اليأس : هو نقيض الرجاء في قول الحق سبحانه وتعالى {يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ }يوسف87.
قال ابن عباس (إن المؤمن من الله على خبر يرجوه في البلاء ويحمده في الرخاء), فلا يحصل اليأسُ الذي هو عدم الرجاء من رحمة الله إلا إذا اعتقد الإنسانُ أن الله غير قادرٍ على الكمال أو غير عالمٍ بجميع الأحوال وأنه جل وعلا غير كريم بل هو بخيل وكل واحدةٍ من هذه الثلاثة أمور توجب الكفر لوحدها, فإذا كان اليأسُ لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الأمور أو كلها فإن اليأسَ لا يحصل إلا لمن كانَ كافراً وصدق الله العظيم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ}الممتحنة13.
وفد جاء عن عبد الله بن مسعود أن اليأس من الكبائر, وكذلك القنوط وسوء الظن فكان لا بد من التفريق بين هذه المصطلحات:-
1. اليأس: قالوا فيه: إن اليأسَ هو عدم رجاء وقوع شيءٍ من الرحمة له فكأنه يقول قد دعوت الله كثيراً فلم يستجب لي بأن يرفع عني هذا الهم بل زاد وقد دعوت الله أن يهلك الأعداء فلم يهلكهم.... ويذر الدعاء وهذا يسمّى الإستعجال وقد فسره رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيقول (يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أرَ يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء), وهذا من موانع الإستجابة لأنه دخله بابٌ من أبواب الشك والعياذ بالله, فمداخلة رجاء العبد بربه شك يحدث في نفسه بل في قلبه مرض وشفاء القلب لا يكون إلا بعودةِ القلب خالصاً متيقناً بأن حبل رجائه بربه موصول قطعاً.
ويكون الجواب على من يسأل بأننا ندعوا ولا نرى أثر الدعاء.... والجواب في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري
أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال ( ما من مسلم يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها احدى ثلاث, إما أن يعجل له دعوته, وإما أن يدّخر له, وإما أن يكفَّ عنه من السوء بمثلها) قالوا (إذن لنكثر) قال (لله أكثر).
والرجاء كما أخبر عنه ربنا جل وعلا {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً }الكهف110, يعني أن الإعتقاد وحده لا يكفي بل لا بد بالقيام بكل الفروض والأوامر والنواهي ومن ثم يحصل الرجاء.... كالذي حرث وزرع وأخذ بالأسباب, يكون على رجاءٍ من الله أن يغفر له ويستجيب لدعائه,وليس الرجاء كالتمني, فلا صام ولا صلى ولا زكى ولم يأخذ بالأسباب ثم يتمنى على الله الأماني.
وأما فيما يتعلق بعدم وقوع الرحمة له فإن الله تعالى قد أخبر فقال {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}, فإن الله لا يخرج عبداً من رحمته, بل العبد هو الذي يُخرج نفسه من رحمة ربه عز وجل باستكباره عن دعائه وخضوعه له {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ }غافر60 .
2. وأما القنوط فهو: عدم رجاء وقوع شيءٍ من الرحمة له مع انضمام حالةٍ هي أشدُّ منه في التصميم على عدم الوقوع, وتنعكس آثار هذا اليأس في الوجه والملامح والتصرفات ويفهم هذا الأمر من قوله تعالى {قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ }الحجر55,وطلاقة الوجه تَنُمُّ عن فرح قد انعكس على الوجه, واليأس إن انعكست آثاره على الوجه فهو القنوط.
فإن الوجه هو الذي تظهر عليه آثار السرور أو آثار الحزن, فالتجهم مثلاً هو الأثر الذي انعكس أو ظهر على الوجه وهو نتيجة لحزنٍ أو لغيره وكذلك السرور تظهر آثاره على الوجه وصدق الله العظيم{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ{38} ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ{39} وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ{40} تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ{41} أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ{42}عبس, فلا يعرف المرءُ أنه مسرورٌ من يده أو من ساقه بل من وجهه, وكذلك القنوط الذي هو آثار اليأس وانقطاع الرجاء الذي ظهرت آثاره على الوجه, وهذه أيضاً أحوال أهل الجنة في قوله تعالى{إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ{22} عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ{23} تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ{24}المطففين, وقوله تعالى {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ }النحل58, يعني ظهرت على وجهه آثار انفعالاته.
