلة, فحياتنا وغوثنا في إقامة دولتنا فقط فلا الغيث ولا البترول ولاالصناعة ولا الغنى بالنسبة لنا غوث وإنما غوثنا بدولتنا فقط.
إن الناظر لحال المسلمين اليوم يرى أن حالهم لا يرجعُ إلى قلةِ مواردهم أو جهلهم, بل أنهم يمتلكون المال والثروة والموقع الإستراتيجي في العالم ومع ذلك فلا مكان لهم ولا مكانة ضمن هذا العالم بل أنهم يتأثرون به ولا يؤثرون فيه فلم يكن البترول والمال والموقع عامل قوةٍ بل كان سبباً لإستهدافهم وللهجوم عليهم مع التسليم من الجميع بعراقتهم وتاريخهم وفضلهم, فهل زيادة انتاج بترولهم وكثرةِ عددهم هل هو غوث لهم..؟؟؟؟؟
إن وجود الخير في يد من لا يمتلك إرادته السياسية أو لا يستطيع أن يتخذ قراره بالفعل وعدمه فلا يُعتبر ما يملك من مال أو بترول خيراً له, فكثرة المال أو قلته والغنى والفقر أمر والقدرة على سياسة ورعاية الأمة شيئ, فالرعايةُ عند المسلمين في حال الغنى هي نفس الرعاية في حال الفقر فلا تؤثر هذه الحالات على مفهوم الرعاية من حيث كونه أحكاماً شرعية لا بد أن يتقيد به الناس ويسوسهم أميرهم يحسبها في كل حال.
إن المسلمين اليوم بحاجةٍ ماسةٍ لإيجاد رأسٍ لهم ليسوسهم فهذا الجسد المترهل لا بد من وجود رأس له ليعرف به ويتميز به عن الآخرين, فوجود الرأس هو الغوث لهذا الجسد ووجود أمير المؤمنين هو الغوث لهذه الأمة.