وهذا قطعاً ليس حال المؤمن الذي قرأ {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}, فإن فرحه مضبوط بقواعد شرعية وحزنه أيضاً, وإقبال الدنيا عليه أو إدبارها عنه لا تؤثر في حاله, فيستبشر بإقبالها أو ييأس حين إدبارها أو حين خسارته أو بوار تجارته, فيتقلب في الدنيا تبعاً لربحه فيها خسارته وصدق الله العظيم {لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ }فصلت49, بل هو ثابت على الحق, والربح والخسارة والغنى والفقر والجوع والشبع كلها أحوال آنية لا تستقر ولا تبقى بل الثابت هو الحق وحده.
وقد تمر بالإنسان أحوال يخطئ فيها أو يظلم نفسه حين يرتكب إثماً أو يتجاوز حداً, فلا يقولنَّ إنني قد فعلت كذا وكذا وأن ذنوبي عظيمة فييأس ثم تفتر همته وتنعكس آثار هذا الأمر على وجهه بقنوطه من رحمة الله عز وجل وصدق الله العظيم {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}آل عمران135,وروى مسلم عن أبي هريرةَ أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله تعالى بكم, ولجاء بقومٍ يذنبونَ فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم), وروى أبو داود والترمذي والحاكم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (من قال استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه, غُفِرَت ذنوبه وإن كانَ قد فر من الزحف).
إن استشعار المرء بقدرةِ الله وقوته وأنه وحده القادر الغافر للذنب وأن بقاءه في كنف الله حتى حين يخطئ بوصفه الآدمي ولا يُصِّرُ على ما فعل, هو الذي يبقيه في دائرةِِ عبوديته لله عز وجل وأن حبله بربه موصول بإستغفاره له وطلب إعانته, وقد روى البخاري عن شداد بن أوس عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال (سيّدُ الإستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت, أعوذ بك من شر ما صنعت, أبوء لك بنعمتك علي, وأبوء بذنبي, فاغفرلي, فإنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت.من قالها من النهار موقناً بها, فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة, ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة).
3. وأما سوء الظن فهو: عدم رجاء وقوع شيءٍ من الرحمة له والتصميم على عدم الوقوع ويزيد عليها أنه مع عدم رحمته له يشدد له في العذاب كالكفار, فإن حال المنافقين والكافرين والعياذ بالله هو ظن السوء, في قوله تعالى{وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً }الفتح6, وظن السوء الذي ذكره الله في هذه السورةِ بقوله{بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً }الفتح12.
وقد اختار المحققونَ الأدباء أن السوء عبارة عن الفساد, والصدق عبارة عن الصلاح, فيقال مررت برجل سوء أي فاسد, وسألت رجل صدق أي صالح, فالسوء وحده يكون بمعنى الفساد, وهذا ما اتفق عليه الخليل والزجاج؟, وتحقيق هذا أن السوء في المعاني كالفساد في الأجسام فيقال ساء مزاجه وساء خلقه وساء ظنه, كما يقال فسد اللحم وفسد الهواء, وكل ما ساء فقد فسد وكل ما فسد فقد ساء, ففي فساد الأجرام قال تعالى{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}الروم41, وفي المعاني قال تعالى {سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }التوبة9 , وفي قوله تعالى {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ}الفتح, أي دائرة الفساد وحاق بهم الفساد بحيث لا خروج لهم منه.
وسوء الظن لا يتعلق إلا بمنافق أو بمن ظن أن الله لا يحيي الموتى وظن أن الله لن ينصر رسله وصدق الله العظيم {وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ{22} وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ{23}فصلت.
وحال المنافق واحد في كل وقت فحاله زمن بعثة النبي صلى الله عليه واله وسلم هو حاله اليوم, وقولهم بالأمس كقولهم اليوم ولا فرق, وسوء ظنهم بالأمس كسوء ظنهم اليوم وصدق الله العظيم {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ }الحج15, وقد قال ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحّاك وقتاده والسّدي والفراء والزَّجاج أنه يرجع إلى محمد صلى الله عيه واله وسلم يريد أن من ظن أن لن ينصر الله محمداً في الدنيا بإعلاء كلمته وإظهار دينه وفي الآخرةِ بإعلاء درجته والإنتقام ممن كذبه {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء} يعني فاليطلب حيلة يصل بها إلى السماء, {ثُمَّ لِيَقْطَعْ} أي ليقطع النصر إن تهيأ له.
وهذه الآية لكل وقت فمن ظن أن الله تعالى لن ينصر دينه بإظهاره على الدين كله وأنه تعالى قد وعد عباده بالنصر والإستخلاف والتمكين, من ظن أن الله لن يفي بوعده فحاله كحال الذي يعبد الله على حرف فإن أصابه خير إطمأن له, وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه, خسر الدنيا والآخرةِ, ذلك هو الخسران المبين.
ليس هذا فحسب بل إذا صلى أو زكى أو صام أو حج, وظن أن الله لن يقبل منه صلاةً أو صيام..... أنى يكون هذا حال مؤمن والعياذ بالله فكان الجواب, من كان يظن أن الله لا يرزقه فاليختنق فاليقتل نفسه إذ لا خير في حياةٍ تخلو من عون الله عز وجل, وإدراك عون الله للعبد لا يكون إلا بحسن ظنه بربه.
وكذلك الذي يحمل الإسلام ويدعوا له ويعمل لتطبيق شرع الله في أرضه كيف يمكنه العمل والإجتهاد فيه وجعله مركزاً لحياته وهو يظن أن الله لن ينصره...؟؟؟
إن سوء الظن هو حال المنافق أو من تزعزعت عقيدته وأصبح إيمانه متعلق بيسره, فإذا أصابه العسر اختل إيمانه وتشكك في قدرة الله وقوته بعكس المؤمن المحتسب الصابر الموقن بقوله عز وجل{مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ} النحل , فيدرك إدراكاً أن ما عند الله أقرب له مما في يده اعتقاداً جازماً وهذا هو حسن الظن بالله عز وجل الموجود في قلوب الؤمنين حين قال لهم الناس {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ }آل عمران173, وحسن الظن بالله واطمئنان قلبهم لقضاء الله عز وجل دفعهم للقول{هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً }الأحزاب22.
إنهم حين حملوا الدعوةَ إلى الله عز وجل كان سلاحهم وعدتهم وعتادهم حسن الظن بالله بأنه ناصرهم ومؤيدهم ورازقهم فهم السائرون بوعد الله وهم المنصورون بوعد الله وهم المحسنون الظن بالله, وحال كل من حمل من بعدهم مثل ما حملوا , هو هذا لا يختلف عنه من أن الله ناصرهم ومؤيدهم ورازقهم وحاميهم وأنهم في كنف الله ومعيته وأنهم ضمن إطار أوامره ونواهيه يتبعون الهدى ويبتعدون عن الهوى, فقد روى مسلم عن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي صلى الله عليه واله وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول ( لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل ).
إن اطمئنان القلب لقضاء الله عز وجل وحسن الظن به هو الزاد لحامل الإسلام الذي يعينه في حمله ولتبعاته فهو الموعود من الله بالنصر والتمكين وهو صاحب البشارة والوعد فرغم الواقع السيء الذي يراه حامل الدعوةِ من تفرق الصديق وتكالب الأعداء والخوف والسجن والقتل والتشريد ورغم ضيق الحال وقلة ما في اليد, يبقى حبل الرجاء مع الله هو هو لا يؤثر فيه كل هذه الأحوال لوجود الإعتقاد الجازم بأن الله يدافع عن الذين آمنوا وأنه جل وعلا خاطبنا فقال{ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ}المائدة,
فلا يمكن للكفار وحلفائهم أن يطعنو في هذا الدين أو يحرفوه, فعمدوا إلى أهله يحاولون مع النفوس المريضة تارةً ومع حملة الدعوة تارات, ولكن أنى لهم ذلك.
إن القضية التي يحملها حامل الدعوة إلى الله هي تبليغ رسالة الله إلى عباد الله لهدايتهم بغلبة الحجة وليس بغلبة القهر, فبدأت الدعوة في عالمٍ كله فساد وضلال وجميع القوى المادية فيه بأيدي أهل الشرك والكفر, وصمدت هذه النبتة الوليدة للهزات العنيفة في مكة وصبرت على كل أنواع الأذى من أعدائها وخصومها, فما هي إلا سنين قليلة حتى دانت لها الأمم ودخلت في دين الله أفواجاً.
وهذا قد حدث ولسوف يحدث مرةً أخرى لأن الوعد من الله لعباده المؤمنين وصدق رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (أمتي كالمطر لا يدرى أولها خير أم آخرها), وصدق اله العظيم {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ{5} وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ{6}القصص.
لقد استقبل موسى ومن آمن معه وعد الله استقبال المطمئن الواثق بوعد الله, وحصل هذا الأمر ورآه من كان البارحة يستبعد أو يكذب كل من يقول هذا القول , في الوقت الذي كان المؤمنون مع موسى من المستضعفين في حال خوف وضعف.
وتكرر الأمر مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عندما وعدهم بقصور بصرى في أضيق الأحوال على المؤمنين فقال لهم (إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها وإن ملك أمتي سيبلغ ما زويَ لي منها), وحصل هذا الأمر ورآه كل من آمن ولسوف يتكرر هذا الأمر فبشرنا ربنا فقال {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}النور55 .
فهذا الأمر هو الوعد الحق وهو الزاد في السفر في هذه الحياةِ الدنيا.